بيان الكت: اندريه ميكل مؤلف فرنسي شغل منصب مدير الكوليج دوفرانس ارقى مؤسسة علمية في فرنسا، يضع في هذا الكتاب رؤيته للعالم الاسلامي خلال العصور الوسطى وهي رؤية منصفة بشكل موضوعي قام اندريه ميكل، مؤلف هذا الكتاب، بتدريس اللغة والادب العربيين في «الكوليج دوفرانس» التي تعتبر ارقى مؤسسة علمية في فرنسا، رغم انها لا تمنح اية شهادة ولكنها تنظم برامج في جميع الاختصاصات يتولى القاء الدروس فيها اهم الاختصاصيين الفرنسيين كل في ميدان اهتمامه.. وقد شغل اندريه ميكل منصب مدير ادارتها لعدة سنوات بعد ان كان مديراً لـ «المكتبة الوطنية الفرنسية». واندريه ميكل هو مؤلف عدة كتب عن العالم الاسلامي كما قام بترجمة العديد من النصوص الكلاسيكية العربية الى اللغة الفرنسية مثل المجنون اي اشعار قيس بن الملوح بابنة عمه ليلى (الكتاب عرف خلال عام 1998 طبعته الثالثة) وسبع حكايات من الف ليلة وليلة، ومن صحراء الجزيرة العربية الى حدائق اسبانيا، ويتضمن هذا الكتاب مقتطفات من الشعر العربي واخر انتاج للمؤلف قبل هذا الكتاب، كان عن حياة واعمال ابي العتاهية .. الخ. يكرس اندريه ميكل هذا الكتاب لاحدى الفترات المهمة والحاسمة في تاريخ العالم الاسلامي خلال العصور الوسطى، وحيث كان الشرق المسلم وامتداداته حتى الاندلس المركز الرئيسي لأكثر المعارف والعلوم تقدماً. وتشكل اعمال الجغرافيين العرب المادة الاولى التي يعتمد عليها مؤلف هذا الكتاب، وخاصة ما قدمه المسعودي الذي اهتم كثيراً برسم خرائط البحار والمحيطات التي تحيط بالارض كعقد والتي تصب فيها جميع البحار المفتوحة. هؤلاء الجغرافيون تعرضوا بصورة او بأخرى لمسألة تحديد تخوم العالم الاسلامي آنذاك، وايضاً من خلال عنصرين اساسيين يشترك بهما مع بقية انحاء المعمورة وهما البحر والجبل. ولكن ايضاً عبر الخصوصيات التي كان يتمايز فيها، او على الاقل يتباين، عن بقية العالم باستثناء الصين وحيث كانت المدن هي في طليعة هذه الخصوصيات. ويدرس اندريه ميكل في هذا الكتاب ايضاً علاقة الشرق عام 1000 مع العالم الخارجي الذي كان يتمثل اساساً في الشرق الاقصى وبيزنطة وروما السمة الاولى لهذا العالم الخارجي، من منظور الشرق المسلم عام 1000 هي انه كان عالماً مجهولاً الى درجة كبيرة وفيه الكثير من سحر البعيد، ذلك ربما مع بعض الاستثناء بالنسبة لبيزنطة التي كانت في الجوار المباشر وكانت العلاقات معها قائمة على اساس نظرة مزدوجة تتراوح بين العداء والاعجاب. ينطلق المؤلف في تحليلاته من التأكيد على عمق المنعطف الذي شكله وصول الخلفاء العباسيين الى السلطة ونقلهم عاصمة المملكة الى بغداد من دمشق عاصمة الامويين. كان الارث الذي تلقاه العباسيون عظيماً ويتجلى اولاً بوجود مملكة مترامية الاطراف تمتد من اسبانيا والمغرب حتى اسيا الوسطى. وكانت مملكة مزدهرة بطرقها ومدنها وتجارتها في مواجهة عالم اوروبي كان متخلفاً بدرجات كبيرة بالقياس اليها. تلك التجارة كانت تتسم بنفس الوقت بأنها داخلية ولكن ايضاً عالمية بحيث كانت اللغة العربية هي لغة التعامل الاولى في حوض البحر الابيض المتوسط وكانت لغة الثقافة ذات الامتياز اضف الى هذا واقع ان بلاد الاسلام كانت بحكم موقعها الجغرافي هي المسئولة الاولى عن تنظيم العلاقات التجارية التي كانت القوافل هي اداتها الرئيسية الى جانب النقل البحري بين اوروبا والشرق وحيث الهند والصين، لكن بلاد الاسلام لم تكن في فترة عام 1000 مجرد منطقة عبور للبضائع والمنتجات بين اوروبا وبلاد الهند والصين وانما كانت ايضاً منطقة لـ «الاستهلاك» ايضاً، وهكذا اصبحت المملكة بنفس الوقت مستهلكاً وممراً لثروات هائلة تقدر قيمتها بمادة اولية كانت تمتلك منها كميات كبيرة وهي الذهب. ويحلل اندريه ميكل ضمن هذا السياق الذي لعبته السلطة المباشرة او الممنوحة بالتفويض وللملك في تشجيع مهنة التاجر. لكن ليس بمعنى البائع الصغير في مخزن الحي او المدينة، وانما التاجر الكبير الذي يمارس مبادلاته مع الاراضي البعيدة، مع الخارج، وحيث تمثل صورة السندباد البحري، نموذجاً له دلالته في هذا الاطار. والى جانبه تشجيع دور التاجر كان هناك دور العالم الذي برزت اهميته في جميع الميادين وخاصة الفقه والتشريع الاسلاميين ولتاريخ بدايات الدعوة الاسلامية. واخيراً ازدهر ايضاً دور الكاتب الذي كان في البداية يعني حصراً ذلك الذي يعمل لصالح مؤسسة الحكم وانما الذي امتدت دلالات وظيفته لتعني الكاتب بالمعنى الابداعي السائد اليوم. وضمن هذا السياق ايضاً يفتح المؤلف قوسين للحديث عن شخصية كان لها الدور الكبير بل والاساسي، في مجتمع الحقبة المدروسة رغم انها لم تكن ذات وظيفة مبرمجة في آليات عمل الدولة ويقصد فيها اندريه ميكل الشاعر الذي كان الوحيد آنذاك الذي يستطيع الحديث عن ذاته ويقول انا من اجل المتعة او الحاجة لقول ذلك وليس اتباعاً للقاعدة المطبقة على النثر ـ اي على الكاتب ـ باعتباره شاهداً على حقيقة او على وضع او على فكرة او على التاريخ. واخيراً هناك شخصية اخرى برزت في مجال الفعل الاجتماعي دون ان تمتلك اية سلطة سياسية مباشرة او سلطة اقتصادية وكان لها دورها في مجتمع الشرق عام 1000 وهي شخصية الاديب الذي كان يجيد العمل والقول ويتمتع بمعارف واسعة . وقد كان التراث المعرفي للشرق كبيراً وثرياً من خلال اثار حضارات قديمة مثل الحضارة الفرعونية في مصر وحضارات بلاد ما بين النهرين وفارس وايضاً وخاصة اليونانية القديمة التي تم الحرص على ترجمة معارفها العلمية والفلسفية الى اللغة العربية وحيث كانت حركة الترجمة اجمالاً قد نشطت كثيراً في عهد عدد من الخلفاء العباسيين. وبكل الحالات يرى ميكل في المحصلة بأن الادب كان يعمل كجواز سفر اجتماعي حقيقي. ضمن هذه البوتقة الثقافية والاجتماعية تطورت العلوم الجغرافية العربية على منحيين. الاول هو وصف الارض على طريقة الجغرافيين القدماء وعلى رأسهم بطليموس والثاني توفير معطيات منهم مصلحة المملكة ومقرها بغداد ومن طرق مواصلات وتحديد خطوط سير اكثر ملاءمة ويسراً في تأليف التواصل مع بقية مناطق العالم ودراسة اوضاع الحدود.. الخ. وبكل الحالات في منعطف القرن العاشر، اعطيت الاولوية في الدراسات الجغرافية للملاحظة الشخصية والتدوين المباشر لما يقدمه الواقع من معطيات بحيث ان الجغرافي اصبح رحالة. ويحدد اندريه ميكل طريقتين اساسيتين للتعامل مع النصوص الجغرافية التي تركها الجغرافيون العرب والمسلمون حول العصر الوسيط، الطريقة الاولى هي التي يتبعها المؤرخ عادة وحيث يستطيع ان يجد في تلك النصوص معيناً كبيراً من المعلومات على الحضارة العربية ـ الاسلامية لتلك الفترة. والطريقة الثانية هي تلك التي من ورائها صاحبها ـ كما فعل مؤلف هذا الكتاب نفسه ـ التعرف على النظرة التي كان اولئك الذين عاشوا في تلك الحقبة يرون العالم بها، واولئك الذين يقصدهم ميكل هم الادباء والمفكرون الكبار الذين تتناقل اعمالهم الاجيال، جيلاً بعد جيل، ولايزالون بمثابة نقاط بارزة في تاريخ المسيرة المعرفية الشاملة للحضارة العربية الاسلامية. وكان الجغرافيون الذين تشكل اعمالهم موضع الاهتمام الرئيسي لمؤلف هذا الكتاب، يمثلون انفسهم نموذجاً للانسان المثقف المعتدل في العقيدة كما السياسة، والذي يحتل على الصعيد الاجتماعي موقعاً وسيطاً بين عامة الشعب والنخبة بالنسب او بالمرتبة او بالثقافة او بالمال. ان مؤلف هذا الكتاب يتعرض لدراسة مفاهيم الحدود على الصعيدين الداخلي ـ داخل حدود رقعة المملكة الخلافة الاسلامية هي وجود نوع من الغياب الكبير لمفهوم الحدود بالمعنى السياسي المستخدم اليوم في النصوص الجغرافية الاسلامية لتلك الفترة التي درسها وحيث يتم استخدام تعابير التخوم او الاطراف الشرقية والاطراف الغربية لديار الاسلام. او الثغور اما على الصعيد الداخلي البحت فإن الحدود الفعلية الوحيدة هي تلك التي اوجدتها الطبيعة مثل الصحاري والبحار والانهار الكبرى والجبال. كتاب عن العالم الاسلامي «الشرق عام 1000» ورؤيته لذاته.. وعلاقاته مع العالم الخارجي، وخاصة مع الهند والصين وبيزنطة وروما حيث كانت اوروبا الغربية عالماً متخلفاً ومتشظياً بينما كان مركز الخلافة في بغداد رمزاً للقوة والمعرفة.. والفوز.