بيان الكتب: عرفت المستشرقة الألمانية سيجريد هونكي على نطاق واسع في العالم العربي، بعد إصدار كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) حيث أوضحت فيه المؤلفة فضل العرب على أوروبا في شتى الميادين، وعلى مختلف الصعد، فتناولت الأفكار والآلات والكتب وغيرها من العناصر، التي لعبت دور الوسيط بين أوروبا والغرب، متوخية عبر ذلك إظهار دور العرب في الحضارة الأوروبية، وقد لحظت أن ثمة بعض الثغرات في كتابها المذكور لابد من تلافيها، ما دفعها لإنجاز دراسة جديدة هدفت من ورائها التغلغل في الروح الحضارية العربية تغلغلا يجعل الصورة أشد وضوحا، وأكثر بروزا، فكان الكتاب الذي نستعرضه الآن، وقد حمل عنوانا ذا دلالة عميقة (جمال على معطف القيصر) الذي صدر مؤخرا عن دار المدى بدمشق. في كتابها الجديد الذي جاء استكمالا لسابقه، تسأل المؤلف هونكي عن العنصر الإنساني وعن الإنسان الوسيط الذي مهد سبيل اللقاء بين الشرق والغرب منذ القدم، وبين العرب والألمان بصورة خاصة، فأين تكمن هذه الصلة؟ وبم تتميز؟ وهل ثمة تأثير متبادل؟ وتنطلق الباحثة من هذه الأسئلة لتبحث في الماضي مبينة المؤثرات العربية على العقلية الأوروبية، وتركز على دور الشخصية العربية في الحضارة الإسلامية، فتنقلنا المؤلفة إلى الزمن السحيق إلى القرن التاسع الميلادي فنجد أنفسنا في بلاط شارلمان الكبير، امبراطور فرنجة، وهارون الرشيد خليفة العرب، ثم في قصر إبراهيم بن الأغلب في افريقيا، وغيرهم من الملوك والأباطرة، فضلا عن أماكن وأحداث ووقائع لتبيان الحقائق الغائبة، فأوروبا التي قطعت شوطا كبيرا في ميدان العلم والتقدم لاتزال تجهل حقيقة أن العرب كان لهم إسهام موفور في حضارة الغرب وتكوين إنسانها. ويهم المؤلفة أن تنور أبناء جلدتها الألمان الذين يجهلون بدورهم شخصية الإنسان العربي وطبيعته، وتفكيره وأن تعمّق فهمهم للعرب، وآية ذلك أن الجوهر الغربي والجوهر الألماني يلتقيان في صعيد واحد، هو صعيد الصداقة والمودة والتفاهم. وتؤكد المؤلفة على الصلات الودية بين العرب والألمان التي لم تكن قط وليدة النفط العربي. ثم إن الحضارة الأوروبية بعيدة التصور لولا الحوافز العربية العديدة، وحسب المؤلفة إنها تحرك شريط الأحداث التاريخية لتنفذ إلى صميمها، وتميز صحيحها من زائفها. يشتمل الكتاب على مقدمة وجيزة، وثمانية فصول، منها: اللقاء الألماني ـ العربي، الفروسية الألمانية والفروسية العربية، الحملات الصليبية صراع وقتال بين الشرق والغرب، التأثيرات العربية تخلق طبيعة حياتية جديدة، محفزات وبواعث فن عربية وغيرها من الفصول التي تتفرع بدورها إلى أقسام صغيرة عدة، ولئن بدا الكتاب صغيرا في حجمه فإنه غني المضمون، غزير المادة. تقول المؤلفة في مستهل مقدمتها: إن الضرورة استوجبت التساؤل عما يربط وراء ما يفصل، وآية ذلك أن الأوروبيين والعرب متصلون ببعضهم اتصالا مصيريا قبل أن يحتضنهم البحر المتوسط جوارا. وتطمح المؤلفة من دراستها المقارنة إلى تسليط الضوء على كل ضرب من ضروب التقارب والتشابه بين العرب والألمان، مؤكدة أن موقف الألمان من الحروب الصليبية كان سلبيا ودورهم كان صغيرا ولا يمت بأية صلة إلى ما يجمع الصليبيين ويوحد رايتهم ألا وهو التعصب الديني الأهوج والعنف الوحشي الدموي على حد وصف المؤلفة التي تمضي في هذا السياق لتقول إن الألمان لم يضمروا أي عداء للعرب، ولم تكن لديهم أية مطامع استعمارية ـ استيطانية في المشرق العربي، ولذلك لا تطلع صورا ترضي مزاجها وعاطفتها، وإنما تجمع الذهب لا لتخليصه الأتربة والشوائب وحسب، وإنما لترسل الحياة في تلك الأتربة وتجعلها كائنات قريبة من قبل القاريء على حد تعبير «جوته» في احدى رسائله إلى «هيردر». وحين تخصص الفصل الأول للقاء الألماني ـ العربي منذ عهد شارلمان الكبير وهارون الرشيد فإنها لا تغفل عن صلة أوتو الأول بعبدالرحمن الثالث، الخليفة الأموي في قرطبة، وتتحدث بمنتهى الحياد عن تلك الصلات والروابط، وبعد أن تتناول حقيقة الموقف الألماني ابان الحروب الصليبية، وموقف الكنيسة آنذاك، تشير إلى أن روح الفروسية العربية لا تتجاوب مع روح الفروسية الجرمانية وحسب، بل تؤثر فيها تأثيرا كبيرا. ويقيم الشاعر والفارس الألماني (فولفرام فون آيشينباخ) نصبا عاليا للفتوة العربية في ملحمته الرائعة «بارسيفال». وحين توازن المؤلفة بين الفارس العربي والفارس الألماني تستبين الملامح المشتركة بينهما، فالبطولة العربية تتلون في الإسلام بلون إلهي ويموت الفارس شهيدا لينعم بجنان الخلد. أما الفارس الألماني فيقاتل في سبيل الامبراطور، وتتناول المؤلفة موضوع الثأر لدى الفارسين وتحلله فترى أن الثأر لا ينبع من مشاعر ذاتية مشبعة بروح الكراهية، بل الثأر واجب تجاه ذوي القربى، وهو ليس ارضاء لنزوة أو انفعال أو عاطفة، بل مواجهة ومجابهة ترتكز على النخوة والشهامة، ثم إن روح التسامح التي تهيمن على العقلية العربية الإسلامية متصلة بروح الفروسية العربية، كما أن روح التسامح تسود العقلية الجرمانية. ومن هذه الملامح والتجليات التي عرضنا لها اختصارا تنطلق سيجريد هونكي لتبحث في التأثيرات العربية في الإنسان الأوروبي والألماني خصوصا في مختلف المجالات كالأدب والفن والعمارة والعشق وأنماط الحياة... الخ. ويستشف القاريء بوضوح ـ من خلال قراءة الكتاب ـ أن المؤلفة تحب الحضارة الإسلامية العربية لما تنطوي عليها من قيم إنسانية نبيلة وسامية. ولا شك أن كتابها الجديد (جمال على معطف القيصر) لحصيلة جهد دؤوب ومرير، اعتمدت الباحثة في تأليفه على عشرات المراجع والمصادر من دنيا الأدب والفن والتاريخ والعلوم الإنسانية المختلفة لتستمد شواهد حية على حقائق تاريخية نجهلها نحن كما يجهلها أبناء جلدتها، وهي بذلك تقدم تحفة ثمينة تستحق القراءة والتقدير. إبراهيم حاج عبدي