بيان الكتب:«كيف يمتلك الفيلسوف السلطة ليحقق آراءه في سياسة المجتمع والناس وجوانب الحياة المختلفة؟» بهذا السؤال يبدأ هذا الكتاب.. ويمضي مؤلّفه في تتبّع اشكالية العلاقة بين الفلسفة والسلطة ومحاور اخرى.. اذ يقول «ان الفلسفة في هذا المقام تعني الاهتمام ببناء مجتمع على نسق خاص يدور في ذهن صاحبه وكل من اهتمّ بهذا البناء يمكن ان نعتبره فيلسوفاً سياسياً.. وليس بالضرورة ان يسبق امتلاكه للسلطة ـ إن امتلكها ـ اعلانه عن فلسفته هذه، فهو قد يحققها بعد وصوله الى السلطة، كما انه ليس بالضرورة ان ينجح فيما يريده، وصولاً او غاية، ولكن تظل هذه الفلسفات بالرغم من كل شيء علامات بارزة في طريق الانسانية لا يمكن اغفال اثرها، سلباً او ايجاباً في هذا التاريخ». يتألف الكتاب من اربعة فصول هي في الاصل اربع مقالات نشرت او القيت في ندوات عربية. وفي الفصل الاول الذي يحمل عنوان الكتاب «الفلسفة والسلطة» يجري التعرض لمحاور عدة، يتابع فيها المؤلف هذا الموضوع عبر الحضارات القديمة كالمصرية واليونانية ثم الحضارة الاسلامية وصولا للعصور الحديثة. ومن الخلاصات المهمة في هذا الباب انه يمكن اعتبار حمورابي «1750 ق.م» في بابل مثلا للقاء الفلسفة والسلطة وان شريعته تمثل في الواقع فلسفته هو في سياسة المجتمع عن طريق القانون الذي وضعه وهو قانون شامل منظّم للعلاقات الخاصة والعامة، يحدد واجبات كل فرد. وفي مصر كان هناك اخناتون «1400 ق.م» الذي مزج الدين بالسياسة او الفلسفة.. وان حمورابي واخناتون هما مثلان على حكم الفيلسوف او الفيلسوف الحاكم، وينتقل المؤلف الى نماذج اخرى مثل «بوذا» و«كونفوشيوس» و«سقراط» وغيرهم. اما في حقبة الحضارة الاسلامية فقد انتقلت الفلسفة الى الوطن العربي والعالم الاسلامي ولم يكن سبب وجود الفلسفة في بداياتها هو الدين فقط ولكن كان ايضا السياسة والاجتماع. ويعرض المؤلف لمنجز الرموز الكبيرة في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية فيما يخص محور الفلسفة والسلطة مثل ابن سينا والفارابي والكندي وابن خلدون وعدد من علماء الكلام والمتصوفة. ويوسع المؤلف افق دراسته فلا يقتصر على الجانب الفكري لمسألة الفلسفة والسلطة بل يمتد الى علاقة الفلاسفة في مختلف العصور بالسلطة. ومن الملاحظ بعد هذا انه كلما زاد اهتمام الفيلسوف بالمجتمع كان اقترابه من السلطة اقوى واشد. قد تبدو افكار الفيلسوف مجرد احلام خيالية ولكنه يصر على واقعيتها وانها ممكنة التطبيق اذا ما تحققت الشروط اللازمة لتحقيقها كما في جمهورية افلاطون. وفضلاً عن ذلك فقد يكون النظام السلطوي ممثلاً في فرد او في طبقة يتخذ منها الفيلسوف موقفاً كما فعل جان جاك روسو وفولتير او في شكل عام كالنظام الديمقراطي الأثيني كما هو الحال لدى سقراط وافلاطون. ويناقش المؤلف في الفصل الثاني بعض اطروحات الكاتب الصادق النيهوم في احالته كثير من المصطلحات الفكرية والفلسفية وحتى القرآنية الى جذور كلدانية احياناً وتوراتية احيانا اخرى.. يذهب المؤلف الى التساؤل: لست ادري مبعث هذا الهوى بارجاع كل شيء اما الى الكلدانية او الى التوراة اليهودية ولعل السر يكمن في ان النيهوم لا يكلف نفسه عناء الرجوع الى لغات عروبية اخرى للمقارنة او يتعمق في البحث في الجذور العربية ذاتها فيكتفي بالكلدانية والتوراة. وينتقل المؤلف الى مراجعة كلمة «عرب» بحسب تحليل النيهوم اللغوي والفلسفي حيث يذهب الى ان تتبّع نشأة كلمة «عرب» باعتبارها صفة اطلقت على اهل شبه الجزيرة العربية ان اول تسجيل لها ظهر في النصوص الأكدية في صورة «ارب» بالهمزة بدلا من العين. وهذه نقطة مهمة لان الهمزة والعين تتبادلان كثيرا من مختلف لغات الوطن العربي قديماً بل وفي بعض لهجات العرب العدنانية ذاتها. وبصدد مفهوم «الأمّي» التي اقترنت بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول الاستاذ النيهوم: ان احدا لا يعرف من اين استمد المفسرون قولهم ان كلمة «امي» تعني غير متعلم. فليس ثمة مبرر ممكن واحد لهذا التفسير الغريب سوى انحراف المنهج الذي ميز علم التفسير منذ مولده، بسبب اصراره على تجاهل مصادر لهجتنا العربية في القاموس الكلداني. ولو اختار الشرّاح ان يعودوا الى اصل المصطلح في هذا القاموس لما فاتهم ان يلاحظوا انه مجرّد مرادف لكلمة «حنيف» التي اصبحت صفة قرآنية لمفهوم الاسلام نفسه. في مقابل ذلك يرد المؤلف على النيهوم باحالته الى المراجع العربية التي تذهب الى ان الحنيف هو المائل من خير الى شر ومن شر الى خير والحنيف هو الذي يتحنف عن الاديان الاخرى اي يميل الى الحق ومن كان على دين ابراهيم فهو حنيف عند العرب. ويعرض المؤلف في الفصل الثالث لمفهوم المجتمع والسلطة في نماذج اخرى من الحضارات ومنها حضارة المايا والأزتيك، وينطلق من ان الهنود الامريكيين مثلا تكونوا على مدى احقاب متطاولة من مجموعات بشرية متنوعة تفاعلت وانصهر بعضها في بعض وكونت امة كبيرة فيها ما في الامة من تنوع وتعدد بين طوائفها، هذه الامة انشأت شكلاً للسلطة الممتدة في الزمان عمقاً تمكنت في فترات من تاريخها من ان تنشيء حضارات عظيمة وقف الاوروبيون امامها مذهولين حين واجهوا اثارها. وتقترن نظرية انهيار الحضارات بمعطيات واقعية اساسها النظام الاجتماعي وطبيعة السلطة السياسية فحضارة «المايا» المزدهرة انهارت بشكل مفاجيء ربما نتيجة حرب اهلية او انحطاط لحق بقيم المجتمع. وفي هذا السياق نفسه قامت حضارة الازتيك في المكسيك وكانت حضارة قائمة على القوة العسكرية مؤسسة على نظام ملكي انتخابي بالغ الدقة ونظام كهنوتي مسيطر وكانت العاصمة مكسيكو تجسد ذلك الشكل من السلطة السياسية التي القت بثقلها على النسق الاجتماعي المتنوع حيث تبلور تنظيم اجتماعي يقوم على توزيع السلطات. وربما كان هذا المستوى من تنظيم السلطة يقترن بمنهج فكري ينظم العلاقات ويوجد افقا محددا يجري التحرك من خلاله لانضاج معايير في العلاقات الاجتماعية والسياسية وتظهر من خلاله تلك الثوابت التي نظمت هذا الشكل او ذاك من السلطة. ويذهب المؤلف الى ان الفلسفة ـ بأي صورة اخذناها ـ والسلطة كانتا ولا تزالان وستبقيان ابدا مرتبطتين ارتباطاً كاملاً لا ينفصم وذلك لان التعريف المعروف سيظل حقيقياً: الانسان اجتماعي «وفي ترجمة اخرى: سياسي» والفلسفة تتعامل مع الفكر الذي يسيّر المجتمع اي مع السلطة والفيلسوف انسان.. ميزته انه يفكر اكثر قليلاً من سواه. فاذا احب السلطة فانه معذور لأنه لا يمكن تحقيق فكره الا عن طريق هذه السلطة!! كما يقول المؤلف. طاهر عبد مسلم