على مقربة من بلدة تابيجولابا في مقاطعة تباسكو بجنوب المكسيك يقع كهف «فيلا لوز» الذي يعتبره الأهالي المحليون هناك منذ مئات وربما الاف السنين بيتا للارواح. ولاتزال طقوس الخصوبة تقام هناك الى الان، حيث يستمتع سكان تلك المنطقة، الذين تشكل قبائل المايا نسبة كبيرة منهم، بأكل الأسماك الصغيرة جدا التي تزدهر في المياه اللبنية البيضاء المتدفقة عبر ممرات الكهف خارجة من مدخله. والان يبدو ان الحقائق العلمية تعكس على نحو غريب صدى الفولكلور المحلي. فقد وضع فريق علمي من 22 شخصاً اقنعة تنفس للحماية من ابخرة الاسيد تجرأوا على التقدم الى عمق ميل داخل كهف «فيلا لوز» او كهف «البيت المنار» الذي يقع على بعد حوالي 80 ميلاً الى الجنوب من خليج المكسيك على تخوم مرتفعات تشيباس. وخرجت البعثة العلمية بمعلومات مدهشة تؤكد ان جدران الكهف الكلسي تعج بالحياة، فهي مبطنة، في العديد في الاماكن، بطبقة من المخاط الميكروبي بسماكة تصل الى نصف انش. وقد اكتشف الباحثون الامريكيون ان العالم المظلم الخانق داخل الكهف مستوطن من قبل مخلوقات اكبر قريبة النسب من الكائنات الدقيقة السطحية. لكن جميع هذه المخلوقات تتشبث بمستعمرات ضخمة من ميكروبات لم يتم التعرف عليها بعد. وتعكس المخلوقات احادية الخلية خصلة حياة تمتد في مسام صخور شبه صلبة لمسافة عدة اميال في عمق الكهف. وميكروباتها الغريبة، التي تعيش في ظروف شديدة القسوة ربما تمنح العلماء مفاتيح لكيفية العثور على الحياة في الكواكب الاخرى. وسبق ان عثر على حياة جرثومية في كهوف اخرى، لكن ليس بهذه الوفرة.. ومعظم كتب الجيولوجيا تقول بان عمليات لا حيوية «غير حيوية» هي التي تشكل الكهوف الكلسية. وحسب هذا التفسير فان الحمض الكربوني الضعيف ـ الذي يتشكل من تفاعل مياه المطر مع ثاني اكسيد الكربون الموجود في الهواء والمواد المعدنية حفر تجويفات طبيعية ضخمة في عملية تدريجية بطيئة. ومؤخراً بدأ علماء الارض يشتبهون في ان ميكروبات حية هي التي نحتت هذه الحُجر المائلة على مدى ملايين السنين باستخدام حمض الكبريتيك الذي تنتجه هذه الجراثيم. لكن برهان تلك النظرية الجديدة كان صعب المنال، لان البكتريا التي قامت بالعمل لابد انها فنيت منذ زمن بعيد. وقد اكتشفت اشكال ميكروبية غريبة. في كهف ليشوجويلا بولاية نيو مكسيكو الامريكية والذي يعتبر اعمق كهف في امريكا الشمالية. فمتاهاته التي يبلغ طولها 1600 قدم تحتوي على تركيبات متحجرة ربما تكون ذات منشأ ميكروبي. وبالمقابل «فنحن نرى الاشكال نفسها لكن على قيد الحياة في كهف «فيلا لوز»، كما تقول رئيسة البعثة لويز هوس، استاذة الجيولوجيا في معهد وستمنستر في فولتون بولاية ميسوري الامريكية. ولم تقاوم هوس، التي عكفت على دراسة الكهوف منذ 20 عاما، جاذبية فيلا لوز بعد ان سمعت انباء وجود كائنات مجهرية تقطر حمضاً كبريتياً في داخله. وتقول انها في فيلا لوز تشعر وكأنها تشاهد ليشوجويلا كما كان قبل ملايين الأعوام. وتشكل الكائنات المجهرية في الكهف مستعمرات لزجة تتدلى من السقوف على هيئة نتوءات رفيعة متلألئة. وتعج الجدران بالعناكب وأشكال اخرى من اللافقاريات المتكيفة مع الابخرة الخانقة. وفي جيوب الهواء النقي القريبة من مدخل الكهف، هناك اربعة انواع من الخفافيش بما في ذلك مصاص الدماء، تتدلى من السقف ترفرف مسقطة فضلات تعج باليرقات. ومن يسبر أعماق الكهف عليه ان يخوض لمسافات طويلة في المياه التي تغمره الى الخاصرة. وفي قاع الماء يستقر وحل كبريتي اسود بسماكة قدم تعلوه عدة انشات من المواد اللزجة التي تفرزها الاسماك والحلازين. تسبح السمكة الصغيرة في كل مكان وبوفرة لا تشاهد في الكهوف الاخرى. احد المستكشفين الذين تجرأوا على سبر اعماق الكهف بنيلوب بوستون، عالمة الاحياء في شركة «كومبلكس سيستمز رسيرتش» التي تجري الابحاث لصالح الحكومة الامريكية. وفي وصف تلك المغامرة الشيقة التي لا تنسى تقول بوستون: «عندما عبرت من مدخل الكهف لم اشعر اني ادخل باطن الارض بل احسست اني اغادرها. لطالما تملكني شغف باستكشاف الفضاء، واعتقد ان دخول فيلا لوز هو أقرب تجربة لاستكشاف العوالم الاخرى». علي محمد