تتبوأ اليوم وسائل الاعلام ـ ولاسيما المسموع والمرئي منها ـ مكانة مهمة متميزة عند كل فرد، ولدى كل اسرة، ولو تتبع دارس عدد الساعات التي يقضيها الناس امام القنوات الفضائية التلفازية، يتفرجون على افلام ومسرحيات وتمثيليات ومسلسلات لهاله الامر، ولادرك مدى تأثير «الدراما» بأشكالها المختلفة في عقول الناس وافئدتهم ووجدانهم، وقدرتها الفائقة على صياغتهم صياغة فكرية وشعورية معينة، وذلك لما تتمتع به من التشويق والاثارة، ومن الامتاع والابهار، ومن الجذب والاطراب. وفي ضوء هذا لايبدو فن «الدراما» مجرد اداة للتسلية والترفيه بل هو، في حقيقة الامر ـ اراد صناعها ام لم يريدوا ـ اداة مهمة ناجعة من ادوات التوجيه والتعليم، وفي نشر الافكار والمعتقدات، بل قل في ترسيخ انماط من السلوك والتفكير، والقيم والعادات. ولكن المتتبع لهذا النشاط الاعلامي المؤثر يلاحظ بيسر ان الادب الاسلامي غائب عنه او يكاد، وان حضوره فيه ـ ان وجد ـ لايكاد يؤثر. لماذا تستأثر بالغالبية العظمى من الكتابات التمثيلية والمسرحية اقلام اتجاهات فلسفية كثيرة اقلها واهونها شأنا القلم الاسلامي الهادف الملتزم؟ ان سموما كثيرة، وافكارا هدامة وعشرات من القيم والتصورات السقيمة الهجينة التي تشكل اعتداء سافرا على دين الامة وهويتها الفكرية الاصيلة تحملها هذه المسرحيات والمسلسلات والافلام التي تبث علينا ليل نهار باسلوب شائق مثير يبهر الكبير والصغير، ويجذب الحليم والسفيه، ولا ينجو من سلطانها المكتسح رجل ولا امرأة ولا طفل. اين الدراما الاسلامية؟ اين المسرح الاسلامي الذي يقدم الينا البديل، ويغنينا عن هذا الغث المفسد الذي يطفح به هذا النشاط المؤثر؟ ولا يظنن ظان ان المسرح الاسلامي ـ وقل الادب الاسلامي عامة ـ هو مجموعة من الخطب والمواعظ، او انه بمجرد سوق ساذج مسطح لافكار دينية او خلقية، بل هو مسرح فني يحترم التقاليد المسرحية العريقة باعتبارها ميراثا عالميا وتراثا مشتركا ويؤمن بان لكل جنس ادبي مواصفاته الخاصة، وسماته العامة، التي تميزه من غيره من اجناس الادب الاخرى، وهي قابلة باستمرار للتطور والتجديد. وارتباط المسرح بالدين ليس بدعة، فالمسرح اول نشأته عند الفراعنة واليونان وفي اوروبا الوسيطة ارتبط بالدين، ونما وترعرع في احضانه، وكان الجمهور القديم يأتي المسرح ليتلقى على يديه النصائح والتعليم والارشاد وقواعد الدين ولكن سلطان الدين تراجع في الغرب الحديث، وشاعت فيه افكار وفلسفات كثيرة تتنكر للدين وتعاديه، ونشب صراع حاد بين رجال الكنيسة ورجال العلم اسفر عن إقصاء الدين عن الحياة، وتسلط المفاهيم المادية الالحادية التي حملت معها عشرات الافكار المنحرفة التي راح المسرح الغربي الحديث يعكسها من مثل: خيبة الامل، وضياع اليقين، وانعدام معنى الحياة وضياع المثل العليا والاهتمام بموضوعات الموت والعزلة والتغريب والقلق والخيبة والعبث وغيرها من الافكار المرضية وقد تسللت هذه الافكار الى المسرح العربي الحديث الذي تأثر بالمسرح الغربي وقلده وهو في اوج انحرافه، فعجز عن اداء رسالته في ان يكون اداة بناء وتثقيف وتربية اضافة الى كونه اداة ترفيه وتسلية. ان المسرح المعاصر اليوم بعيد كثيرا عن قيم الامة الاصيلة واخلاقها ودينها وهو ـ اذ يرفه ويسلي ـ يهدم كثيرا من القيم الخيرة ويروج للفساد والشرور والرذيلة. في ظل ذلك تبرز اهمية الدعوة الى مسرح اسلامي هادف اصيل، مسرح مستوف لشروط الفن والمضمون، لا ينفصل في كليهما عن الرؤية الاسلامية المرتبطة بعقيدتنا وقيمنا الخلقية والفكرية. وهو مسرح لن يخرج على قواعد الشرع وضوابطه الثابتة الواضحة، وهو ـ في الوقت نفسه ـ لن يخرج على قواعد الفن وجمالياته. وينبغي ان يأخذ هذا المسرح في حسبانه وهو يتخلق ويتشكل انه ادب وفن، وليس مجرد ادب فحسب، وهو «للفرجة» وهدف كل فرجة تحقيق هدف فكري ومتعة بصرية وسمعية. ولتحقيق اجتماع الغرض الديني والغرض الجمالي الفني في المسرح الاسلامي المنشود، كان التنظير له محتاجا الى جهود طائفة متنوعة من الناس، من علماء الدين، والادباء، ورجال الفن، والممثلين، والمخرجين، والمشاهدين المتذوقين كذلك، على ان يجتمع في هؤلاء جميعا الحماسة لهذا اللون الادبي الفني الدعوي المهم، والاحساس بخطره وعظيم شأنه، وعلى رأس ذلك كله تفيأ هؤلاء جميعا بظلال العقيدة وتعاليم الاسلام.