بيان الكت: في اللاذقية حيث ينشر البحر زرقته اشرعة بنفسج للنوارس المتعبة ويعبق الأدب بأزهار بدوي الجبل وبساتين حنا مينا. تدرك ان اطواق الورود لا تنقطع باحساس كاتبة تحب الحياة بكل ما تعنيه من حرية وانسانية. فهي إلى جانب امتهانها طب العيون، دخلت عوالم الادب القصصي والروائي من «ورود لا تموت» و«قبو العباسيين» و«افراح صغيرة، افراح اخيرة» و«خواطر في مقهى رصيف» و«نسر بجناح وحيد» و«موت البجعة» و«يكفي ان يحبك قلب واحد» وآخرها مجموعة قصصية بعنوان «الساقطة»... هذا غيض من فيض فقد ابدعت الكاتبة سبع مجموعات قصصية وست روايات اضافة لمقالاتها النقدية عن كتب تستوقفها وتنشرها في النهار، الكفاح العربي، الاسبوع الأدبي، المعرفة ،انها الدكتورة الاديبة هيفاء بيطار التي جذبنا فضاؤها الانساني وأدبها الرحب لمعرفة حكايتها مع الكتاب. ـهيفاء بيطار الأديبة... طبيبة عيون حدثينا عن علاقتك الاولى بالكتاب؟ ـ علاقتي بالكتاب قديمة جداً. بدأت في وقت مبكر منذ الطفولة كنت مولعة بالقصص التي كانت تصدر آنذاك للأطفال واليافعين حتى انني تعديت على قصص الكبار. وساعدني على ذلك انني اعيش في اسرة تهتم بالثقافة والادب والفكر فأمي تحمل «دكتوراه في الفلسفة» وابي مدرس متأصل في اللغة العربية فعناوين كتبهما العتيقة الاصيلة لا تبرح ذاكرتي هي التي اثارت ذهني على النضوج المبكر وحرضت قامتي الطفلة للنهوض، كي ألامس اغلفتها بأصابعي البضة واتمعن في وريقاتها فكما تشارك أبواي على حياة زوجية سعيدة هادئة، تشاركا على مكتبة مليئة بالفلسفة والأدب. من الموسوعة الفلسفية المختصرة التي نقلها عن الانجليزية فؤاد كامل وجلال العشري إلى العقد الفريد للفقيه ابن عبد ربه الاندلسي ومن تاريخ الفكر العربي لعمر فروخ... إلى الامتاع والمؤانسة لابي حيان التوحيدي وغيرهم. فكما زرعا فيّ جينات الفلسفة والادب، كذلك درباني على القراءة بمراسة منهما ـ اي ابواي ـ مثقفان وقارئان بامتياز. اذكر اننا عندما كنا ننوي الاصطياف في صلنفة كانت زوادتنا صندوقاً من الكتب. وكنت اقضي كل العطلة في القراءة لدرجة كنت اتعرض للتوبيخ لقضائي ساعات طويلة مع الكتاب الذي كان ينسيني طفولتي واللعب. واذا ما تركت القراءة فأكثر ما يغريني بعدها هو الاصغاء للحوارات الثقافية التي تدور سجالاً بين أمي وابي. اما عن اول كتاب اقتنيته من جيبي الخاص. هو كتاب «البحث عن وليد مسعود» لجبرا ابراهيم جبرا. ـ بعد هذه القراءات والذكريات أي جنس ادبي يغريك لضمه إلى مكتبتك ومنذ متى بدأ هذا الميل؟ ـ انا لا اميل لجنس ادبي معين، ما يهمني هو الابداع الجيد. كما انني احب التنويع في القراءة والاقتناء فهذا التنويع يغنيني ويوسع تجاربي الذهنية والحسية فكما هو واضح مكتبتي مليئة بدواوين الشعراء الكبار نزار قباني، الجواهري، عبدالوهاب البياتي، وبكتب النقد والفن عامة، لكنني منذ سنتين صرت أهتم كثيراً بكتب الفلسفة فرحت اعاود الاطلاع على كتب امي وانسقها مع كتبي لاضيف اليها الحديث من الاصدارات والترجمات وكتب علم النفس قديمها ككتاب الضحك لهنري برجون وكتاب «عرفت 3000 مجنون»، تأليف الدكتور فيكتور كول. ونقله إلى العربية د. فائق شاكر وفيه حقائق علمية وبحوث قيمة ألفها طبيب للامراض العقلية في احد المستشفيات الامريكية وطبعاً الكتب المترجمة الحديثة في هذا المجال. فهذا النوع من الكتب يجعل خبراتي تتراكم وتنضج لتستوعب الاسباب والمناخات فيساعدني اكثر في رسم شخصيات قصصي ورواياتي فما يثير حزني هو أني ابدع شخصيات لا تعرف نفسها ولا تعرف الحياة. ـ متى زينت مكتبتك بأول مجموعة تحمل اسمك، وآخر مجموعة أو رواية، والظروف المادية والمعنوية بين الفترتين، اقصد بالمعنوية المجتمع الذكوري الذي لا يؤمن بالمرأة ككاتبة؟ ـ اول مجموعة قصصية صدرت لي هي «ورود لن تموت» عام 1990 وكانت تجربة مريرة، اذ لم تكن لدي اية خبرة في مسألة الطباعة، وكان الكتاب سيئاً فنياً وكلفني مالاً كثيراً مع ذلك عندما انظر اليه في المكتبة اتذكر قول الناقد الذي يقول ان لا بدايات في الادب ومادمت قد قررت الولوج الى عوالمه فيجب ان تحاسب لكن النقد السلبي لم يحبطني اذ تتالت اعمالي بشروط ممتازة فيما بعد. فقد طبعت في دار الاهالي بدمشق ثلاث روايات هي: يوميات مطلقة، وافراح صغيرة أفراح أخيرة، ومجموعة تحت عنوان «قصص مهاجرة»، كما طبع لي اتحاد الكتاب العرب ثلاث مجموعات قصصية هي: «موت البجعة»، «خواطر في مقهى رصيف»، «يكفي ان يحبك قلب واحد» كما طبعت لي وزارة الثقافة مجموعة هي «ظل اسود حي» اما اخر ما ضمته مكتبتي فهي مجموعة قصصية بعنوان «الساقطة» طباعة دار رياض الريس في بيروت وبنفس الوقت صدرت لي رواية عن دار نلسن في بيروت عنوانها «ايقونة بلا وجه» واقول بصراحة انني لم اعان من مجتمع ذكوري اعاق كتابتي، بل على العكس لقيت الكثير من الدعم والتشجيع من قبل كتاب كبار وناشرين مهمين. ـ وعن عدد كتب مكتبتها وعملها على ترتيبها. وان كانت تعرضت لحادث مؤسف قالت: ـ املك الكثير الكثير من الكتب، في الحقيقة لا استطيع حصرها لكنها بالتأكيد أكثر من ثلاثة الاف وخمسمئة كتاب. لكنني للأسف لا ارتبها. فهي مختلطة ببعضها بين كتب فلسفة وطب وادب وعلم نفس على نحو يرهقني، وكل مرة انوي ترتيبها لكنني لا اجد الوقت لذلك ولم تتعرض مكتبتي لاي حادث مؤسف لكن المشكلة في الاعارة. ـ وعن سيرة الاعارة التي احدثت التوتر في جفنيها قالت: ـ نادراً ما استعير كتاباً اذ انني مولعة بشراء الكتب مهما كانت باهظة الثمن. اما الاعارة فهي مشكلة حقيقية. لان الكتب التي اعيرها نادراً ما تعود إلي صدقيني كتاب نجيب محفوظ اولاد حارتنا اشتريته اربع مرات وكتاب النبي لجبران اشتريته ثلاث مرات. حتى صرت في الفترة الاخيرة اسجل اسماء من يستعيرون مني كتباً، واطالبهم بها بالحاح حتى تعود إلي، واحياناً اقرر ان اتوقف عن الاعارة لكنني اخجل من أصدقائي. ـ أفي مكتبتك كتاب موروث أو نادر وما هو؟ ـ لا اعرف تماماً ما الكتاب النادر في مكتبتي، اذ انني اخذت كتب امي في الفلسفة وكتب ابي في اللغة العربية وجمعتها كلها مع مكتبتي، ولم يسمح لي الوقت بقراءتها كلها. وبمفهومي ندرة الكتاب تنبع من قيمته المعرفية وأهميته لدى القاريء. واظن ان الكتاب الذي اعتبره ثروة هو «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه. ـ ما هي احب اهداءات كتب مكتبتك الى قلبك؟ وهل ترتبط بحادثة معينة؟ ـ هناك اهداءات كثيرة رائعة، لكنني للاسف لا اذكرها تماماً. لكن احب اهداء إلى قلبي قدمته لي انسانة حساسة ورقيقة جداً، ولها معاناتها الكبيرة أيضاً، كتبت لي «شكراً لانك موجودة في هذا العالم». ـ ما موقف الاسرة في المكتبة؟ وهل تتعرضين لمضايقات؟ ـ من الكلام السابق وحديثي عن والدي اللذين لا يبتعدان عن اجواء الثقافة فالأسرة لا تتضايق من المكتبة أبداً. ومن حسن حظي انني اعيش ضمن أسرة تقدر الثقافة وتهتم بها. لكنهم احياناً يتضايقون من كثرة مشترياتي للكتب ويعتبرون ذلك تبذيراً. ـ بصفتك طبيبة عيون كيف توفرين الطقس المناسب للقراءة الذي لا يتعارض مع عملك الحساس؟ ـ استطعت ان اجد تزاوجاً جميلاً بين الادب والطب، فالطب اغنى تجربتي الأدبية كثيراً، لانه قدم لي خبرات عظيمة في النفس البشرية. وعملي بشكل عام غير مرهق. فكثيراً ما اقرأ أو اكتب في عيادتي الخاصة ومساء لدي وقت طويل للقراءة والكتابة. لكن ما يزعجني احياناً عندما اكون في حالة منهمكة ومستقطبة تماماً لفكرة معينة، اكتب او اقرأ او افكر، ثم انتبه انه حان وقت الوظيفة وعلي الانطلاق مباشرة الى المستشفى. اتألم لانقطاع افكاري، ولذلك الاجبار الذي اشعره. ـ وعن عملها المخطوط الذي لم يطبع بعد قالت: ـ لدي رواية جديدة لم اضع لها عنواناً بعد، ولم تطبع، وانا لا اجيد التحدث عن اعمالي، لكنها بشكل عام تعالج قضايا الفساد، فساد النفوس، خاصة طغيان المادة وتقلص عالم الروح. ـ وعن امنياتها من الكتاب ولأجله ومن دور النشر قالت: ـ امنياتي للكتاب كثيرة جداً، اولاً ان تزول العزلة الثقافية بين البلدان العربية وثانياً ان ينظر للكتاب باحترام اكبر. فأنا احس بألم شديد حين تمنع كتب بحجة انها اباحية، بينما الفضائيات تعرض افلاماً خلاعية مليئة بالضعف والانحلال الاخلاقي!! علماً ان هذه الافلام يشاهدها الملايين. وبالنسبة للنشر اتمنى ان يخلق ناشرون لا يتعهدون الا الكتب الجيدة ويطبعونها على حسابهم لأن معظم الكتّاب عاجزون عن تمويل اعمالهم