لو كان الناس يحتفلون بذكرى المحاكمات أو أعياد ميلادها لكانت الذكرى الأولى لانتهاء هذه المحاكمة في مارس الماضي فلقد انتهت المحاكمة في 26/3/2000 هذا اذا كانت قد انتهت فعلا . ومع بدء المحاكمة التي تجاوزت ثلاثة أعوام كتبنا جميعا نساند ليلى العثمان التي كتبت أدبا فقدمت الى المحاكمة بعد أن فتشت سطورها واستخدمت كل مكبرات الحروف ربما يكون حرفا يشي بما الصقت بها من تهم. أدخلت الحروف الى الحبس ونامت على الأرض واستخدمت الاضاءة الفوسفورية لتحطيم تماسكها لعلها تعترف بأنها تخفي بين الحروف حروفا. ولكنني اليوم لا أحدثك عزيزي القارئ عن المحاكمة بل أحدثك عن رواية باسم (المحاكمة) كتبتها ليلى العثمان فور انتهاء محاكمتها، ولن تحتاج الى ذكاء كبير لتعرف انها بدأت تعد لروايتها منذ أن أتاها نداء التليفون في 26/12/1996. ـ معك أمن الدولة. ـ خير يا أمن الدولة؟ إن شاء الله خير.. انت مطلوبة في النيابة العامة. الرجاء التوجه يوم الاثنين الساعة التاسعة عند النائب العام في قصر العدل. ـ ما الموضوع؟ ـ يا أختي ما أدري. أنا فقط مكلف بابلاغك. وأغلق الخط بخشونة وشعرت ليلى العثمان أنه يصفعها. هكذا كتبت. وأظن أن اختيار عنوان (المحاكمة) فيه احالة الى رواية فرانز كافكا بنفس العنوان التي واجه بطلها محاكمة طويلة معقدة مرعبة ولم يعرف لحظة واحدة التهم الموجهة اليه. ولا أذكر (المحاكمة) لكافكا إلا وأذكر أحد زملائي في المدرسة وكان أطيب من عرفت وأكثرهم عطاء. ولذلك وقع في كثير من المصاعب، كان من أكثرها (كافكاوية) أنه تصادق على المقهى مع رجل بدا له فاضلا. وقال له الرجل الفاضل أنه تأتيه حوالات مالية بريدية من بلدته وأنه يحتاج من يصرفها له لأن بطاقته الشخصية ضاعت. واعترف صديقنا أنها مجاملة بسيطة. وذات يوم فتح عينيه ليلا على رجال أمن الدولة حول فراشه وأخذوه حيث استمر التحقيق معه وقال لي زميلي في المدرسة أنه لمدة ثمان وأربعين ساعة لم يفهم مغزى أي سؤال وجه اليه. وأن هذه المدة كانت أسوأ لحظات حياته. فأن تتهم شخصا بشئ ما هذا قاس عليه أما أن لا يفهم تهمته فهذا شئ قاس جدا كما قال صديقي القديم. وبالتأكيد أحست ليلى العثمان بالقسوة الشديدة فالكتابة لا يمكن أن تكون تهمة اننا عندما نكتب خاصة الأدب نطير مع الضحكات، نحلق، نحس أننا نحتضن الدنيا، ترتفع بنا مشاعرنا الملائكية الى الذرى. الأدب في رأيي هو علاج لكل الأمراض النفسية. الأدب هو كائن رقيق طيب يحب الناس والحياة. ولذلك يكرهه البعض لذا فتشت قصص وروايات ليلى العثمان واتهمت هي بالتحريض على الفسق والفجور، والاسلام كما نعرف جميعا حريص على عدم التشهير بأحد حتى فيما حدث فعلا، فما بالك في كلمات عندما يكتبها الأديب فإنما يعبر فيها عن الحياة، ومن المستحيل ألا يكون قصده إلا الخير. وكشفت (المحاكمة) عن ليلى العثمان أكثر مما كشف ربع قرن ونيف من الزمان تقابلنا فيها وحضرنا مؤتمرات ومهرجانات وقرأت لها قصصا منذ أن قرأت أول قصة وأنا أحس أنها فتاة مرهفة ثرية أرادت أن تضيف الى ثرائها وجمالها وعراقتها صفة جديدة هي أنها أديبة، وفي ظني آنئذ أن هذا ليس صحيحا. وكأنها دخلت معركة معي ومع كل من ظن ما فكرت فيه. وفي كل قصة وأحيانا في كل صفحة كانت تكسب شبرا من اعجابنا، حتى سلمنا وربما سلم بعضنا على مضض أن ليلى العثمان واحدة من أبرز أديباتنا وأدبائنا العرب. وأن لها أسلوبها الخاص المتميز. هذه الرحلة الطويلة التي امتدت أكثر من ربع قرن لم تجعلني أعرف ليلى العثمان كما عرفتها من هذا الكتاب الذي لم تتعد صفحاته 237 فلقد كشفت ليلى العثمان بشجاعة غير مألوفة عن نقاط ضعفها، إنها مذعورة تخاف على أبنائها وبناتها بل أحيانا تخاف منهم. الكوابيس تطاردها. وفي الكتاب مجموعة كبيرة من الأحلام اعتقد أنها ستكون مادة خصبة لأساتذة التحليل النفسي، وفور انتهائي من كتابة السطور قررت أن أعطي نسختي للدكتور عادل صادق ليس فقط لأنه أستاذ كبير في علم النفس، بل لحسه الأدبي، واحاطته بالمجتمع وتطوره. لم تزعم ليلى العثمان القوة، لم تتصور نفسها (جان دارك) التي واجهت المحاكمة الانجليزية بصلابة، واستقبلت حكم اعدامها بالحريق ولم تتراجع عن ايمانها لحظة، وتحولت جان الى قديسة، وقال برنارد شو أن الانجليز سيعيشون تحت ظلال العار أبد الدهر. ولكن الظالمين لا يحسون العار، فالاحساس بالعار يحتاج الى الضمير، وهم لا يملكون هذه (الغدة) إنهم يعتقدون أن كل ما يفعلونه لابد من فعله. لا أحد فيهم يسأل نفسه: هل أخطأت أم لا؟ لأن الكون ينقسم الى قسمين: رهبان مطهرون هم الظلاميون وكفرة فاسقون هم غيرهم من البشر. كما قلت كشفت ليلى العثمان في كتابها الرائع عن أنها كانت أثناء الغمة التي ألمت بها امرأة مثل أية امرأة، وانسانا مثل أي انسان، ولم تخجل لحظة وهي تعبر عن ضعفها ولكن كان هذا مجرد لون من ألوان اللوحة، فلقد كانت هناك امرأة قوية بألف رجل. إنها تؤمن بما كتبت ترفض التراجع. تعترف بالتهمة التي وجهت اليها. لقد كتبت أدبا وهي تتشرف بهذا. إنها حريصة على معركتها عندما تسافر أثناء المعركة تدهش لأن البعض أشاعوا أنها هربت فالفكرة لم تخطر على بالها لحظة. وهي أيضا حريصة على أن تستمر في الكتابة رغم ظروف المحاكمة. وتخيل إنك تواجه تهمة مثل هذه التهمة، وأنك تقف في مواجهة كتلة هائلة تزعم أنها تملك الحقيقة، وتريد أن تحبسك وتتمنى لو أنها شنقتك. وهناك (الشارع) كيف تواجه امرأة كويتية المجتمع وهي متهمة بأنها تكتب قصصا تحض على الفجور. جاورتها امرأة منقبة بسيارتها وأشارت لها. وظنت ليلى أنها تريد أن تتحدث لها ولكن المرأة رفعت النقاب وبصقت في وجهها. سألوا الشاب الذي حاول قتل نجيب محفوظ بالسكين لأنه كتب رواية (أولاد حارتنا) هل قرأت الرواية أجاب بالنفي. وبالتأكيد السيدة التي بصقت في وجه ليلى لم تقرأ ما كتبته ليلى. لأنها لو قرأت أدبا لعرفت أن الناس يتبادلون الآراء، ويتحاورون، ويتناقشون، ويختلفون، وأنهم في كل ذلك يستخدمون الكلمة. فإذا عجزوا عن استخدام الكلمة وغاب الوعي والعقل والضمير استخدموا أدوات غير الكلمة. ولكن الشارع الكويتي لم يكن هذه السيدة المنقبة فقط. كان سيدة منقبة أخرى حدثتها وقالت انها معها. كان الشارع الكويتي أدباء وساسة وفنانين ورجال دين وتجاراً وصحفيين وغيرهم يندفعون ليقفوا الى جوار المرأة التي تخوض حربا شرسة ضد البعض. وعندما أردت أن أحدثك عن هذا الكتاب ظننت أنني سألخصه لك. لكني لم أفعل. وأتمنى أن تقرأه بنفسك. وأنتهي بعتاب الى الروائي الكبير اسماعيل فهد اسماعيل الذي كتب صفحة الغلاف الكبير. فهو يعرف أن ما يكتب عنه رواية، وأن الرواية لم تعد القصة التقليدية، فهو من أهم المتمردين على الرواية التقليدية في أدبنا العربي. ولا أعرف لماذا لم تطلق ليلى العثمان على كتابها (المحاكمة) صفة الرواية. ربما ارادت أن تبدو متواضعة. وربما أحست بالقلق من التوثيق السائد. ولكنها رواية وأطلب من اسماعيل فهد اسماعيل أن يشهد بهذا.