بيان الكتب: يفترض النقاد وجود علاقة وثيقة بين الروائي الياباني هاروكي مورا كامي وبين ابطاله الذين يعيشون حالة من الاغتراب الشديد. ومن جانبه فانه يشير الى ذلك بجرأة من دون ان يخفي شيئاً من شعوره بهذا الاغتراب حتى بين غيره من الكتاب اليابانيين الاخرين. ويقول مورا كامي ان اعادة التفكير في هذا كانت قد بدأت لديه اثناء اقامته خارج اليابان ، في الولايات المتحدة الامريكية لكتابة رواية «حكاية الطائر الرهيب»وحول هذا العمل وعالمه الروائي نقتطف هذا الحوار الذي اجرته لورا ميلر المحررة الثقافية لدى شبكة «صالون بوكس» في نيويورك حيث نشر هذا الحوار على شبكة الانترنت بعنوان «الغريب»، وهنا نصه: ـميلر: كيف بدأت لديك فكرة رواية الطائر الرهيب؟ ـ مورا كامي: عندما بدأت بكتابة هذه الرواية كانت الفكرة بسيطة جداً، كانت مجرد صورة، وليست فكرة بالمعنى الحقيقي. وكانت تتلخص في قصة رجل يقوم بتحضير وجبة من المعكرونة وبينما هو كذلك يرن جرس الهاتف... هذا كل ما في الحكاية. لقد كانت بسيطة للغاية، وعلى الرغم من ذلك فقد كنت اشعر بأن شيئاً كان يحدث. ـميلر: هل تتفاجأ دائماً لما يحدث في روايتك تماماً كما لو انك كنت تقرأها تقريباً أم انك تعرف مقدماً ما سيحدث في الخطوة التالية؟ ـ مورا كامي: لا ادري، كنت استمتع بالكتابة فقط لانك لا تعرفين ما سيحدث فيما بعد. انت لا تعرفين ما الذي ستكشفينه في تلك المرحلة. وهذه قمة الاثارة بالنسبة لك وانت تقرأين اي كتاب خاصة اذ كنت طفلة صغيرة. ان الشيء ذاته يحدث لي عندما اكتب. الكتابة متعة حقيقية. ـ ميلر: انك تعالج موضوعات جديدة في هذا العمل. وهناك مثلاً احدى الشخصيات التي تروي تجربة مرعبة فعلاً يعود تاريخها الى الحرب العالمية الثانية. لماذا قررت ان تكتب عن هذا الموضوع؟ ـ مورا كامي: حاولت كثيراً ان اكتب عن الحرب ولكن ذلك لم يكن امراً سهلاً بالنسبة لي. وانت تعرفين ان لكل كاتب تقنيته الخاصة في الكتابة، اعني ما الذي يستطيع ان يقوم اولا يقوم به للكتابة عن اشياء كالحرب او التاريخ مثلاً. ومع انني لست جيداً في الكتابة عن هذه الاشياء، الا انني احاول لانني اشعر بان من الضروري ان يكتب شيء من هذا القبيل. واتصور ان في ذهني ادراجاً كثيرة مليئة بمئات من هذه الموضوعات آخذ منها الصور والذكريات. ودرج الحرب هو درج كبير بلا شك، كنت اشعر دائماً بأنني سأستفيد منه، سأسحب منه شيئاً، واكتب عنه، ولا ادري لماذا، ربما لانها قصة والدي، فهو ينتمي الى الجيل الذي شارك في الحرب العالمية الثانية في الاربعينيات. وعندما كنت صغيراً كان يروي لي قصصاً عن الحرب ورغم انها لم تكن كثيرة الا انها كانت تعني لي الكثير وكنت اريد ان اعرف ما الذي حدث في ذلك الوقت لجيل والدي، ان ذاكرة الحرب هي بمثابة الميراث بالنسبة لنا. ولكن ما كتبته في هذه الرواية على الرغم من ذلك هو شيء من الخيال من البداية الى النهاية. ـ ميلر: هل قمت بالبحث الكافي في هذا المجال؟ ـ مورا كامي: قمت بالقليل من البحث، كنت في برنستون بالولايات المتحدة الامريكية في ذلك الوقت الذي كتبت فيه الرواية، وكانت هناك مكتبة ضخمة كنت اذهب اليها في كل يوم، حيث كنت اقرأ في الغالب كتب التاريخ. وفي هذه المكتبة كانت تتوفر مجموعة جيدة من الكتب التي تهتم بمناقشة ما حدث على الحدود المنغولية والمنشورية وهذه الحقائق كانت في غالبيتها جديدة بالنسبة لي كما اصابتني الصدمة في الواقع عندما اكتشفت ان الكثير مما نعرفه من حقائق كان منافياً للعقل او كان اكثر وحشية ودموية، والغريب انني توجهت بعد انهائي من كتابة الرواية الى منغوليا ومنشوريا، وهو ما يبدو متناقضاً مع ما يفعله الكتاب في العادة فغالبيتهم يشاهدون الاماكن التي يريدون ان يكتبوا عنها في البداية ثم يكتبون بعد ذلك. اعتقد ان الخيال كان هو مصدر القوة الاول بالنسبة لي ولذلك لم افكر في خسارته. ـ ميلر: على الرغم من كل شيء فان كتاب رواية «حكاية الطائر الرهيب» هو عمل اكثر يابانية. لان ابطال بعض اعمالك الروائية الاخرى يبدون للقاريء «الغربي» كما لو انهم غربيون.؟ ـ مورا كامي: حقاً؟ ـ ميلر: اجل، ربما لان ابطالها يبدون مغرمين الى حد كبير بالثقافة الغربية، وعندما تقرأ العمل لا تشعر بان احداثه تقع في اليابان... وهذا هو انطباع احد القراء الغربيين. لكن هذه الرواية تسلط الاضواء على اليابان بشكل اكبر. لماذا قررت ان تعمل هذا؟ ـ مورا كامي: هذا لانني كنت اعيش في امريكا! وهذا هو السبب الذي جعلني افكر في بلدي وفي ابناء وطني بعين فاحصة. عندما كنت اكتب وانا في اليابان كنت اريد ان اهرب فقط. وما ان وجدت نفسي خارج بلدي حتى بدأت اتساءل من اكون؟ ومن اكون انا ككاتب؟ وبما انني اكتب باليابانية فان هذا يعني بالطبع انني كاتب ياباني... فما هي هويتي اذن؟ كنت افكر في ذلك طوال الوقت وانا في امريكا.. واعتقد بان ذلك كان من بين الاسباب التي دفعتني الى الكتابة عن الحرب. وعلى العموم فنحن نعاني من الضياع. لقد كنا نعمل بجد منذ نهاية الحرب تقريباً واصبحنا اغنياء ووصلنا الى مرحلة معينة لكن بعد الوصول اليها صرنا نسأل انفسنا: الى اين نتجه؟ وماذا نفعل؟ انه نوع من الاحساس بالضياع. كما اشعر كذلك بأنه بحث عن مبرر او داعٍ للكتابة يصعب علي تفسير ذلك. ـ ميلر: بالطبع فان سلوك ابطالك لا ينسجم مع اخلاقيات اليابانيين الكادحين الذين تقول بأنه تحولوا الى قوة شديدة الاثر بعد الحرب. فما الذي تجده في ابطال مثل «تورو اوكادو» بطل رواية الطائر الرهيب الذي يترك العمل بمحض ارادته ويمضي معظم وقته جالساً في بيته؟ ـ مورا كامي: لقد عشت حياة مستقلة عن الآخرين منذ تخرجي من الجامعة. ولم انتمي لأي مؤسسة او نظام وليس من السهل على المرء ان يعيش بهذا الشكل في اليابان لانهم يقدرونك في العادة حسب الشركة او النظام الذي تنتمي اليه. وبهذا الشكل كانوا ينظرون الي طوال الوقت على انني غريب لا منتمي ورغم أن هذه حياة صعبة الا انني احب اسلوب الحياة هذا. وفي يومنا هذا تجد الشباب يبحثون عنه ويفضلونه، فهم لا يثقون في اية شركة. وقبل عشر سنوات كان وضع شركات كبرى مثل ميتسوبيشي وغيرها من الشركات العملاقة قوياً جداً ومستقراً لكنه لم يعد كذلك اليوم. ان الشباب لا يثقون بشيء هذه الايام ويريدون ان يعيشوا أحراراً. ومجتمعنا لا يتقبل هذا النوع من التفكير ويعتبرهم دخلاء عليه، لكن اعدادهم تتزايد وانا اتفهم مشاعرهم جيداً. ـ ميلر: ان ابطالك يعيشون وكأنهم الى حد ما كتاباً لانهم يعيشون حياة مستقلة عن الآخرين. هل من الصعب عليك ان تكون كاتباً في اليابان؟ ـ مورا كامي: ليس بتلك الصعوبة كما انني حالة استثنائية. فحتى الكتاب لهم جمعيتهم الادبية. لكنني لست منهم. وهو واحد من الاسباب التي تدفعني الى الهرب من اليابان. هذه ميزة في الواقع فأنا استطيع الذهاب الى اي مكان. ولان حوالي 90% من الكتاب اليابانيين يعيشون في طوكيو فمن الطبيعي ان يسعى هؤلاء الى تأسيس رابطة، والرابطة تعني بطبيعة الحال وجود جماعات وقوانين يتقيدون بها بشكل او بآخر. هذا شيء مضحك بالنسبة لي لانك اذا كنت كاتبة فلابد وان تكوني حرة في عمل اي شيء وفي الذهاب الى اي مكان وهو الاهم بالنسبة لي، وهكذا فمن غير المستغرب الا يرضى عني الآخرون. وعموماً فأنا لا احب النخبة. ـ ملير: وهل للنخبة اعتراضات على ما تكتب؟ ـ مورا كامي: ان كتاب المواد الخفيفة لا يميلون الى الاعمال التي اقوم بكتابتها وكذلك كتاب الاعمال الادبية الجادة. انا وسط بين هؤلاء الكتاب، انني اكتب شيئاً جديداً، ولهذا السبب لم اجد نفسي في اليابان واستمر ذلك لسنوات طويلة الا انني اشعر الان بان الامور تتغير على نحو ملحوظ. لقد اتسعت رقعة عملي خلال الخمسة عشر سنة الاخيرة وزاد عدد من يقرأون لي واصبح لي قرائي الاوفياء. وبالمناسبة فان الكتاب والنقاد ليسوا الى جانبي. ـ ميلر: وهل يغار منك الناس العاديون؟ ـ مورا كامي: لا، انهم لا يغارون مني، لقد تعودوا على قراءة ما اكتب وتعودوا على هذا الروتين الذي يعيشونه. واعتقد بوجود علاقة تشابه بين المثقفين وبين الناس العاديين كما استحضر هذه العلاقة عندما اقرأ مقابلاتي معهم. وبمعنى آخر فأنا «احب» هؤلاء الناس واستمع الى القصص التي يروونها عن طفولتهم وكل واحدة من هذه القصص تبدو ممتعة ومثيرة في حد ذاتها. اعتقد انني بدأت اتغير. ـ ميلر: كيف كان رد فعلهم تجاه رواية «الطائر الرهيب»؟ ـ مورا كامي: لقد وصلتني رسائل كثيرة من القراء عبروا فيها عن تأثرهم الشديد بالعمل، وكان رد فعل غريب حقاً تجاه كتاب من هذا النوع. لقد تعود الناس على العمل بجد وتفان لكن عندما يشفقون على انفسهم بعد قراءة هذا الكتاب فان هذا شيء غريب فعلاً