بيان الكتب: هل حقا كما قال لينين ان السجن مدرسة الثوار؟! ربما وربما لا فالكثيرون ممن اعتقلوا كان السجن بالنسبة لهم اختبارا حقيقيا لصلابتهم وصقل مقدرتهم على التحمل والمقاومة بل ولاكتساب مزيد من الثقافة والمعرفة والخبرة، والبعض الآخر اعتبر تجربة السجن فترة ضائعة من حياتهم! وقد كتب الكثيرون من شهود العيان حول فترة اعتقالهم وتجربة السجن مركزين بشئ من المبالغة على عمليات التعذيب وألمها فقط مع اغفال تقريبا الا من اشارات قليلة الحديث عن جانب مهم للغاية من الصورة: النشاط التعليمى، الثقافى، الرياضى، الترويحى التى كان المعتقلون يقومون بها فى ظروف كثيرا ما كانت صعبة وذلك على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه الأنشطة. الكاتب علي الشوباشى الذى رحل عن دنيانا الشهر الماضى قدم فى كتابه: مدرسة الثوار (الحياة الثقافية في سجن الواحات) والذى صدر فى القاهرة عن دار العربى للنشر والتوزيع وصفا فريدا لتجربة الحياة الثقافية فى سجن الواحات وشرح كيفية تغلب المعتقلون العزل على سجانيهم بالعلم والثقافة والفنون؟! وأوضح فى الفصل الأول من الكتاب كيف قام المعتقلون فى عام 1962 بانشاء جامعة لتلقي العلم سميت باسم الشهيد شعبان حافظ.. أحد أهم القياديين فى أول حزب شيوعى مصرى عام 1923 والذى تعرض للسجن عدة مرات على مدار أربعين عاما حتى اعتقل عام 1959 وتوفي اثناء فترة اعتقاله 1962. الدراسة داخل الجامعة كانت جادة للغاية تبدأ فى تمام التاسعة صباحا ثلاث مرات فى الأسبوع فى زنازين تحتوى على سبورات قام بصنعها محمد حسن جاد من الأخشاب التى تبقى بعد بناء السجن، أما الطباشير فكان يتم صنعه من الجير المتوافر بشدة فى جميع السجون وبالطبع لم تكن هناك كتب أو أقلام أو أوراق لكن لا مشكلة! وعلى الرغم من علاقات الصداقة التى كانت بين المدرس وتلاميذه الا أن الحصص كانت تحكمها الجدية والنظام فالجميع حريصون على الاستفادة والتعلم فكانت هناك حصص للغات: الانجليزية، الفرنسية، الايطالية وأيضا للرياضيات البحتة قام بتدريسها د.عبدالعظيم أنيس، ومحاضرات فى الفلسفة والآداب وأخرى عامة وبصفة خاصة للاقتصاد كان يلقيها اسماعيل صبرى عبدالله، بقي أن نشير الى أن أجور الاساتذة، لم تتعد سيجارة واحدة عن كل حصة!! والى جانب الجامعة وتلقي العلوم المختلفة بها.. قام المعتقلون كما أشار المؤلف باستصلاح سبعة أفدنة من رمال الصحراء زرعوا بها أنواعاً عديدة منها الخضروات والفاكهة حتى اكتفوا ذاتيا وقام السجن بفضل المعتقلين بتوريد الخضروات الى السجون الأخرى حتى كادت تغطي احتياجات جميع السجون المصرية الأمر الذى أدى الى توجيه الشكر لمأمور السجن ومن ثم منح قدرا من الحرية للمعتقلين فى ادارة شئونهم فقاموا بترجمة عشرات الكتب السياسية والفلسفية المهمة وتجليدها ليتمكن أكبر عدد من قراءتها وكانت الترجمة والنسخ يتمان بالقلم الكوبيا على ورق (البفرة) الشديدة الرقة (الذى يتم فيه لف الدخان) ويتم ترتيبها وعمل غلاف لها حتى تصبح كتيبات صغيرة. بعد ذلك تنوع النشاط الثقافى فأصدر المعتقلون مجلة شهرية باسم (الثقافة الجديدة) في مئة وعشرين صفحة تكتب في كشكول بالألوان ومزينة بالرسوم على غلافيها الأمامى والخلفى، أما كتاب المجلة فكانوا على سبيل المثال: محمود أمين العالم، اسماعيل صبرى عبدالله، عبدالعظيم أنيس، ألفريد فرج، أمير اسكندر، مجدى فهمى، فيليب جلاب، نبيل زكي، صبرى حافظ وغيرهم وكانت المجلة تنشر أيضا نتاج المعتقلين القصصي والشعري. كما قامت المجلة بعمل مسابقات للقصة القصيرة فاز بالجائزة الأولى فى أحدها عبدالحكيم قاسم وحصل على علبة سجائر كاملة! كما كتب ألفريد فرج حلاق بغداد وعددا من القصص القصيرة. لم يقتصر الأمر على الكتابة فقط بل أمتد الى أنشطة أخرى وبصفة خاصة فى مجال الفنون التشكيلية فتم تخصيص مكان للرسامين والنحاتين فرسم مجدى نجيب على بطاقات البريد وقام صبحى الشارونى باعمال نحتية عديدة زين بها مدخل السجن. وفى شهر رمضان المبارك كما أوضح المؤلف كان المعتقلون يسهرون كل ليلة فى المسرح الذى تم انشاؤه على مدار أربعة أشهر مع عشرات العروض للمسرحيات العالمية والعربية من بينها مسرحيات ألفريد فرج ومن اداء على الشريف وصلاح حافظ أيضا كان فؤاد حداد يتلو كل ليلة جزءا من الشاطر حسن بمصاحبة غنائية للمطرب محمد حمام. أما (واس) فهى وكالة الانباء التى ابتكرها المعتقلون من الواحات فى الوقت تم فيه منع كل مصادر الأخبار وتولى الكاتب الصحفى الراحل عبدالستار الطويلة جمع الأخبار من خلال راديو ترانزستور مهرب واذاعتها يوميا على زملائه في التاسعة صباحا. ولعل أغرب ما كان يحدث فى هذا السجن هو مباريات الشطرنج بدون رقعة ولا أحجار أى بمجرد تبادل النقلات شفويا ولم يكن يستطيع ذلك سوى عدد قليل جدا من بينهم محمود أمين العالم وثروت ألياس حيث كانا يلتقيان لقاءات خاطفة فى الجبل أثناء نقل الأحجار أو اثناء الذهاب الى دورة المياه ويتبادلان النقلات على عدة أيام حتى يقول أحدهم للآخر كش ملك! الحقيقة أن خمس سنوات اعتقال ليست بالأمر الهين لكن الارادة والاصرار حولا السجن الى مكان انساني يمكن ولو بقدر قليل العيش لانتاج وتحقيق ولو بقدر قليل أيضا «الذات». وبعدما قدمه الكاتب الروائي الراحل علي الشوباشي من حصاد لتجربة الاعتقال داخل سجن الواحات ليس أمامنا الا أن نطرح نفس التساؤل الذى بدأنا به: هل حقا أن السجن مدرسة للثوار؟