بيان الكت: روجيه فورو، احد المشرفين على انجاز هذا الكتاب الضخم بعدد صفحاته الذي يتجاوز ثمانمئة صفحة، هو رئيس المجلس الأعلى للاندماج الاجتماعي في فرنسا. وكان مديراً عاما للمدرسة الوطنية الفرنسية للادارة ورئيساً ومديراً عاما لشركة «سان جوبان»، احد اكبر الشركات الفرنسية.. وكان وزيرا سابقاً للصناعة وللتجارة الخارجية. وهو مؤلف كتاب «دول الخدمات». وبرنار سبيتز هو استاذ محاضر في الاقتصاد الاعلامي في مدرسة العلوم السياسية واستاذ الاقتصاد «الرقمي» في جامعة السوربون. وقد عمل مستشاراً في السابق لميشيل روكار، احد رؤساء وزراء فرنسا في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران. وهو ايضا صاحب كتاب «الاخلاق في الدرجة صفر». هذا كتاب عن مفهوم «الدولة». الدولة بشكل عام والدولة في فرنسا بشكل خاص. وربما للمرة الاولى يقوم عدد من الباحثين، كل في ميدان اختصاصه، بنوع من «التحقيق» حول آليات عمل مختلف قطاعات الدولة في فرنسا ابتداءً من حالة الاستياء التي تعم لدى «موظفي» الحكومة وحتى هشاشة الديمقراطية في بلد مثل فرنسا، ومروراً بمسائل التربية وغياب الحوار الاجتماعي الحقيقي واخطار «التهميش» التي تعاني منها شرائح واسعة.. الخ. السؤال الجوهري الذي يطرحه المساهمون في هذا الكتاب هو: اين تذهب الدولة في مطلع قرن جديد يشهد تبدلات جوهرية عميقة في شتى الميادين؟ ان مؤسسات الاقتصاد «تتحرك» والمجتمع «يتحرك»، لكن الدولة يبدو انها لاتزال «معطّلة» «ولا تتحرك». هكذا تبدو الرسالة الاساسية في هذا الكتاب. وهذا ما يقوله فريق البحث المشارك في اعداد هذا الكتاب والذي يضم باحثين من مشارب سياسية مختلفة وتجارب مختلفة واجيال مختلفة. انهم جميعاً يعلنون «غضبهم» حيال حالة «العطالة» التي تشهدها دولتهم ويقترحون بالوقت نفسه «الحلول» التي يرونها مناسبة للخروج منها. انها حالة تتسم بدرجة كبيرة من الجمود وصفها بعضهم بـ «الديناصور» ووصفها اخرون بـ «الماموت»، وهو احد انواع الفيلة المنقرضة. ويذهب بعض المساهمين في هذا الكتاب الى الذهاب أبعد من مجرد «التوصيف» الى القول بأن هناك اخطاراً حقيقية تواجه قدرات الدول في ممارسة دورها التقليدي ذلك ان العولمة فرضت سياقاً جديداً يؤكد على حرية التبادل والاستثمار بعيداً عن سياسة الضرائب التي تثقل بها الدول على اقتصاد السوق، وحيث اصبح المستثمرون «المحتملون» لا يحبذون المبالغة في فرض الرسوم ويعارضون الادارة السيئة للاموال العامة. ان مثل هذه الافكار ليست جديدة تماماً بالتأكيد ولكنها كانت مألوفة سابقاً من افواه منظّري الليبرالية. لكن الجديد في هذا الكتاب ملاحظة ان الباحثين السبعة والعشرين هم جميعاً، ماعدا بعض الاستثناءات الطفيفة من العاملين في الدولة سابقاً، ومن بينهم «17» باحثاً تخرّجوا من المدرسة الوطنية العليا للادارة التي اعطت لفرنسا اغلبية مسئولي الدولة بما فيهم حالياً الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الحكومة ليونيل جوسبان. ومن الملاحظ ايضا ان اغلبية الباحثين الذين ساهموا في هذا الكتاب هم من «المعسكر اليساري» مثل بيير جوكس، وزير الداخلية الفرنسي السابق ورئيس محكمة الحسابات، ونيكول فوتا، الامينة العامة لنقابة العمال القريبة من الحزب الاشتراكي، وغيرهما. ان جميع هؤلاء يوجهون نقدهم العنيف للدولة التي ترفض القيام باصلاحات قد تكون بمثابة الخط الاخير بالنسبة لها كي تتأقلم مع متغيرات العصر. انها مصرّة على التشبث بمواقعها «التقليدية» بينما ان المجتمع يتطور من جهة بخطوات سريعة، انه منطق «العصر» الذي يفرض الحركة نحو «الاصلاح» بعد ان نأى شبح «الثورات». لذلك لابد من التخلي عن الكثير من المقولات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتمي الى نمط التفكير التقليدي الذي ساد لعقود طويلة من الزمن. ان مثل هذا التشبث يجعل الدولة بعيدة عن اثارة الاهتمام لدى رعاياها الذين يميلون اكثر فأكثر الى اتخاذ موقع «المراقب» وذلك بعد ان كان بناء هذه الدولة هو ثمرة مسيرة تاريخية طويلة كانت مأساوية في بعض محطاتها ومراحلها. ان سبعة وعشرين مساهمة في دراسات هذا الكتاب وحوالي ثمانمئة صفحة يحتويها تؤدي الى «رسالة» جوهرية عن مفهوم «الدولة» في عصر العولمة وسيادة اقتصاد السوق. هذه الرسالة تقول ما يمكن التعبير عنه بالجملة التالية «ان الكثير من الدولة يؤدي الى قتل الدولة»