دمشق ـ يوسف البجيرمي: تشتهر البادية السورية بانها كانت موطنا للعديد من الحضارات الانسانية التي لعبت دورا حضاريا وثقافيا وسياسيا فضلا عن دورها الاقتصادي في تاريخ الشرق ، والشواهد على ذلك كثيرة في تدمر ومارى والرصافة. وتغطي البادية مساحة 10.2 ملايين هكتار وتعتبر البادية المورد الاساسي للنباتات الرعوية الطبيعية التي يعتمد عليها السكان في تربية مواشيهم حيث يقطنها حوالي 1.5 مليون نسمة منهم 550 الف نسمة تقريبا من البدو الرحل. ونظرا لغزارة سقوط المطر تتراوح معدلاته بين 100 ـ 200 ميللمتر فقد عرفت بانها من اغنى البوادي بالمراعي الطبيعية ذات الغطاء الشجري الوافر الذي ترتاده الاغنام والماعز والابل والغزلان. وفي الفترة الاخيرة افردت الصحف السورية العديد من الصفحات والملاحق الخاصة بالبادية السورية التي تغطي 55 % من اراضي البلاد، والمشروعات الحكومية لتطويرها خاصة وان هذه البادية موزعة على تسع محافظات سورية ويقطنها نحو مليون ونصف المليون من السكان. محميات طبيعية تقع محمية التليلة الطبيعية المقامة بالتعاون بين الحكومتين السورية والايطالية في البادية شرق مدينة تدمر 32كم وتبلغ مساحتها الاجمالية 22 هكتارا وتهدف بشكل رئيسي للحفاظ على البيئة وصيانة الموارد الطبيعية عن طريق اعادة الغطاء النباتي للنباتات الرعوية واعادة الحياة البرية الى المنطقة باسترجاع الحيوانات المنقرضة كالغزال والمها العربي والحفاظ على الحيوانات الموجودة حاليا من الانقراض كما تتم تنمية المراعي في ثلاث جمعيات تحيط بالمحمية وهي: جمعية ارك ومساحتها 34 الف هكتار، وجمعية المنبطح ومساحتها 58 الف هكتار، وجمعية العباسية ومساحتها 15 الف هكتار. وذكرت مصادر المشروع ان الجمعية الملكية للحفاظ على الطبيعة في الاردن والهيئة الطبيعية للحفاظ على الاحياء البرية في السعودية وافقتا على اعادة الغزلان والمها العربية للمنطقة حيث تم ادخال ثمانية رؤوس من المها وثلاثين غزالا واطلقت جميعها ضمن المحمية. وتضيف المصادر ان هذه الاعداد تضاعفت الى عشرات المرات ومن المتوقع ان تصل نسبة المواليد من الغزلان الى ستمئة بعد عشرة اعوام، اضافة الى الحيوانات المدخلة كما وضع المشروع خططه المستقبلية بتطوير البنية الاساسية البيئية في محمية التليلة اضافة الى تطوير برامج التسهيلات الثقافية والعلاقات العامة. ويؤكد المهندس عدنان خلف رئيس مجلس مدينة تدمر على اهمية محافظة البادية ومركزها تدمر لان هذه المدينة تتوسط البادية السورية وذات موقع فريد حيث يبلغ عدد سكانها من البدو حوالي 400 الف نسمة موزعين على اكثر من 50 تجمعا سكانيا وتحتوي منطقة البادية التدمرية على الكثير من الثروات الطبيعية كالفوسفات والبترول والغاز والرخام والملح واحواض واسعة من المياه وهي بحاجة الى اشراف فعلي وميداني على مواقع الحياة وعملية الانتاج واتساع الرقعة الجغرافية يؤدي الى بعد البادية التدمرية الكبير عن مراكز المحافظات بما لا يقل عن 250كم. من جهة اخرى تغطي منطقة مشروع تنمية البادية مساحة 3 ملايين هكتار في البادية موزعة على ثماني محافظات نصيب حمص من المشروع 1.12 مليون هكتار اي ما يعادل 30% من مساحة المشروع وتم تنفيذ مساحة 2150 هكتارا بنشر البذور المباشر لدى جمعيات عديدة كما تمت زراعة 400 هكتار بموقع سد وادي ابيض بالغراس الرعوية. في حين تقدر مساحة بادية حلب بمئتي الف هكتار من اصل مساحة البادية السورية البالغة عشرة ملايين هكتار ولتفادي الظروف الصعبة التي عانت منها البادية سنوات طويلة ولتحديث البنى الاجتماعية والبيئية فيها لم يكن من خيار سوى الدخول على خط هذه الظروف لايقاف التدهور الحاصل في البنى من خلال مشروع متكامل للتنمية يضع حدا للممارسات الخاطئة في المراعي ويسهم في تطوير نظم الانتاج الحيواني التقليدية ويخلق ظروف استثمار نشطة تعود بالفائدة على العائد الاقتصادي الوطني والسكان المستهدفين بالمشروع. ووفق ما جاء في دراسة أعدها المهندس الزراعي عيد طه العبد الله مدير مشروع تنمية البادية، فإن البادية السورية بشكل عام وبادية حلب بشكل خاص محكومتان بنظم بيئية شديدة التدهور فاضافة للظروف المناخية الصعبة السائدة والممارسات الخاطئة من السكان العاملين في تربية القطعان كالرعي الجائر وتحطيب الشجيرات الرعوية بقصد التدفئة هناك الانحسارات المتواترة في الغطاء النباتي الطبيعي والمستنبت الذي طالما ارهق الثروة الحيوانية والزم الجهات المعنية بتأمين الاعلاف الجاهزة وتوزيعها على الجمعيات الفلاحية والمربين لتفادي النقص الحاصل في العليق عاما بعد عام. ويقول المهندس الزراعي عبد المنعم عوض مدير مشروع تنمية البادية بدرعا ان الهدف الاساسي من هذا المشروع هو تحسين المستوى المعيشي لسكان البادية واعادة الغطاء النباتي للبادية عن طريق الاستزراع الرعوي للشجيرات الرعوية وتحسين انتاج الثروة الحيوانية وتنمية المجتمع المحلي ودعم البنى التحتية في حفر آبار وشق وتعبيد طرق. في حين تبلغ مساحة بادية السويداء 116 الف هكتار وتتميز بوعورتها الشديدة ويوجد فيها 11 بئرا جاهزا لسقاية المواشي والرعاة كما تشكل البادية نسبة 21% من مساحة المحافظة حيث تقوم مديرية الزراعة والاصلاح الزراعي بالسويداء بجمع البذور الرعوية ونثرها لتأمين المراعي للثروة الحيوانية التي يبلغ عددها 262493 رأسا من الاغنام و 80653 رأسا من الماعز كما تعمل مديرية الزراعة على شق الطرقات في البادية لتأمين الانتقال للاغنام والماعز في المراعي عبر البادية. ويوجد مركز خاص يهدف الى تربية وتحسين سلالات الاغنام في المحافظة وقد تم انشاء محميتين رعويتين من قبل مديرية الزراعة بالسويداء وهما: محمية الاصفر ومساحتها الاجمالية 11 الف هكتار ومحمية العورة ومساحتها الاجمالية 4500 هكتار. وذلك فضلا عن انشاء العديد من المحميات الرعوية في المناطق المتدهورة رعويا موزعة في البادية بريف دمشق بهدف اعطاء الغطاء النباتي الرعوي وايجاد بيئة ملائمة لنمو وتكاثر الانواع الحيوانية البرية من طيور وحشرات وزواحف بالاضافة الى اقامة مشروع متكامل لتطوير البادية اجتماعيا ورعويا بهدف رفع الكفاءة الانتاجية للمراعي وزيادة عدد الوحدات العلفية والحفاظ على المراعي وديمومتها من خلال ادارة المراعي في المواقع المحسنة وزيادة الحمولة الرعوية فيها. تطوير مستقبلي ويقول المهندس تامر الحميد مدير البادية والمراعي والاغنام في وزارة الزراعة السورية ان مديريته تقوم بمهام عديدة من حيث المحافظة على المراعي واعادة الغطاء النباتي وتنقية الثروة الحيوانية في البادية السورية والتي تبلغ مساحتها 10.2 ملايين هكتار موزعة على تسع محافظات وهي: حمص، حماة، ادلب، الرقة، دير الزور، الحسكة، درعا، السويداء ، ريف دمشق، وعدد سكانها 1.5 مليون نسمة نظرا لكون البادية ثروة وطنية واقتصادية هامة وموردا طبيعيا لمتطلبات السكان لذلك تقوم المديرية بمهام في عدة مجالات من اجل التطوير المستقبلي للبادية وسكانها تشمل المراعي والاعلاف، تأمين المياه، تربية الحيوانات، التنظيم. ففي مجال المراعي والاعلاف تم وضع برنامج لاعادة الغطاء النباتي للبادية السورية والحفاظ عليها من عمليات الفلاحة والتحطيب واصدار القرارات والتوصيات الخاصة بذلك الى جانب انتاج الغراس الرعوية ضمن المشاتل لتغطية وزراعة المساحات الجرداء في البادية وحمايتها والتعاون مع الهيئات والمنظمات الدولية لتطوير آلية العمل في المراعي والتعاون مع المنظمات الفلاحية من خلال الجمعيات التعاونية وطرح مبدأ المشاركة وعقد ندوات ارشادية للاخوة الفلاحين والمربيين على ضرورة حماية البادية والمنافع المكتسبة من جراء ذلك. اما في مجال تأمين المياه فهناك خطط للاشراف الكامل على الآبار الموجودة في البادية وتأمين كافة مستلزماتها ودراسة حاجة المواقع في البادية لحفر الآبار من حيث الموقع وكثافة السكان ووضع المراعي وتلبية حاجة المربيين لمياه الشرب عن طريق الصهاريج والسدود والخيرات. وفي مجال تربية الحيوانات فهناك مشاريع لتطوير آلية العمل في مراكز الاغنام الحكومية المنتشرة في بوادي المحافظات من حيث التجارب والابحاث لتحسين عرق الاغنام العوانس وانتاج كباش محسنة ذات مواصفات عالية وتوزيعها على مربي الاغنام في البادية لتحسين سلالات الاغنام وانتاج امهات ذات مواصفات عالية في انتاج الحليب واللحم وتأهيل كوادر فنية من خلال البحث واقامة التجارب في المراكز واجراء تجارب وابحاث فيما يخص المراعي في ارض المركز وتقدير الحمولة الرعوية المناسبة لتطبيقها على ارض البادية واجراء تجارب وحصر الحيوانات والطيور البرية المنتشرة في البادية وتصنيفها الى جانب تطبيق قانون منع الصيد في البادية واتخاذ الاجراءات القانونية بحق المخالفين. وفي مجال التنظيم اكد مدير البادية والمراعي والاغنام ضرورة اعداد البيانات والدراسات الخاصة بعمل مديرية البادية ومناقشة ودراسة الخطط الانتاجية والاستثمارية للجمعيات التعاونية ومتابعة تنفيذها والتنسيق والتعاون مع المنظمات الدولية والهيئات الرسمية ذات العلاقة في تنفيذ المشاريع التي تدخل في مجال عملها بموجب الاتفاقيات الخاصة بذلك. وهناك استراتيجية مستقبلية حتى عام 2010 من اجل تحقيق الاستقرار والاكتفاء الذاتي لسكان البادية من خلال: حماية 300 الف هكتار سنويا لغاية عام 2010 بما يحقق 3 ملايين هكتار من اراضي البادية، وزراعة 50 الف هكتار سنويا لغاية 2005ثم 60 الف هكتار لغاية عام 2010 بما يحقق بذلك زراعة 550 الف هكتار من اراضي البادية. دبي قدوة سياحية هذا في مجال الاجراءات والخطوات العملية التي تقوم بها الحكومة السورية في مجال تنمية البادية لكن ماذا عن الجانب الاستثماري السياحي فيها حيث تحتل السياحة موقعا مهما في تطوير الاقتصاد الوطني في حين يرى البعض انها العمود الفقري لهذا الاقتصاد. ويرى الخبير السياحي المعروف نشأت صناديقي رئيس جمعية مكاتب السياحة والسفر سابقا وصاحب مؤسسة صناديقي للسفر والسياحة امكانية اقامة سياحة صحراوية في سوريا حيث توجد تجربتان عربيتان ناجحتان في هذا: الاولى: التجربة التونسية المعروفة باسم تورز وتجربة دبي حيث تم بناء محمية طبيعية في الصحراء وانجزت على شكل واحة وتم تكبيرها تباعا حيث تزورها اليوم كل المجموعات السياحية التي تقصد دبي .. اذ يتم تنظيم مسابقات تعرف بجولة الصحراء ضمن سيارات مخصصة للسير في الصحراء وفوق الكثبان الرملية حيث يمكن للسائح ان يرتاح ويتناول الطعام ويمارس رياضة التزلج على الرمال. ويمكن ان تأخذ هذه التجربة الناجحة في دبي وتقدم في تدمر التي تمتاز الى جانب طقسها الصحراوي بالآثار والاوابد التاريخية بالاضافة الى غناها بالنباتات والحيوانات والطيور. وبعد هل يمكن ان تساهم السياحة في تطوير البادية السورية الى جانب المشاريع والخطط الحالية؟