بيان الكت: ستة وعشرون باحثاً من اهم الباحثين الفرنسيين في مختلف فروع العلوم الانسانية والسياسية يبحثون في «الحروب التي تهدد العالم». تشرف على هذا العمل السيدة بياتريس بوفيه، رئيسة تحرير مجلة «الجيوبوليتيكا الافريقية». اكثر من عشرين مداخلة اذن يبحث اصحابها في التهديدات الارهابية والاحداث النووية والحروب المحلية او الاقليمية او العالمية. وهذا كله في المنظور المستقبلي للقرن الحادي والعشرين بعد قرن قارب عدد ضحايا الحروب فيه المئتي مليون نسمة خلال حوالي مئة حرب. اما التعريف الذي تم تبنيه بالنسبة لمفهوم الحرب هو اي نزاع يبلغ عدد ضحاياه اكثر من الف ضحية كل عام. اذا كانت الحرب العالمية الاولى هي اول اكبر الحروب في القرن الماضي العشرين، واول الحروب الكونية. فان القرن العشرين قد عرف اولا حربا روسية ـ يابانية خلال عامي 1904 ـ 1905 من اجل ملكية جزيرة «ساخالين» ومرفأ «ارثور». ثم حلّت الحرب الايطالية ـ التركية في منطقة طرابلس الغرب. كان للايطاليين مصالح في شمال شرق ليبيا، التي كانت ولاية عثمانية منذ عام 1835، فاعلنوا الحرب على تركيا عام 1911 واحتلوا ليبيا. ثم اندلعت حروب البلقان الاولى بعد تفسخ الامبراطورية العثمانية. وقد تواجه في تلك الحروب الاتراك مع تحالف الصربيين والبلغاريين واليونانيين وسكان الجبل الاسود. وفي نهاية القرن العشرين تم تقديم مفهوم «الحرب الحضارية» مع عدم سقوط ضحايا فيها. وكان الامريكيون قد تحدثوا على مثل هذه الحرب «النظيفة» بالنسبة لحرب الخليج الاخيرة التي اندلعت في مطلع عام 1991. لكن هذا لا يمنع واقع ان الحرب اصبحت اكثر ضراوة. المفارقة الكبرى تتمثل في كون ان الجنود قد غدوا هم «حملة» السلام وحماته في العالم. السمة التي يؤكد عليها المساهمون في هذا الكتاب هي واقع الهيمنة الامريكية في مطلع القرن الحادي والعشرين. ان هذه الهيمنة تجد بداياتها في اول تدخل عسكري خارجي قام به الامريكيون منذ عام 1898 اثناء الحرب الاسبانية ـ الامريكية ليثبتوا منذ ذلك الحين بانهم «القوة العالمية الاولى في التاريخ» حسب تعبير «زبيجنيو بريجنسكي» مستشار الامن القومي الامريكي السابق. ثم جاء مؤخرا انهيار الاتحاد السوفييتي كي يؤكد التفوق الامريكي الذي يجد ركائزه الاساسية في القدرة العالية على التنظيم وامكانية تعبئة اكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية، وباسرع وقت، لغايات عسكرية. وتتم الاشارة ضمن هذا السياق الى «الثورة» في المفاهيم العسكرية على قاعدة التجديد التكنولوجي الذي بدأت تباشيره بصيغته الجديدة، اعتباراً من نهاية عقد السبعينيات، ومما عزز ايضا القوة الامريكية. واظهرت عمليات القصف الجوي «الاطلسي» ليوغسلافيا السابقة ـ صربيا ـ عام 1999 تقدما كبيراً على صعيد دقة الرمي وسرعته وفعاليته. ان الهيمنة الامريكية الوحيدة ابعدت شبح امكانية قيام اية مواجهة عالمية بين قوتين متكافئتين. واذا كانت طبيعة المنظومة السياسية للولايات المتحدة الامريكية تمنعها من التفسخ والتحلل، كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفييتي، فإنها ايضا اي طبيعة المنظومة، تعطيها بعض مصادر التفوق. «ان الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية هما اسوأ النماذج، ولكن لم يتم حتى الان ايجاد نماذج افضل منهما»، كما كان يقول ونستون تشرشل. ويرى معظم المساهمين في دراسات هذا الكتاب بان القوى المنافسة المحتملة للولايات المتحدة الامريكية من الان وحتى نهاية القرن الحادي والعشرين تتمثل في روسيا والصين، وما يتم التأكيد عليه ايضا هو ان اشكال التقدم التكنولوجي التي حققتها الانسانية خلال العقود الاخيرة المنصرمة ومنظور مسيرتها المستقبلية قد غيّرت كثيرا من صورة الحروب المقبلة. لكن بالوقت نفسه جرى تغيير عميق على صعيد طبيعة النزاعات منذ نهاية الحرب الباردة. لقد اصبح عدد ضحايا الاسلحة الخفيفة ـ الكلاشنيكوف وغيره ـ يفوق ذلك الذي سببته قنبلتا هيروشيما وناجازاكي مجتمعتين. مثل هذه المفارقة اثارت اهتمام بعض المساهمين في هذا الكتاب. لقد ابتعدت آفاق المجابهات الدولية الكبرى ولكن تكاثرت بالوقت نفسه الحروب الاقليمية التي لا يمكن الجزم بان الاسلحة الاكثر تقدما فيها هي الاكثر فعالية. وتتميز الحقبة الدولية الراهنة اليوم بتبدل كبير في «مراكز» الاهتمام الاستراتيجي. فالقارة الافريقية السوداء مثلا التي تشهد الكثير من النزاعات والمجابهات الداخلية لم تعد تمثل رهاناً استراتيجياً لاحد، ولا تبدي المجموعة الدولية أية ارادة سياسية في التدخل. هكذا تتميز المساهمات التي تطرقت بصيغة ما للقارة الافريقية وللنزاعات التي تهددها بكثير من «التشاؤم» حيال المستقبل، اذ كان بالامكان مثلا تجنب المجازر التي شهدتها رواندا وذهب ضحيتها ما يقارب المليون شخص بواسطة ارسال عدة الاف فقط من الجنود الى المنطقة، ثم هناك مؤشرات كثيرة بان الوضع قد يكون اكثر خطورة في المستقبل وحيث ان الغربيين لا يتدخلون في الوقت الذي يمتلكون فيه وسائل هذا التدخل اليوم فانهم يساهمون في جعل القارة الافريقية السوداء مسرح نزاعات دامية ستكون احد اكبر مواضيع العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة. ضمن هذا الاطار تنامى دور منظمة الامم المتحدة حيث اصبحت عمليات المحافظة على السلام وفرضه خاصة تبدو بمثابة المسوغ «الشرعي» الوحيد للجوء الى الحرب في افق منع تكرار مآس مثل تلك التي شهدتها منطقة البحيرات الكبرى في افريقيا او منطقة البلقان والمستقبل وحده يبيّن اذا كانت الدول وخاصة الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي، ستمتلك الارادة وشعرت كيف تقوّي من منظمة الامم المتحدة كي تجعل منها اداة حقيقية للسلام الدولي. ومن هنا تتردد مقولة ضرورة اصلاح المنظمة الراهنة في عدد من مساهمات هذا الكتاب. ويشكل «التهديد النووي» احد المحاور التي اهتمت بها بعض المساهمات. هكذا يجمع «بيير هسنر»، الاخصائي بالمسائل الاستراتيجية المتعلقة بالعنف والسلام، بين خطرين هما بين مصادر التهديد الاساسية برأيه حيال المستقبل، وهما «الحروب الاهلية» و«الارهاب النووي». على خلفية الاقرار بان خطر حرب عالمية نووية قد تبدد وزال. لكن الاسلحة النووية لم تعد حصرا على القوى الدولية الكبرى. ان «هسنر» يتصور في هذا الاطار امكانية استمرار الخطر الروسي، بل وربما هجوم روسي على دول البلطيق. ويبقى شكل التطور الذي ستشهده كل من روسيا والصين له اهميته الحاسمة بالنسبة لتهديدات المستقبل. كما يوجد سؤال اخر كبير يتعلق بمعرفة اذا كانت الهند والباكستان ستصلان الى اقامة علاقات ثابتة بينهما على قاعدة مفهوم «الردع النووي». وكان تاريخ السلاح النووي قد اثبت بان الخوف من نتائج حرب نووية يكون له اثرا كبيراً في العمل على تجنب وقوعها وعلى قرارات المعنيين بها. ويؤكد المؤرخ «الكسندر ادلر» بان المنطقة الأكثر عرضة للنزاعات في المنظور المستقبلي القريب تتمثل في «شرق اسيا» حيث لم ينشب اي نزاع كبير او حرب خلال ربع القرن الاخير. ويقارن الكاتب بين اسيا عام 2010 كما يراها وبين اوروبا عام 1910 من حيث التقدم على طريق الديمقراطية وما يترتب عليها من هز للبنى السياسية السابقة. وتسود في المنطقة المدروسة قوتين اقليميتين «عظميين» هما الصين واليابان اللتين ستصبحان قريباً في مصاف القوى العظمى العالمية. لكنهما تتنافسان فيما بينهما وقد نقلتا ساحة تنافسهما نحو منطقة جديدة هي المحيط الهندي. وترغب اليابان في ان تتحول الهند الى قوة عسكرية ونووية كبرى كي توازن وزن الصين في توجهها نحو جنوب شرق اسيا. وتتابع الصين من جهتها دعم الباكستان في مسعاها النووي خاصة. ويحدد «الكسندر ادلر» ثلاث مناطق اخرى في العالم تبدو النزاعات فيها مؤكدة على المدى القريب. وتتمثل هذه المناطق في «منطقة عواصف» على بوابات الولايات المتحدة وتشمل العديد من بلدان امريكا الجنوبية وخاصة كولومبيا وكوبا وهاييتي والبيرو وبوليفيا. المنطقة الثانية هي الشرق الاوسط الذي «لايزال منطقة كل المخاطر». والقارة الافريقية السوداء هي منطقة صراعات عديدة خلال السنوات المقبلة. ويحدد «فرانسوا فويال» مؤلف عشرات الكتب ذات الطبيعة الاستراتيجية، عن «الشروخ» التي ترتسم في الافق وتتمايز على اساسها ثلاثة «نماذج» من الحروب «الممكنة» هي «الحروب الوطنية» القائمة على اساس مفهوم الهوية، و«الحروب التي تستهدف السيطرة على المواد الاولية» واخيراً «المواجهات على اساس بلوغ مزيد من القوة». «الحروب التي تهدد العالم» كتاب يتحدث فيه اهم الباحثين الاستراتيجيين الفرنسيين عن الحروب «ما بعد الكلاسيكية». والتي تتراوح من الانفجارات على قاعدة الحقد الاثني او العقائدي وحتى امكانية اختراع اسلحة مجهولة حتى الان فالاسلحة النووية كانت مجهولة في عام 1900 ـ ومروراً باشكال اخرى من العنف ليس الارهاب اقلها خطراً. «المستقبل مصنوع من الضرورة والصدفة والارادة»، هذه هي الجملة التي اختارها واضعو هذا الكتاب كي تتصدر مساهماتهم