بيان الكتب:الباحث الليبي سالم القمودي يتناول في هذه القراءة سيكولوجيا السلطة، ساعياً من وراء ذلك إلى تحليل آلياتها من وجهة نظر نفس اجتماعية، تنطلق من طبيعة السلطة المتأرجحة بين ما تعلنه وما تبطنه.. بين الايديولوجيا (وجهها المعلن) ، وبين السيكولوجيا (وجهها الخفي) الذي في غالب الأحيان يخترق جدار الإيديولوجيا لتحقيق الأهداف، وممارسة السلطة لكسب الخضوع والطاعة بالوسائل التي تريدها، ولا تتوانى لحظة عن ابتلاع الدولة فيما إذا اقتضى الأمر ذلك، فتمسي سلطة ودولة في آن، فتستبد بكل شيء، وتعصف بالمعارضة بحجج شتى، الأمر الذي يوسع الهوة بين السلطة والشعب، فتنشب الأزمة. يبدأ الكاتب مع «ميكيافيللي» وكتابه الأمير الذي شرح ووضح كيفية الوصول إلى الحكم، والأسس النفسية التي يجب أن يكتسبها المرء لممارسة السلطة، والوسائل التي يعتمدها للحفاظ عليها بمعزل عن أي قيد من الدين أو الأخلاق، ووفق المبدأ الشهير «الغاية تبرر الوسيلة» ثم يتابع مع «جوستاف لوبون» وسيكولوجيا الجماهير التي رآها بعيدة عن المنطق والتفكير، وتميزها بغريزة القطيع والتعلق بالقائد أو الزعيم ومنتجاته الرمزية كالشعارات البهيجة دون الأفكار المنطقية والواقعية، وسيعتبر المؤلف أن كلا المفكرين كان متأثرا ببيئته وبالفترة الانتقالية التي تعيشها بلده آنذاك، ولكن أشهر التطبيقات العملية لأفكارهما، هو ما فعله النازيون في ألمانيا والفاشيون في إيطاليا، وما يفعله بعض قادة العالم الثالث في زمننا هذا، الأمر الذي دفع بالمؤلف لأن يبحث عن الأسس النفسية والعقلية للسلطة من خلال توجهاتها الفكرية وبنية نظامها وكيفية ممارستها للسلطة ذاتها، والوسائل والأدوات التنفيذية التي تراها مناسبة أكثر من غيرها لتحقيق هذه الكيفية. وإلى ذلك فإنه سيعزو هذا الأساس النفسي العقلي للسلطة إلى الوعي التاريخي (السياسي، الثقافي، الاجتماعي) وما يتضمنه هذا الوعي من تصورات ومفاهيم لأنظمة سياسية واقتصادية ولأنواع وأشكال السلطة، ولكيفية الطرق الموصلة إليها، وأدوات ووسائل الحفاظ عليها وحمايتها، وتحقيق استقرارها واستمرارها وما يتطلبه ذلك من مهارات. ويؤكد المؤلف أن هذا الوعي التاريخي مزدحم بالصور والرؤى والأفكار والمفاهيم. والنماذج التاريخية كثيرة ومتعددة: من «أفلاطون» إلى «ميكيافيللي»، ومن «أثينا» إلى روما، ومن سيكولوجية السلطة النازية إلى الفاشية، من السلطة الليبرالية إلى السلطة الشيوعية، ولكل منها مجالها النفسي الاجتماعي الذي تظهر فيه ومن خلاله، وتحاول أن تطغى به على الآخرين، ولكنها أبدا تقوم على الأساس النفسي العقلي للفرد أو الأفراد، أو الجماعة، أو الجماعات الذين يمارسون السلطة. أما بصدد وجهها المعلن (الإيديولوجيا) فإنه ليس كل الحقيقة التي تتبناها وتسعى إلى تحقيق مقولاتها ومفاهيمها وتصوراتها، وإنما هي الوجه المعلن، المبرر منطقيا من قبل السلطة وممارساتها السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، تدافع به عن كيانها وبقائها واستمرارها كسلطة، وتدافع عنه كرمز نظري ومعنوي لوجودها كسلطة ذات ايديولوجيا.. ذات فكر. الأمر الذي يمنحها المشروعية النظرية التي تزداد بازدياد التأييد الجماهيري، وإلى ذلك فإنه يرى أن السلطة في تأرجحها ما بين السيكولوجيا والإيديولوجيا.. بين منطق السلطة كسلطة، ومنطق الإيديولوجيا كإيديولوجيا كثيرا ما تعاني من حالة انفصام، فهي رسميا مع الإيديولوجيا ومقولاتها وأطروحاتها، وهي نفسيا مع الأنا التي تخترق منطق الإيديولوجيا ونسقها المترابط، متى رأت أن ذلك في مصلحتها الذاتية، أو يخدم أغراضها النفسية ويحقق أهدافها في السيطرة والاستحواذ. أما الجانب الذي أغفله المؤلف فهو إيديولوجيا المعارضة، فهي حالة من التمرد الإيديولوجي، وهي سلطة في الوقت نفسه تحفل بالكثير من الممارسات الرمزية، سواء على صعيد علاقاتها بالجماهير، أو على صعيد علاقتها ببنية التنظيم ذاته، ومن جهة فإن الجانب النظري لم يفسح المجال لأمثلة ومشاهد من عصرنا، لاسيما وأن هذا القرن شهد تحولات كبرى في مجال الإيديولوجيا، وانتقالها من المعارضة إلى السلطة، عبر شرعية ثورية، أو انقلابية، أو دستورية وغير ذلك، إلا أنه سيوضح آلية وممارسات السلطة بشكلها المطلق، من حيث الامكانات والقدرات والوسائل التي تختلف من سلطة من هذه السلطات التي ذكرناها للتو، لكي تصل بها إلى نتائج وغايات يصنفها في خانة الكيفيات: الكيفية القسرية، الكيفية التعويضية، الكيفية التلاؤمية، ثم يوضح كل كيفية من هذه الكيفيات، فالسلطة تكون قسرية إذا مارست القوة والعنف والإكراه لكسب الخضوع، والسلطة تكون تعويضية عندما تعتمد على الثروة والمال والمكافآت والهدايا والهبات، وتلاؤمية عندما تعتمد على الحوار وتبادل الرأي، وتسعى إلى التوافق مع الآخر واحترام حقه في التعبير واحترام كرامته. ويتناول المؤلف كتاب آلفن توفلر الشهير «تحول السلطة» لكي يتحدث عن سلطة المعرفة التي تعتبر أعلى نوعية للسلطة، لأنها تعني الكفاءة، أي استخدام أقل قدر من الموارد لتحقيق هدف ما، وفي الوقت نفسه، تقوم بدور المضاعف للثروة أو القوة، وهي إلى جانب ذلك أكثر مصادر السلطة ديمقراطية، بما يجعلها تشكل تهديدا للأقوياء، حتى وهم يستخدمونها لتعزيز قوتهم. والمعرفة برأي توفلر تتحول إلى ثروة.. إلى رأسمال.. كما تتحول إلى قوة، إذا ما توافرت لها الشروط المناسبة. وبصدد رأيه عن العلاقة القائمة بين السلطة والدولة، فإنه سوف يذهب إلى أن ثمة من يخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة التي تحكم، فيرون أن السلطة هي نفسها الدولة، ويعزو الأمر إلى التشويش الفكري في وعي الناس وفي ثقافتهم، فالدولة تتميز وهذه حقيقة سياسية تكونت منذ ظهور مفهوم الدولة السياسية المعاصرة في القرن السادس عشر، لأن الحكومة قد توجد قبل الدولة أو إدارتها، ولكن ذلك لا يعني أن تهيمن على الدولة وأن تمتلك السيادة عليها، لأن مبدأ الفصل بين السلطة والدولة يعتبر من أهم المباديء التي يجب المحافظة عليها ورعايتها، لأنه مبدأ يرفع من شأن الدولة، ومن ثم يرفع من شأن المجتمع والناس أمام السلطة. فالدولة لها حضورها التاريخي الثقافي الاجتماعي، ولها حضورها الدستوري القانوني عبر المؤسسات، ومن جانب ثان فإنها تشعر المواطن بحضورها من خلال علاقته معها ومن خلال إخلاصه لها، وحرصه على طاعة قوانين السلطة من أجلها، وخوفه على سلامتها وأمنها. ومن خلال هذا الظهور تتشكل القواعد والأسس مع السلطة.. لأن السلطة مع الناس، والناس مع السلطة، فترتسم من خلال ذلك حدود وصلاحيات السلطة وشرعية ممارساتها ومجالات الحرية والعدالة وقيم المواطن والكرامة والإحساس بوجود الدولة وسيادتها وهيبتها.. ولكن ماذا عن وطننا العربي؟ يقول المؤلف آسفا: أنه لا وجود للدولة في وطننا العربي، وطنية كانت أم قومية، بل هناك سلطات مستبدة مختلفة تبتلع كل منها الدولة في جوفها، حتى إنك لا تجد أمامك سوى السلطة أينما توجهت ونظرت. ولعل ما نعاني منه من مشكلات سياسية وأزمات في اليمقراطية وحرية الرأي، وفي المشاركة السياسية في السلطة وفي اتخاذ القرار، إنما يعود لاختلاف مفهومي الدولة والسلطة في أذهاننا وفي واقعنا السياسي والثقافي بسبب غياب الفكر السياسي النقدي، وقيام سلطات مستبدة تمعن في تغييب هذا الفكر بقصد الاستحواذ على إمكانيات القوة في المجتمع وإبعاد شبح الدولة حتى تمتد صلاحياتها إلى حيثما تريد وكيفما تريد. الأمر الذي سيفضي إلى أزمة حقيقية يمكن تسميتها بأزمة اليمقراطية، نظرا لغياب الحقيقة عن الجماهير والجهل بمبدأ المشاركة في الحكم والسياسة. فاليمقراطية تشترط المعرفة والاستمرار والتواصل في الفعل اليمقراطي وفي الممارسة الواقعية للديمقوقراطية، وغياب هذين الشرطين يجعل الديمقراطية في أزمة حقيقية. وختاما، لقد بذل مؤلف الكتاب جهودا واضحة في تتبع الأصول النظرية لمفهوم السلطة والدولة والإيديولوجيا، ولكنه ابتعد عن تناول أنظمة بعينها لكي يفسح المجال للقاريء من إقامة حوار معه، لاسيما وأن موضوعة كهذه ذات أهمية بمكان، وخصوصا في حالتنا العربية الراهنة، وهو بالاضافة إلى ذلك أيضا تناول من أشكال السلطة، شكلا واحدا اقتصر على الحكم، ولم يذهب في اتجاه السلطة الفكرية والعملية، سلطة العادات والتقاليد (سلطة المجتمع)، سلطة النجومية، وسلطة الإعلام وغير ذلك من السلطات التي تستأثر بحياتنا كلها. عزت عمر