عندما حاول المخرج الايطالي فرانكو زيفيريللي اقناع مغنية الاوبرا الراحلة ماريا كالاس باخراج نفسها من العزلة التي فرضتها على نفسها في العام 1977 والعودة للاضواء من خلال حفلة تحييها في مسرح كونفنت جاردن رفضت المغنية مناقشة الفكرة ، وقالت انها تريد فقط ان تتحدث عن «شئون الروح» وهو ما اعتبره المخرج الايطالي نذير شئوم. كانت تلك اخر مرة يتحدث فيها زيفيريللي إلى كالاس التي ربطته بها علاقة صداقة على مدى ثلاث عقود من الزمن، ففي سبتمبر من العام ذاته توفيت كالاس في منزلها بباريس عن عمر ناهز الثالثة والخمسين عاماً نتيجة لفشل في وظائف القلب. وفي الاسبوع الماضي فان زيفيريللي الذي يحضر الآن لفيلم يروي ماحدث في الايام الاربعين الاخيرة من حياة المغنية خرج عن صمته الطويل المتعلق بظروف وفاتها بالقول بأنها دمرت نفسها لانها لم تستطع ان تتحمل حقيقة فقدانها لصوتها. والمخرج الذي سافر إلى رومانيا مؤخراً للبحث عن مواقع مناسبة لتصوير الفيلم شرح بأنه تردد طويلا قبل ان يقرر عمل هذا الفيلم لانه سيبدو وكأنه يضع الكلام في افواه الموتى لكنه يقول بأنه مدين لكالاس بعمل مثل هذا المشروع فكل ما يعرفه الناس هو الاسطورة والشائعات، وانه من خلال هذا الفيلم يريد ان يظهر الحقيقة ويصور كالاس كفنانة عبقرية لكن في الوقت نفسه يكشف عن جوانب الضعف في شخصيتها ويروي ما حدث في الجزء الاخير من حياتها والذي لا يزال غامضاً بالنسبة لمعظم الناس. وهذا الفيلم الذي خصصت له ميزانية قدرها عشرة ملايين جنيه والذي سيخرج بعنوان «كالاس للأبد» سيبدأ تصويره في صيف العام الجاري وستلعب الممثلة الفرنسية فاني اردون دور كالاس بينما سيؤدي الممثل البريطاني جيريمل ايرونز دور الراعي او المتعهد الفني الذي يضع مخططا ساذجا لاقناع المغنية الجالسة بالكواليس بغناء اوبرا كارمن، وهو الدور الذي اقتبس جزئيا من شخصية المخرج زيفيريللي. وفي الفيلم توافق كالاس على ان تحرك فمها على «اسطوانة سجلتها منذ اكثر من عشرة اعوام مضت حينما كانت في قمة مجدها، ويتم الاستعانة بالمؤثرات الخاصة لاستعادة جمالها الذي تلاشى بفعل الزمن. لكنها تندم على هذه الخطة او بالاحرى المعاهدة التي ابرمتها مع الشيطان وتعود مرة اخرى للانزواء عن العالم بعدما تدرك ان مجدها السابق لا يمكن ان يحيا من جديد. وكالاس الحقيقية لم تؤد ابدا اوبرا كارمن على المسرح معتبرة غناء الكاباريه والكشف عن ساقها في عرض راقص هو شيء يمكن ان يحط من كرامتها. وإلى جانب ذلك كانت كالاس تعاني من عقدة بسبب حجم كاحلي قدميها. وقال زيفيريللي بأنه حتى عندما كانت في اوج نجاحها فان كالاس كانت قلقة من امكانية ان يخذلها صوتها. واستشهد بموقف حدث في العام 1955 عندما انتهت كالاس من حفلة قدمت فيها اداء ناجحاً لاوبرا «لاسونامبولا» لبيلني في دار لاسكالا للاوبرا في ميلان وقال زيفيريللي ان المغنية كانت تريد ان تحتفل بنجاحها طوال الليل وعندما استأذن المخرج بالانصراف في الساعة الثالثة صباحا انهارت كالاس باكية وحاول المخرج تهدئتها بالقول بأنها تطلق فقط شحنة التوتر العصبي بعد وصلة الغناء التي قدمتها لكن كالاس رفضت ذلك وقالت بأن ذاك اليوم هو آخر ايام حياتها وانه من الان وصاعدا سيبدأ انحدارها البطيء. والواقع ان كالاس استمرت لعقدين اخرين من الزمن حيث كان اخر ظهور مسرحي لها في مدينة سابورو اليابانية في نوفمبر العام 1974. وذكر زيفيريللي بأن كالاس لم تخرج بشيء من الحياة بعد زواجها الاول الحزين ومغامرتها العاطفية الفاشلة مع المليونير اوناسيس الذي ارتبط بها فقط بهدف استغلال شهرتها، وعندما وجد بديلا اقوى منها على شكل السيدة جاكلين كينيدي تخلص منها. ومن أكبر الضربات القوية التي تعرضت لها كالاس في حياتها هو فقدانها لابن انجبته من امبراطور الشحن اليوناني في العام 1960 وهي الحادثة التي تكتم بشأنها اوناسيس وكالاس ولم يتحدثا اطلاقا عنها. ويؤكد زيفيريللي بأن كالاس حملت من اوناسيس لكنها فقدت الجنين اما اثناء الحمل أو بعد فترة قصيرة من الولادة. وبعد ذلك رفض اوناسيس حب كالاس وفي العام 1968 تزوج من جاكلين كينيدي. وفي مطلع عقد السبعينيات في الوقت الذي بدأ فيه صوتها يتدهور عانت كالاس من الوحدة والاكتئاب. ويقول زيفيريللي انها سعت إلى موتها ببطء فكانت تتعاطى العقاقير المنومة كي تنسى همومها وتنام والأدوية المنشطة صباحا كي تتمكن من جر نفسها من فراشها اثناء اليوم وشيئاً فشيئاً اصبحت المغنية تكثر من اعتمادها على هذه العقاقير وتأخذها بكميات اكبر إلى ان اصبح قلبها غير قادر على تحمل ذلك. وينفي زيفيريللي شائعة وفاة كالاس منتحرة ويقول انها كانت تعرف انها ستموت سريعا اذا ما استمرت على هذا المنوال، وان احدا من اصدقائها لم يستطع ان يمنعها من اخذ المزيد من هذه العقاقير مضيفاً بأنها دمرت نفسها ببطء لان كبرياءها لم يسمح لها بان تتقبل حقيقة فقدانها لصوتها. ويلقي زيفيريللي باللائمة في موتها على اوناسيس الذي سبب لها الكثير من المعاناة ويقول انه مرة شتمها باللغة اليونانية اولا ثم بالانجليزية كي يتحقق من ان جميع من كان موجوداً فهم ماقاله. وأشار زيفيريللي إلى انه حاول مراراً اقناع كالاس بترك أوناسيس لكنها كانت ترد دوما بأنها لا تقوى على ذلك لانها أصبحت عبدة له. وعندما سئل المخرج عما اذا كان يلوم نفسه بأي شكل من الاشكال على وفاة صديقته اعترض المخرج وقال بأنها لم تكن تسمح له أو غيره من اصدقائها المقربين بالاقتراب منها. يتوقف زيفيريللي لبرهة ثم يقول: ان ما كانت تحتاج اليه ماريا كالاس هو رجل مستعد للتخلي عن كل اعماله والتزاماته للذهاب إلى باريس والاعتناء بها وانه لو حدث ذلك لكانت كالاس الآن حية ترزق وتبلغ السابعة والسبعين من العمر تماماً مثل زيفيريللي. وبشيء من الندم يقول زيفيريللي: «ربما هذا هو ماكان يتوجب علي فعله». لل