دمشق ـ «البيان»: لا احد ينكر ان هناك العديد من الصناعات التراثية مهددة بالانقراض في عالمنا العربي وان كنا لانزال نجد بعضاً من بقاياها في اسواقنا القديمة ذلك لأن العاملين في هذه المهنة والصناعات التراثية ، قد اصبحوا كباراً في السن ولم يعلموا اولادهم هذه الصناعات ربما لأنها لم تعد صناعات ومهن مربحة او ربما لأن الجيل الجديد احب ان يختار مهنة اخرى. وفي كل مرة نزور فيها اسواق دمشق القديمة تبهرنا دائماً تلك الصناعات التقليدية الخشبية التي ابدع الصانعون فيها عبر التاريخ خاصة علب الموزاييك الخشبية والكراسي المصدفة واللوحات الخشبية التي مازال السياح حتى الان يأتون خصيصاً لهذه الاسواق ويأخذوا منها هدايا وتذكارات جميلة الى بلادهم. من منا لا يتذكر اغنية شادية التي تقول فيها «رنة قبقابي يمة رنه قبقابي ـ وانا ماشيه يمه بتميل راسي ـ ومع ذلك فلم يبق من هذه الاغنية الا الذكرى في هذه الايام خاصة وان القبقاب لم يخل بيت منه في سوريا وكان هناك سوق طويله وعريض في دمشق اسمه سوق «القباقبية» ولم يبق من هذا السوق سوى بضع محلات صغيرة لاصحابها وقد تجاوز الواحد منهم الـ 70 من العمر.وفي احد المحلات التقينا «عبدالله محمود سياله» الذي قال ان الطلب على القبقاب الخشبي اصبح قليل جداً، وقديماً لم يكن للقبقاب بديل اما اليوم فالأبنية فقد غزا النايلون والبلاستيك الاسواق بعد ان كانت هذه الصناعة في اوجها فدمشق والموصل هي اكثر البلدان شهرة اذا كانت تصدر القباقيب الى فلسطين والاردن ولبنان بكميات كبيرة وقد كانت متنوعة الاشغال والانواع وكم من الصناع المهرة اشتهروا بصنع قبقاب العروس الذي كان يصنع من الصدف اما قبقاب الحمام فكان طويلاً ومرتفعاً في حين كانت قباقيب الاطفال مزخرفة وجميلة. في خان السفر جلاني وهو سوق دمشقي قديم تقع منشرة قديمة لصناعة القباقيب حيث يعمل فيها رجل تجاوز الـ 60 من العمر اسمه «محمد عريشة» وقد حدثنا عن هذه الصناعة قائلاً: في القديم كنا نستعمل خشب الصفصاف والجوز اما اليوم فقد اصبح الحصول على هذه الاخشاب صعباً مع ارتفاع اسعارها لذلك نستخدم خشب الحور فهو خشب جيد ويسمونه بالخشب البلدي وهو خشب متماسك مهما طال عليه الزمن. وعن صناعة القبقاب يقول: عندما نحصل على الخشب نقوم بنشره بمقاسات مختلفة ثم ننعم الخشب بآلة خاصة ثم ندهنه بالألوان عدة مرات، اما بالنسبة لوجه القبقاب فاننا نضع عليه قطعة من البلاستيك او المشمع في حين كنا نستعمل في الماضي الجلد الطبيعي. وعن العرض والطلب لهذه الصناعة يعترف محمد عريشة ان التسويق اصبح ضئيلاً للغاية فهو لم يورث المهنة لأي من اولاده وقد حمد الله كثيراً على ذلك لأنها مهنة آلت للانقراض ومع ذلك فالسياح الاجانب ينبهرون بصناعاتنا القديمة وكم من الصور يلتقطونها لنا. لكن القليل منهم يشتري القبقاب.. كراسي القش وخلف الجامع الاموي الكبير بدمشق يوجد محل فيه الكثير من الكراسي الجميلة المصنوعة من الخشب كذلك المقاعد من القش وقد دخلنا نسأل صاحب هذا المحل عن هذه الصناعة التراثية الجميلة فقال: ان هذه الكراسي تصدر للخارج وبالاخص الى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي والاردن ولبنان، اما السياح فقلما يأخذون معهم كراسي لانها ثقيلة ويصعب نقلها لكن بعضهم يأخذها قطعاً ويركبها في بلاده. وعن القش المستخدم في صناعة هذه الكراسي بالاضافة الى الخشب ذكر عدنان صاحب المحل: عادة ما نستخدم خشب المشمش لأنه خشب جيد لهذه النوعية من الكراسي اما القش فنحصل عليه من حوض الفرات ومنطقة الجزيرة السورية فهو عشب طبيعي اسمه «نبات الحلفا» والذي يصل طوله الى المترين وعندما نحضره نقوم بتنشيفه لمدة يوم كامل ثم نرطبه قليلاً ونمشطه ونسرح خيوطه لتصبح رفيعة ثم يوصل الواحد بالاخر الى ان يصبح لفة واحدة، بعد ذلك نقوم بلفه وبرمه على الكرسي الخشبي. وعند استخدام نبات الحلفا يقول انه نبات طبيعي ينمو في مستنقعات الماء ولا يكلف الكثير كما انه يعمر لسنوات طويلة فهو لا يتأثر بالماء او الهواء وبعض الناس يطلبون مني ان ادهن القش بمادة «اللكر» ليصبح لامعاً لكنه اجمل وهو طبيعي. وعن حجم مبيع هذه الكراسي يبدو متفائلاً خاصة وان معظم المطاعم في دمشق اصبحت تهتم بالطراز الشرقي القديم كما في منطقة باب شرقي وعلى طريق المطار لذلك يطلبون هذه الكراسي لأنها شرقية وجميلة وصحية كما انها غير متعبة في الجلسات الطويلة بالاضافة الى ان الكثير من الاشخاص يقومون بشراء هذه النوعية من الكراسي لما في نفوسهم من ذكريات الماضي والطفولة والبيوت الكبيرة الواسعة. كما ان السياح الاجانب اكثر ما يحبون في بلادنا صناعاتنا التقليدية وحضارتنا العريقة ودمشق القديمة. وعن بقية الصناعات الخشبية بقي ان نذكر الربابة التي ترتبط انغامها بالبادية السورية والتي صدر الكثير منها الى السعودية والخليج والاردن. كذلك الامر بالنسبة للعديد من الصناعات التقليدية والتراثية التي لاتزال موجودة في دمشق وان كان بعضها في طريقه الى الزوال.