في نهر النيل في السودان تنتشر سمكة يطلق عليها «البردة» وقد ارتبط اسم هذه السمكة بالعديد من حالات الغرق في النيل، حيث يتردد ان لديها شحنة كهربائية هائلة وانها تصفع من تصادفه في النهر فيلفظ انفاسه. «البيان» اجرت هذا التحقيق حول هذه السمكة مع أهل التجربة واهل الاختصاص واستمعت الى عدة روايات كانت اولاها لزميلة صحفية قالت انها ترتعش لمجرد ذكر اسم «البردة» التي صعقت اخاها في النيل الابيض عام 1996، في منطقة الشجرة جنوبي الخرطوم. وقالت انها لا تنسى ذلك اليوم فقد ذهبوا الى هنالك في رحلة عائلية، ولم يخطر على بال احد ان هذه اللحظات السعيدة ستنتهي بمأساة لم يكن الفقيد بين المستحمين في مياه النيل، بل ذهب لاخذ كمية من الماء للوضوء واختار منطقة ضحلة، ولكنه غرق في لحظات وقد عثر على جثته في حفرة عمقها عشرين مترا وقد تيبست اطرافه اثر تعرضه لصعقة كهربائية بواسطة سمكة «البردة» فيما اكد تشريح الجثة فيما بعد ان الوفاة كانت بسبب تعرضه للتيار الكهربائي. وابانت انها لا تنسى محاولات التدليك التي اجريت لاطراف جثة شقيقها لاعادتها الى وضعها الطبيعي ولم تصدق انها فقدت اخاها الى الابد. حالات غرق اما احمد حسن عمر بوكالة السودان للانباء من قرية الحرقة على النيل الازرق فقد قال ان «البردة» تسببت في الكثير من حالات الغرق كان آخرها غرق ثلاثة من شباب القرية رغم انهم يجيدون السباحة، وقد تزامنت هذه الحوادث مع انحسار النيل في فترة الصيف حيث يكثر فيه هذا النوع من الاسماك، فيما تزداد ايضا اعداد الشباب الذين يرتادون النيل صيفا بغرض الاستحمام والترويح من هجير الصيف ولكن «البردة» تتسبب في وفاة بعضهم. واوضح ان من بين ضحايا «البردة» قريبة الشاب الذي كان يريد ان يعبر النهر وذلك امر اعتاد عليه الى انه قد تعرض لضربة كهربائية من سمكة «البردة» وراح ضحية لهذا الحادث رغم محاولات المتواجدين بالضفة الذين هبوا لنجدته ولم يتمكنوا الا من اخراج جثته من النهر. وقد تكررت حوادث سمكة «البردة» في قرية الحرقة العام الماضي بصورة اليمة حيث لقي اثنان من شباب القرية مصرعهما بنفس الطريقة. وفي النيل حيث «البردة» والصيادون يتعايشون في أمن وسلام التقت «البيان» الصياد ابراهيم الوسيلة سليمان الذي يقول ان سيرته مع سمكة «البردة» قد بدأت قبل اربعين عاما عندما كان وقتها مع شقيقه احمد الوسيلة يساعدان والدهما الصياد، واضاف انه وشقيقه كانا ينويان اعداد وجبة من السمك داخل المركب وقاما بسلخ سمكة «البردة» وامسكا بها في محاولة لتقطيعها ظنا انها ميتة ولكنها كانت حية وبها عروق ظاهرة تحت الجلد تمتد من الرأس الى الذيل، فقامت بصعقهما في آن واحد . اما الآن فلا تعدو ان تكون البردة شأنها شأن بقية اسماك النيل. أما الصياد مكاوي سيد احمد فقال انه يستطيع ان يلمس البردة ويخرجها من شباك الصيد بصورة عادية، لكنه يستدرك انه شهد عام 1947 وفاة شخص كان يستحم تعرض لصعقة من سمكة «البردة» وغرق فجأة، ويضيف ان ضربات البردة متلاحقة ومتواصلة في شكل دائري وعلى المرء الابتعاد بقدر الامكان عن تلك الدائرة عند التعرض للبردة واوضح مكاوي انه في النيل منذ اربعين عاما قضى اغلبها في جنوب البلاد في مناطق كدوك وملوط والدنك في اعالي النيل ويقوم بصيد البردة بصورة عادية والتي يبلغ وزنها في احسن الاحوال ثلاثة كيلوجرامات. لعلاج الروماتيزم واوضح الصائد كمال خليل محمد يقول: عن البردة انها للتداوي خاصة من آلام الروماتيزم وان مرضى الروماتيزم يطلبون البردة حية ويأخذونها الى منازلهم في اناء به ماء بشرط الا يكون الاناء حديديا ويلمسونها مرات ومرات للتداوي بصعقاتها الكهربائية، كما ان الصيادين يتعالجون من الحمى بواسطة جلد البردة. واضاف ان الصيادين يعرفون مناطق تواجد البردة داخل المياه حيث انها تختار المناطق ذات المياه الراكدة (الشيمة) بعيدا عن تيار النهر الى جانب المناطق الحجرية. «البيان» حملت هذه الاسئلة وغيرها عن سمكة البردة الى جهات الاختصاص والتقت بمعهد ابحاث البيئة والموارد الطبيعية التابع للمركز القومي للبحوث، بالباحثة دينا ابراهيم عالم، التي قالت ان الاسماك هي الحيوانات الوحيدة التي احيانا تكون لها اجهزة مصممة لتوليد شحنة كهربائية، وان هنالك اثنين من انواع الاسماك التي لها الخاصية لانتاج صعقات كهربائية كبيرة منها اسماك البردة في المياه العذبة وسمك الطوربيد في البحار، وان هذه المعلومة كانت معروفة لسكان شواطيء البحر الابيض المتوسط والذين نحتوا هذه الاشكال في رسوماتهم وكتبوا عنها في تطبيقاتهم الطبية والعلاجية، وان المصريين كانوا على دراية بانواع من الاسماك سمّاها (مورمايرس) في النيل اي سمكة (خشم النبات) والتي ان كانت شحنتها الكهربائية ضعيفة الا انها محسوسة عند اللمس باليد. واوضحت الباحثة ان العلماء منذ القدم انتبهوا الى تيارات الكهرباء القوية التي يطلقها ثعبان البحر من شمال امريكا، وقد تمت اضافة اعداد اخرى من الاسماك الكهربائية في القرن التاسع عشر عن طريق التشريح وعن طريق الاعضاء الموجودة في الزعانف، وباكتشاف وسائل جديدة محسنة لاكتشاف الشحنات الضعيفة تم اعتبار تلك الاعضاء اعضاء كهربائية حقا، واضافت ان الميزة المشتركة بين كل اجهزة الاعضاء الكهربائية في هذه الاسماك هي انها مبنية في شكل اقراص كبيرة العدد في شكل خلايا، وانما ما يميز سمكة البردة فيما يتعلق بالاعضاء المنتجة للكهرباء ان الكهرباء تأتي من اعضاء في غدد خاصة موجودة في جلد البردة السميك، ومن خصائص الشحنة الكهربائية في البردة انها تأخذ شكل موجات صغيرة متلاحقة ومتصلة تختلف في مدتها وقوتها من نوع الى آخر. وان قوة الشحنة الكهربائية لسمكة البردة قد تصل الى 350 فولتا (قوة الشحنة الكهربائية للتيار الكهربائي في الشبكة القومية للكهرباء الموصلة الى المنازل 220 فولتا) فيما تصل قوة الشحنة الكهربائية لثعبان البحر الى 550 فولتا، كما ان هذه الاسماك لها القدرة على التحكم في التيار الكهربائي دون ان تتأثر بها السمكة نفسها، ولقد اصبح من غير المشكوك فيه ان هذه الانواع من الاسماك في مقدورها ان تنتج شحنات كهربائية قوية تستعملها في حالتي الهجوم والدفاع. وفي الادارة العامة للأسماك والاحياء المائية التقت «البيان»: الدكتور عبدالمنعم خالد محمد، مدير ابحاث النيل الابيض، الذي قال: ان اسماك «البردة» معروفة في السودان فهي تسمى عند الشلك (اديفونو) وعند قبائل الدينكا (ديرديا) وعند النوير (دافى) وعند الزاندي (بابقبى) وتعيش في مناطق بحر الغزال وبحيرة جبل اولياء والنيل الابيض والنيل الازرق، كما انها نادرة الوجود في بحيرة النوبة في شمال السودان، واكبر طول لها في حدود 60سم. والبردة سمكة تجارية هامة وهي بدون قشور وتعتمد في غذائها على الاسماك الصغيرة اي انها من آكلة اللحوم ومن ذات الشوارب ولها ثلاثة ازواج من الشوارب ولها زعنفة شحمية وزعنفة ظهرية غير مفعلة. والبردة تفرز تيارا كهربائيا من جهاز غددي يزيد وفقا لحجم السمكة وذلك للهجوم او الدفاع عن النفس لانها سمكة بطيئة الحركة وليست مزودة باجهزة لسرعة السباحة وتفضل الاحتماء بالساحل او ضفة النهر او المناطق الضحلة حيث تختبيء وفي معظم الاحيان لا تكون موجودة في منتصف النهر، لذا تصعق الانسان كوسيلة للدفاع كما ان التيار المنتج يكون محصورا في شكل دائري، وقد تنتج البردة الكهرباء رغبة في اصطياد غذائها. وابان الدكتور خالد ان البردة قد اكتشفها في النيل عالم يدعى جملن (Gemlin) عام 1789م، وهنالك انواع اخرى من الاسماك الكهربائية في امريكا اللاتينية ولها انتاج كهربائي كبير خاصة في حوض نهر الامازون. وقال ان النيل به حوالي 115 نوعا من اشهرها فصيلة سمك العجل، البيضا، اسماك البلطي، اسماك الدبس، واسماك الخرشة وخشم البنات، وابو فرق واسماك الوير والقرموط والسرتة وسمك الساويا واسماك الكاس والكوارة والكدن. كما ان هنالك اسماك اخرى هامة بالنيل رغم انها صغيرة الحجم ليس لها دور تجاري لكن لها دور اساسي في التوازن البيئي، وفي تربية الاحواض (الاحواض الزجاجية) ولها اهمية قصوى في المكافحة البيولوجية كما ان هنالك اسماك في النيل يمكن استعمالها لمكافحة البعوض مثل سمكة (Notobranachur Uirviqatus) وهذا النوع موجود في مناطق السدود والمستنقعات التي تتجمع فيها مياه الامطار مثل رجل الفولة والمقينص في غرب كردفان وطولها لا يتعدى 6سم ودورتها الحياتية حوالي 6 اشهر مربوطة بتواجد البعوض ولها قدرة عالية جدا في محاربة البعوض. في ختام الجولة توجهت «البيان» الى مشرحة مستشفى الخرطوم التعليمي حيث التقت الدكتور عقيل سوار الذهب كبير اخصائيي الطب الشرعي الذي قال ان الغرق هو عملية استبدال الهواء بالماء داخل الرئتين اي اختلال في وظيفة الرئتين والقلب والدم عامة، فيحتل الماء حيزا كبيرا داخل الرئتين ويحدث ما يسمى باسفكسيا الغرق وتتم كل هذه العملية مابين دقيقتين الى خمس دقائق معتمدا على مقدرة الانسان ودرجة تحمله ودرجة تحمل اعضائه. العلاقة بالانسان وعن سمكة البردة وعلاقتها بالانسان، قال ان البردة تحتوي على شحنة كهربائية عالية وعندما يلامس جسمها الانسان فانه يصعق بشحنة كهربائية تؤدي الى وفاته وغرقه، وقد اجرى الباحثون في هذا الامر، من جانبي سألت عددا من الصيادين عن البردة والذين قالوا ان البردة تحتفظ بهذه الخاصة الكهربائية حتى خارج النهر ولا يستطيع المرء لمسها لفترة طويلة. وحول الدلائل التي تشير الى حوادث البردة، قال نجد سباحين ماهرين يتوفون غرقا، ونجد اشخاصا يقفون على حافة النهر ولكنهم يغرقون بدون اسباب وقد نجد المياه بالكاد تغمر الجثة وكم من مشاهد رأيناها لغرقى كنا في حيرة شديدة في فك طلاسم الاسباب التي جعلت المتوفى يغرق، ونقول من المحتمل ان يكون السبب سمك البردة واتمنى من علماء الاحياء ان يمدونا بالكثير المثير عن هذه المخلوقات. وحول حوادث الكهرباء العادية وعدم الخلط بينها وبين صعقة اسماك البردة قال الدكتور عقيل ان الكهرباء العادية عندما يتعرض لها المرء فان هنالك مدخلا للتيار الكهربائي ومخرجا، فيما لا تظهر هذه الآثار عند ملامسة الانسان لصعقة البردة.