بيان الكتب: تستمد العقيدة العسكرية الاسرائيلية مضامينها النظرية، وآفاقها الاستراتيجية والتكتيكية في آن معاً، من المرتكزات النظرية للحركة الصهيونية، باعتبارها حركة استيطانية توسعية، ارتبطت عضويا منذ النشأة بالمشاريع الاستعمارية التي استهدفت منطقة الشرق الاوسط بعامة، والوطن العربي بشكل خاص. ، اي انها تتسم بسمات عدوانية ذات طابع هجومي، تمثل القوة العسكرية حجر الزاوية بالنسبة لبقية المرتكزات، كالهجرة ومتلازمة الامن، حيث يعتبر الجيش بمثابة لحمة التجمع السكاني الاستيطاني بما يحمل من هشاشة على كل المستويات السياسية والاجتماعية والدينية والعرقية، لمجموع المهاجرين اليهود القابعين على ارض فلسطين. فقد حاول الكاتب احمد ابو هدبة، في الفصل الأول من هذا الكتاب، التأريخ لبداية النظرية، معتبراً بأنه لم يكن قبل الاعلان عن الدولة العبرية او بعد، اية وثيقة نظرية مكتوبة لعقيدتها العسكرية سوى ما كتبه «دافيد بن جوريون» في مذكراته، على شكل فرضيات في المجالين التكتيكي والاستراتيجي، تم جمعها وترتيبها في كتاب حسبما يقول «ميتان فيلنائي» نائب رئيس الاركان الاسبق، اطلق عليه «السياسة الاستراتيجية الاسرائيلية، للبروفيسور افنير يانيف»، عرفت بعد ذلك لدى الكثير من الكتاب والساسة والمفكرين العسكريين في اسرائيل، بنظرية الامن، التي تبطن اكثر مما تظهر ولديها قابلية للتمدد في كل مرحلة. وحول الفرضية القائلة بعدم قدرة اسرائيل على حسم الصراع بالوسائل العسكرية مع العرب، فقد كتب بن جوريون، خلال تقديره للموقف عشية الاعلان عن اقامة اسرائيل يقول: «ليست لدينا امكانية حل الصراع نهائيا مع العرب، طالما لا يرغب العرب في ذلك.. لا نستطيع وقف الصراع مع العرب، في حين انهم قادرون.. هناك فرضية اساسية واحدة.. فارق تاريخي بيننا وبين العرب، من جانبنا ليست هناك معركة اخيرة، اننا لا نستطيع الافتراض، ولا في اي وقت من الاوقات عن توجيه ضربة واحدة للعدو، وان تكون هذه المعركة الفاصلة والاخيرة، ولن نحتاج بعدها الى الصدام معهم، ولن يكون هناك خطر نشوب الحرب، هذه حقيقة تاريخية غير قابلة للتغيير، فبعد كل حرب وبعد كل معركة نخرج منها منتصرين سنواجه نفس المشكلة». وقد تناول الفصل الثاني والثالث حربي السويس عام 56 وحرب الايام الستة عام 1967، اللذين كانا مكملين لبعضهما البعض انطلاقاً من مفهوم واحد كأحد اهم الثوابت الاساسية في العقيدة العسكرية الاسرائيلية والقائل: «انه لا يسمح لكيان مثل اسرائيل بأن يدير حرباً على ارضه، ولعب هذا الثابت في الوقت نفسه، دوراً كبيراً في رسم معالم تلك العقيدة الجديدة القائمة على الحسم الاستراتيجي بالسرعة الممكنة، وبانتصار سريع، وخسائر قليلة، قبل ان تتمكن القوى الاقليمية والدولية من التدخل والتأثير على مجريات الاحداث. لكن مع عدم الاغفال ان حرب يونيو حملت معها عوامل كثيرة وجديدة، كان لها كبير الأثر على العقيدة العسكرية الاسرائيلية وتطورها، وبالاخص فيما يتعلق بتكريس الكثير من الاسس والجوانب المهمة في تلك العقيدة، وادخلت عليها مزيداً من العوامل الجديدة «العامل الديني» واطلق عليه اسماء ومسميات مختلفة «كالأمن الراهن» لموشيه دايان، «الحدود الامنية» لايجال آلون، و«استراتيجية الأمن» لاسحاق رابين، و«خارطة المصالح الأمنية» لموشيه ارينز، «الخطوط الحمراء» لشارون، كانت في غالبيتها اشكال مختلفة لجوهر واحد تحدث عنه ايجال آلون بشكل بليغ: «ان الحدود الحقيقية لدولة اسرائيل، تتحرك وتتشكل مع حركة وموقع حارث الارض، والعامل اليدوي، ولا يمكن للدفاع عن الدولة دون الاستيطان، حتى لو تضاعفت قوة الجيش». وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب يرى الكاتب ان حرب اكتوبر بنتائجها، دفعت القادة السياسيين والعسكريين، لاعادة التفكير في بناء القوات المسلحة بصورة جذرية، تتناسب مع المعطيات التي افرزتها الحرب ومع التطور الحديث لوسائط القتال، وبالتالي اعادة صياغة بعض مفاهيم ومرتكزات العقيدة العسكرية الاسرائيلية، فقد باشر القادة الميدانيون، بوضع الخطط الافتراضية، التي تعزز جملة المفاهيم والمرتكزات والاساليب القتالية الدراجة، وخاصة على ضوء تنظيم اجهزة الدفاع والهجوم الاقليمية على الجبهة المصرية، والاعلان عن هضبة الجولان، كعمق استراتيجي من ناحية عسكرية، ومنطقة لا يمكن التخلي عنها من ناحية سياسية، مع وجود جبهة عسكرية مشتعلة «الجبهة اللبنانية بحكم تواجد قوات الثورة الفلسطينية». وقد استعرض الكاتب العقيدة العسكرية الاسرائيلية، والحرب التي جرت بلبنان باعتبارها مستنقعاً جديداً، والتي بدأت بشكل واضح بما سمي بحرب سلامة الجليل، كحرب ذات اهداف سياسية محددة من وجهة نظر العسكريين، وحرباً توسعية من وجهة نظر عدد غير قليل من السياسيين الاسرائيليين، خاصة عندما خرجت الحرب عن اهدافها. لكن يرى الكاتب ان هذه الحرب الوحيدة التي ادت الى تآكل ما يسمى بالاجماع القومي اسرائيلياً وانها كانت ومازالت الحرب الوحيدة التي تعمقت فيها الخلافات التي تجاوزت المؤسسة السياسية، بالتمدد الى المؤسسة العسكرية ورئاسة الاركان وقيادة القوات الميدانية، وغيرت من المفهوم السياسي، العسكري الذي كان سائداً عند الاسرائيليين، والذي يقول: «بأن منطق القوة هو الذي يجعل الآلة العسكرية الاسرائيلية تفرض قوة منطقها على العرب حرباً ام سلماً». وتحت عنوان العقيدة العسكرية الاسرائيلية والتحولات الكبرى في المنطقة، اي في الفصل السادس، رأى الكاتب ان الانهيارات التي حصلت على المستوى الدولي احدثت خللاً هائلاً في موازين القوى لصالح اسرائيل خاصة في ظل هشاشة وتآكل النظام العربي الرسمي وعدم قدرته على مواجهة هذه التطورات الجديدة، وتوقف الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، وما تركته من مفاعيل على درجة كبيرة من الاهمية، سواء على تدخل الآلة العسكرية الاسرائيلية، او على مسألة الامن في المناطق الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي ساهم في اضعاف قدرة هذه الآلة، ومستوى ادائها الميداني، في مواجهة ثورة شعبية، بأسلحة بدائية، مست هيبتها، وزادت من احتمالات تآكلها. امام هذا وذاك طالب الكثيرون من المهتمين في مجال البحث الاستراتيجي من كتاب وقادة وعسكريين ورجال اعلام وساسة في اسرائيل، بضرورة اعادة النظر في العقيدة العسكرية الاسرائيلية على وجه اشمل. وقد ختم الكاتب بحثه، رغم كثرة الفصول وصغر حجمها، بالقول ان الامن بالنسبة للعقيدة العسكرية الاسرائيلية، هاجساً دائماً ومستمراً، وستبقى المؤسستان العسكرية والسياسية في الكيان، رهن حقائق وتاريخ جغرافيا الصراع، واوهام الاساطير الدينية والتوراتية، فبمقدار ما تزداد شهية هذا الكيان للتسلح، كلما اتسعت دائرة الاخطار التي يستشعرها، وكلما تضخم شعوره بانعدام الامن. عبدالكريم محمد