بيان الكتب: هذا الكتاب (الأمريكي التائه في الشرق الأوسط) ليس قراءة في التاريخ، ولا هو متابعة لأحداث مضت. لكنه مواكبة لعملية تفاعل جارية، ولعل في هذا تكمن الأهمية. مؤلف هذا الكتاب سنحت له مهنته أن يكون لمدة خمس سنوات في قلب واشنطن حيث المعاهد الاستراتيجية الراسمة للسياسات الأمريكية، وحيث يدور الجدل بين مصممي النماذج السياسية في فترة آل فيها إلى الولايات المتحدة، ميراث القدرة في العالم، تتوج به دولة عظمى وحيدة. ولم يكن ما يخص إسرائيل بعيدا عن ساحات الجدل الدائر. فما دامت شبكة علاقاتهم الدولية هى شاغلهم، فلابد أن تمر فرقهم المختصة، بالبقعة التى تحتلها العلاقة الخاصة مع إسرائيل. وأمريكا يصنع فيها القرار السياسي في ساحات المناقشات المفتوحة، وهي معترك ينزل فيه جميع الأطراف المسموح لها باستخدام كل ما لديها من مال، ووسائل إقناع لتطرح فكرها، وتحشد وراءه كل ما تملك من قوة ضغط وتأثير، في محاولة فرضه وهم من أعضاء المراكز البحثية، من المختصين بالشئون الدولية، والمسئولين السابقين في البيت الأبيض، ووزارة الخارجية والدفاع، وبجانبهم جماعات المصالح الاقتصادية، ومنظمات الضغط (اللوبي)، وهو وضع تسمح به طبيعة النظام السياسي والدستوري في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي قلب هذا المعترك، أمسكت إسرائيل بخيوط كثيرة، تجذب بها القرار السياسي ناحيتها، من خلال خطة تنظيمية بالغة الدقة، تقودها وتهيمن عليها كبريات المنظمات اليهودية الأمريكية.إن العلاقة الخاصة الأمريكية الإسرائيلية هي جزء طبيعي من بنود الجدل والمناقشات التي يغلى بها الوعاء الأمريكى في فورة التفاعل، الجارية فيه. وكان ما عرف بمبدأ الاحتواء هو الاساس الذي حمل فوقه بنيان السياسة الخارجية الأمريكية طوال سنوات الصراع الدولي بينها وبين الاتحاد السوفييتي. وكان هو المحور والمحرك والملهم لكل الأفكار والمواقف والقرارات والعلاقات السياسية. ويعني احتواء الاتحاد السوفييتي وحلقاته وسياساته داخل دائرة محكمة تحاصره، تتكون من قواعد وأحلاف وعلاقات وسياسات، وإدارة أزمات واشعال حروب، وتدبير انقلابات واغتيالات، أي أن الاحتواء كان خطة عمل تفصيلية لبرنامج يومي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. وبانتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي من الوجود عام 1989، لم يعد للاحتواء معنى أو هدف، ووجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة عالم ليست مجهزة بسياسات تلائمه، ولهذا شغلت جميع مواقع صناعة القرار السياسى في أمريكا بالبحث عن بديل يحل محل مفهوم الاحتواء. لكن ما هو هذا المفهوم؟ إن المبدأ أو المفهوم للسياسة الخارجية هو نوع من الهندسة السياسية، التى يهتدى بها في تشييد معمار من مبادئ السياسة الخارجية بترتيب لأولوياتها، متضمنة توضيحا لطبيعة العالم وشكله وعلاقاته، ومكان الولايات المتحدة في هذا العالم، وتحديد المهمة التى تتولاها الولايات المتحدة في هذا النظام الدولى، حسب أسس وتوجهات مستقرة وثابتة، يصاحبها ويعمل في خدمتها عدد محدود من السياسات المتغيرة، المجهزة بمرونة الاستجابة لما قد يستجد أو يتغير في أوضاع العالم وليس في معماره الهندسى لكن الحاصل أن التغيير المتلاحق سريع الإيقاع في النظام الدولى إثر نهاية الحرب الباردة، قد قلص إلى أبعد مدى قدرة صانعي السياسة الخارجية الأمريكية على صياغة بديل للاحتواء، لذا فإن السياسة الأمريكية تدبر أمورها على ما يبدو، من خلال تطبيق مبادئ قديمة تنتمى لعصر الحرب الباردة في التعامل مع مشاكل عصر اختلفت عن سابقه. وتطرح أفكاراً وسياسات مختلفة كأنها تجرى عليها تجارب. ومما يشير إلى أنهم يأخذون بهذا النهج، خطة خرجت من وزارة الدفاع (البنتاجون) في مايو 1997، كخلاصة لمناقشات دارت شهورا بين الخبراء العسكريين، وتكشف عن وجود مدرستين مختلفتين للسياسة الخارجية إحداهما مازالت مقيدة بخيوط عصر الحرب الباردة، ولا تتخطى حركتها وسياساتها المدى الذي تسمح به هذه الخيوط، والثانية تستوعب صدمة التغيير، وعجز السياسات القديمة عن مجاراة التحديات الجديدة، والتى تحتاج نمطا مغايرا من المفاهيم والمبادئ والسياسات وآليات وأدوات إدارة الأزمات والعلاقات الدولية. كثيرون توقفوا بالتحليل أمام هاتين المدرستين اللتين تفصل بينهما فجوة واسعة، بالرغم من إنتمائهما لمؤسسة واحدة، منهم البروفيسور (إليوت كوهن جونز ) الخبير العسكرى بمركز الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز فقال: أعتقد أننا وصلنا إلى درجة نحتاج فيها إلى خطة تقسم المستقبل إلى شوطين، الأول قصير الأجل نتعامل فيه مع المشاكل بما هو متاح لنا من أدوات، والثاني طويل الأجل نسعى فيه لصياغة مفهوم أساسي يوفر لنا آليات مختلفة للتعامل مع المستقبل بما يحمله من مستجدات ومتغيرات. والوضع في الولايات المتحدة مراوغ، لا يأخذ بها إلى مستقر، يراوح بين فكرة وأخرى، بين مدرسة وأخرى وفي هذا الوسط ينشط الكثيرون، ويوسع الكونجرس من رقعة دوره في صياغة السياسة الخارجية، وتجد جماعات الضغط والمصالح الفرصة لفرض وجودها وتأثيرها. هذا هو الوضع. وفي ظله تحتدم المناقشات وتتصارع الرؤى المعبرة عن الخيال والمصالح معا، وتتقافز التساؤلات حول أشياء كانت مستقرة لم يكن أحد يراجعها، باعتبارها جزءا من تكوين النظام السياسي الأمريكى، مثل احتكار النخبة من المهتمين بالشئون العالمية وخبراء مراكز البحوث والدراسات، ورجال الأعمال واباطرة الاعلام، لعملية تنظير السياسة الخارجية، والقول بأن هؤلاء فصلوا السياسة الخارجية عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الرأي عكسته تيارات عديدة من السياسيين والخبراء أيضا، منها البيان الذي صدر في عام 1998 يحمل توقيع 25 من خبراء السياسة الخارجية وسفراء ووزراء سابقين من بينهم ستيفن روزين، وويليام كريستول، وجورج ويجل، وهاردولديران، وعكسته دراسة قيمة للبروفيسور روبرت كيجان بالجامعة الأمريكية في واشنطن وصف فيها النخبة المحتكرة لصناعة السياسة الخارجية بالإئتلاف غير المقدس، الذي استبعد من بين صفوفه الأعضاء غير المنتمين له، وإنه لا يقدم الحقيقة للرأي العام. ولقد شغلت الدوائر العسكرية والسياسية في عامي 1998و1999، بما عرف بنظرية القتال في حربين في وقت واحد، كسياسة يجرى تطبيقها ميدانيا، أو في المختبر بالتعبير العلمى، لتزويد صانع قرار السياسة الخارجية بوسائل أداء وظيفته في القرن الواحد والعشرين،وصياغة استراتيجية جديدة لكيفية استخدام القوة العسكرية في عصر ما بعد الحرب الباردة. وكان ميدانها المزدوج الغارات الجوية المكثفة على يوغوسلافيا وأيضا الغارات فوق منطقة الحظر الجوى في العراق. ودخل في التطبيق العملى للنظريات السياسية أيضا مفاهيم تتواءم مع العلاقات المتغيرة مثل علاقة المشاركة أو تبادل المنافع مع الصين، أو مع روسيا وعلاقة الشريك الاستراتيجى مع مصر، والتى استخلصت مفهومها من وجود عناصر لمصالح مشتركة رغم اختلافات سياسية ستظل قائمة. جميع هذه النظريات والمسميات والمفاهيم، جزء من عملية التفاعل، لتشكيل البديل للاحتواء، والذي كانت العلاقة مع إسرائيل جزءا من تركيبته. لأن إسرائيل اعتبرت في عرف الاستراتيجية الأمريكية قاعدة أمامية ومركز عمليات، وغرفة مخابرات، ليس فقط فيما يخص الشرق الأوسط، بل أيضا في أفريقيا وآسيا وأحيانا أمريكا اللاتينية، وهو ما نفذ بها إلى عقر دار الاحتواء، لتكون جزءا هاما من إدارته الاستراتيجية. واتساقا مع منطق هذه الاستراتيجية رسخت السياسات المنحازة لإسرائيل ظالمة أو مظلومة، واستحالت تقليدا يلتزم به صانعو السياسة الخارجية، اعتقادا منهم بأن في قوة إسرائيل تعزيزا لدورها كقاعدة متقدمة. وكانت العلاقة الاستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل قد جرى تقنينها في فترة الثمانينيات عندما أعطى الرئيس رونالد ريجان للعلاقة الخاصة مع إسرائيل طابعها الرسمى، في إطار مذكرة التفاهم التى وقعت في ديسمبر 1981، والاتفاقات المكملة لها في نوفمبر 1983. ثم قام الكونجرس في عام 1987 بتوسيع الإطار التشريعى والسياسى للتعاون الاستراتيجى بين الولايات المتحدة وإسرائيل رسميا، بتوصيف إسرائيل بأنها : حليف أساسى من غير أعضاء حلف الأطلسي.. وبناء على ذلك ثم توقيع مذكرة التفاهم لعام 1989 لتصبح أكثر شمولا للمبادئ التى تحكم التعاون المتبادل في الابحاث والتنمية والعلوم والهندسة والإنتاج العسكرى، وهو التعاون الذي تطور وتدعم في بداية فترة رئاسة كلينتون 1990 و1991. وقد بدأت الإتصالات في عام 2000 شهر سبتمبر من قبل إسرائيل مع الولايات المتحدة لمحاولة وضع تصور لعلاقة استراتيجية جديدة، لمرحلة ما بعد السلام، تهدف منها إسرائيل تجديد مذكرة التفاهم الاستراتيجى، متضمنة بنودا تضمن لإسرائيل بقاء قنوات الدعم العسكرى الأمريكى مفتوحة تمر منها أحدث الأجهزة والعتاد، وعلى أساس أن يكون التمويل مجانا لثمن السلام الذي تتقاضاه إسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية. إذن نحن أمام حالة من التفاعل على الخلاف الباحث عن تصور للسياسة الخارجية للدولة الأولى في العام بعدما أدت نظرية الاحتواء واجبها في نهاية الاتحاد السوفيتى ومعسكره. وعلى ضوء كل الظروف والحسابات التى يتم فيها صناعة قرار السياسة الخارجية الأمريكية، يصبح موقف الطرف الآخر في معادلة سياستها تجاه العرب وإسرائيل، حاسما في التأثير على صناعة القرار، سلبا أو إيجابا. وهنا لابد من التوقف والتأمل أمام ما قاله البروفيسور شيلى تلحمى الذي يعتبر من أبرز خبراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.. النظرة من هنا في العاصمة واشنطن للعالم العربي، تراه عالما ساكنا، ينتظر أن يتصرف الآخرون أولا. وليست له خاصية التحرك بمبادرة دبلوماسية تؤثر على الأحداث. ولهذا اعتادت السياسة الأمريكية أن تربط حركتها سلباً أو إيجابا بهذا السكون العربى مادام هو حالة قائمة أو بحركته لو تغيرت حالته. وقد جاء في تقرير لأحد المحللين السياسيين بوزارة الخارجية الأمريكية المختصين بالشرق الأوسط أن العرب يسيرون فرادى، فلا نظاماً إقليميا عربيا واحدا، أساسه إرادة سياسية واحدة، لكن ما هنالك مجموعة أنظمة إقليمية عربية داخل النظام الإقليمي العربي. فهل يظل هذا الفراغ قائما كأنه تقليد عربي لا ينبغي التفريط فيه. أمين اسكندر