بيان الكتب: يعمل مؤلف هذا الكتاب «ماتيو فراي جاكوبسون» استاذاً مساعداً للدراسات الأمريكية في جامعة «يال» سبق له وقدّم عدة مؤلفات عالج فيها بشكل خاص قضايا الهجرة والمهاجرين في النسيج الاجتماعي الأمريكي مثل «شهادات مختلفة الالوان» و«احزان خاصة». يعالج المؤلف في هذا الكتاب «الفضائل البربرية» تطور مفهوم المهاجرين «القادمين من الخارج» ودور هؤلاء في الحياة الأمريكية وهل هم «مصدر ثروة» كما اعتبرهم البعض، ام انهم «وزن اضافي» كان على المجتمع الأمريكي «الاصلي» تحمل اعبائه؟ كذلك يدرس خلفيات الاعتبارات التي حكمت نظرة الأمريكيين إلى المهاجرين على أساس مصادرهم الاثنية والثقافية الاصلية. الفترة التي يدرسها هذا الكتاب تغطي سنوات 1876 ـ 1917. ولماذا عام 1876؟. انه العام الذي اقيم فيه معرض فيلادلفيا بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية. اقامة هذا المعرض كانت في الواقع تجسيداً لفكرة انشاء سوق دولي لعرض المنتوجات الأمريكية. اما عام 1917 فدلالته اكثر وضوحاً من حيث ارتباطه بالحرب العالمية الأولى. وتتم دراسة هذه الفترة أيضاً من خلال «الأسواق»، أسواق التصدير وأسواق العمل، و«التصورات» الخاصة بمفاهيم التقدم والتنمية و«السياسات» التي كان المهاجرون والهجرة موضوعها. استمر معرض فيلادلفيا مدة مئة وتسعة وخمسين يوماً فاق عدد الذين زاروه خلالها العشرين مليون فرد. جاءت اقامة المعرض أيضاً في سياق ازدهار اقتصادي كبير اعقب فترة من الكساد. ترافق الازدهار مع تنامي الاحساس بالخوف من وجود فائض لا يمكن للأسواق المحلية ان تستوعبه ولذلك بدأ التوجه نحو إمكانيته تصريف المنتوجات الأمريكية عن طريق الأسواق الخارجية. بهذا المعنى كان تعرض فيلادلفيا بمثابة الخطوة الأولى لمسيرة تصدير السلع نحو العالم الخارجي والتعرف عليها بشكل أفضل. وبل وكان البعض يعتقدون بان التوجه نحو التصدير إلى الخارج وخاصة باتجاه الأسواق الآسيوية الواسعة قد يشكل أفضل مخرج من حالة الكساد الاقتصادي. كان التوجه نحو الأسواق الخارجية في اواخر القرن الثامن عشر تعبيراً عن الرغبة في ايجاد امبراطورية من المستهلكين الذين يصبح شراء السلع المعروضة عليهم نوعاً من الواجب المفروض في ظل قيم السوق. وتجدر الاشارة إلى ان احد آباء الرأسمالية «آدم سميث» كان قد حذّر من مثل ذلك التوجه. وفي سياق استعراض مفاهيم الأسواق وحركة التصدير يتحدث المؤلف عن اتجاهات رأي مؤيدوها بان فتح الأسواق الخارجية يتطلب تحسين الظروف المعيشية لسكان بلدان تلك الأسواق. لكن ترجمة عملية «التحسين» تلك عنت أيضاً القيام بعمليات تبشيرية بنفس الوقت الذي يتم فيه تصدير السلع الأمريكية. ومن هنا برزت منافسات قوية بين دعاة هذه التيارات وبين التوجه الاستعماري الأوروبي وخاصة على صعيد القارة الافريقية السوداء. وقد ادت المنافسة مع الاستعمار الأوروبي إلى جعل التغلغل الأمريكي في افريقيا متعثراً مما ادى في نهاية المطاف إلى توقف حماس الأمريكيين لافريقيا وتحول انظارهم نحو الصين وامريكا اللاتينية. ووصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بمد دائرة العمل بما يعرف بمبدأ مونرو» الذي يقول بمعارضة تدخل الأوروبيين بشئون أمريكا الجنوبية بحيث يطال ذلك المبدأ الصيني. مثلت المنسوجات عماد الصادرات الأمريكية للصين آنذاك لكن قوى كبرى اخرى وضعت اقدامها في الأسواق الصينية مثل روسيا واليابان وبريطانيا وفرنسا، وكانت روسيا واليابان تمتلكان ورقة رابحة اساسية تتمثل في القرب الجغرافي من الصين مما يجعلهما في موقع تنافسي قوي بالنسبة للمنتجات الأمريكية. وظهر أيضاً في الافق خطر جديد هو النزعة العدائية الصينية للاجانب.. وفي المحصلة تقلصت العلاقات الأمريكية مع الصين ولم تستطع المنتوجات الأمريكية اختراق الأسواق الصينية كما كان يسعى الأمريكيون. أما بالنسبة لأمريكا اللاتينية فقد كان الوضع مختلفاً حيث كان الامريكيون يعتبرون دول امريكا اللاتينية بمثابة امتداد طبيعي لاراضي الولايات المتحدة. لكن تلك الدول كانت ترى من ناحيتها، في الولايات المتحدة قوة استعمارية بالدرجة الأولى وحيث كانت واشنطن قد وضعت مثلاً حلاً لنزاع حدودي مع فنزويلا دون الرجوع اصلاً إلى حكومتها. كما ان الكونجرس الأمريكي اعطى لنفسه الحق بالتدخل في كوبا من اصل «حماية حياة الناس والحرية والملكية» ولم تتردد ايضاً المحكمة العليا الأمريكية في الاعلان بان «بورتوريكو» جزء من الولايات المتحدة الامريكية ولكن دون ان يكون لمواطنيها حق الحصول على الجنسية الأمريكية. ان المؤلف يقدم في هذا السياق عدداً من الاحصائيات ذات الدلالة على مدى اعتماد دول امريكا اللاتينية المعروفة باسم «جمهوريات الموز» على الولايات المتحدة وعلى منتجاتها. ففي عام 1901 على سبيل المثال تم تصدير سلع للصين قيمتها 10 ملايين دولار في حين ان جزيرة كوبا الصغيرة استوردت سلعاً أمريكية بلغت قيمتها 26 مليون دولار. كان فتح الأسواق العالمية يشكل احد الأهداف الأمريكية من اجل تصريف السلع المنتجة. ولكن لم يكن ذلك الهدف سوى احد وجوه «خطة» متكاملة تمثل وجهاً آخر لها بامكانية تحويل الايدي العاملة الرخيصة في العالم إلى مواطنين أمريكيين، كأحد السياسات التي كان أصحاب الفعالية الاقتصادية ورجال الصناعة يؤيدونها بغض النظر عن اعتراض جانب من المجتمع الأمريكي. وهكذا تدفقت افواج من المهاجرين ذوي الاصول الأوروبية والآسيوية والافريقية، حيث تدل الاحصائيات ايضاً على ان 26 مليون مهاجر دخلوا اراضي الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الواقعة بين 1870 و1920. لكن تعاظم ظاهرة الهجرة خلق انقساماً بين تيارين عريضين في الولايات المتحدة الأمريكية واعتبر اولهما بان المهاجرين يمثلون احد الاضلاع الثلاثة لمصادر الثروة الأمريكية، إلى جانب الخالق ـ عز وجل ـ والحكومة. اما التيار الآخر فقد طالب باغلاق ابواب الهجرة وحيث بلغت هذه المطالبة ذروتها في عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر بسبب حالة الكساد الاقتصادي التي سادت آنذاك. لكن هذا لم يمنع في الواقع تدفق المهاجرين على أمريكا بمعدل مرتفع حتى نشوب الحرب العالمية الأولى. ان الوجود المكثف للمهاجرين طرح اسئلة عديدة تتعلق بـ «المدنية» و«البربرية» حيث كان المهاجرون الجدد يجهلون ابسط مباديء الحياة الحديثة ومدنيتها على الطريقة الأمريكية هكذا ارتفعت أصوات طالبت صراحة بعدم السماح للصينيين واليابانيين والآسيويين عموماً إلى الولايات المتحدة. وبدت صورة المهاجرين في أمريكا، وأيضاً في أوروبا، وكأنها بمثابة مرادف للتوحش والامية والفوضوية. هذه الافكار كلها وجدت انعكاساتها على قوانين التجنس وحق المهاجرين في المشاركة بالانتخابات، وخاصة البلدية منها، في مناطق اقامتهم. وضمن نفس السياق وصل الأمر ببعض المفكرين إلى اعتبار ان مفهوم الحرية خاص بالجنس الابيض حصراً، وليس الاصفر أو الأسود. لكن ورغم هذا كله، رجحت الكفة لمصلحة، رجال الاعمال وحاجتهم لليد العاملة الرخيصة، في مواجهة «المحافظين» الذين كانوا يستشعرون «الخطر القادم» بسبب تزايد اعداد المهاجرين «غير المتمدنين والذين يمكن بالتالي ان يشكلوا تهديداً على كيان الولايات المتحدة». لقد كان الأمريكيون وحتى منتصف القرن التاسع عشر يعتبرون أنفسهم بمثابة «منقذي البشرية والمدافعين عن حقوق الشعوب المضطهدة في العالم» لكن هذا لم يمنع حقيقة ان القوانين التي صدرت في عامي 1917 و1924 تؤكد انهم رأوا الخطر على بلادهم متمثلاً حصراً في فتح ابوابها للهجرة. ويمكن القول بان الامريكيين قد اخفقوا بشكل واضح وجلي في مجال الهجرة والاستعمار. انهم قد اعطوا المهاجر الاوروبي ملامح شخصية ايجابية وصورة جميلة مقارنة بالصورة السلبية السيئة التي يتم رسمها اليوم للمهاجر القادم من امريكا اللاتينية أو آسيا او مهاجر الأمس، أي خلال القرن التاسع عشر في سياق تحليلات هذا الكتاب، الايرلندي أو الايطالي، ولكن «وبكل الحالات» لم يكن المهاجرون ذوو «السمعة السيئة» يهددون الدولة. كما كان يحذر المحافظون، بل كان هؤلاء المهاجرون هم الذين يعانون من الصورة المشوهة التي رسمها لهم اولئك المحافظون. اما سياسة التوسع ذي الطابع الاستعماري فيرى مؤلف هذا الكتاب بانه لا يمكن اغفال حقيقة ان حقبة 1876 ـ 1917 هي التي شهدت الكثير من عمليات التدخل عبر الباسيفيكي في هاواي والفلبين وغيرهما، وكذلك التدخل في منطقة حوض الكاريبي «كوبا وبورتوريكو». اضف إلى هذا مختلف عمليات التدخل في أمريكا اللاتينية وخاصة خلال سنوات 1900 ـ 1910 حيث تم الاستيلاء على «باناما» و«شراء» لويزيانا والحرب المكسيكية وضم تكساس وكاليفورنيا والاسكا وغيرها باختصار يمكن القول ان الفترة التي يغطيها هذا الكتاب هي الأساس الذي تقوم عليه السياسة الأمريكية اليوم والتي تعود جذورها إلى تلك الفترة الممتدة من 1876 وحتى