عمان ـ لقمان اسكندر: شخّص تقرير لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب الأردني بشكل واضح وشامل كل أبعاد مشكلة القطاع الزراعي وسبل معالجتها. وأشار التقرير إلى أن السبب الحقيقي للمأساة هو العجز عن التسويق الخارجي، فبدل أن تتطور عملية التصدير تراجعت وأغلقت الأسواق في وجه منتجاتنا الزراعية وتقلصت أسواق أخرى وأوصي بالتوسع في إنتاج الخضروات في منطقة حوض «الديسي» حيث من المفترض أن مئات آلاف الدونمات التي فوضت لمتنفذين بأجور رمزية سيتم استغلالها لزراعة القمح بما يغطي جزءا من حاجتنا الملحة لهذه المادة الاستراتيجية وهي الحنطة. لكن الأكثرية عمدت إلى زراعة أصناف أخرى ومنها الخضروات في كل المواسم مما ترتب عليه تحقيق فوائد ضخمة لكبار المستثمرين وإلحاق أذى بالغ بالمزارعين العاديين في مناطق المملكة الأخرى، ومن هنا بدأ الخلل. وبالتأكيد فإنه لا أحد يمكن أن يحمل المزارعين المسئولية بشكل جدي وحقيقي، وهذا ما فعله العديد من النواب والمراقبين عندما استنكروا على الحكومة سكوتها حتى سماع صراخ هؤلاء المساكين. ولم يستطع العديد من المواطنين الأردنيين فهم صمت الحكومة حتى أعلن قرب انهيار القطاع الزراعي. ويعلق على ذلك أحد المهندسين الزراعيين بالقول كأن المزارع من الصين، مشيرا إلى أن تراجع أسعار المنتجات الزراعية المستمر خلال الموسم الحالي، خلق حالة من الذعر لدى الكثيرين. وعند سؤاله عن سبب هذا التراجع قال إن ذلك يرجع إلى السياسة الاغراقية التي عمد إليها تجار المنتجات المستوردة في إشارة إلى الاتفاقيات الزراعية مع بعض الدول التي سمحت بادخال العديد من الأصناف المشابهة لمثيلاتها في ذروة الإنتاج المحلي، بالاضافة إلى غياب تطبيق سياسة النمط الزراعي وقلة الأسواق الخارجية لتسويق المنتجات الزراعية إضافة إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي. ودعا مختصون إلى جملة من الحلول أهمها تفعيل النمط الزراعي الملزم لأي مزارع وتنظيم الزراعة في بعض المناطق بالاضافة إلى تحديد مواعيد زراعتها بما لا يتعارض مع مواسم الانتاج الزراعي في منطقة الأغوار. وعلى سبيل المفارقة تزامنت هذه الأزمة مع احتفال الأردن السنوي المعتاد بيوم الشجرة، لقد نظر البعض إلى احتفالات وزرارة الزراعة الأردنية باستغراب، فبينما المزارع والزراعة مهددان بالانقراض في الأردن يقوم البعض بالاحتفال بزرع «اشتال» الشجرة الحرجية وغير الحرجية أمام الكاميرات. حلول ناجعة وحتى تتخلي الحكومة عن مسئوليتها مما يجري من جهة وتطمئن المزارع بأن أحدهم قد هب لنجدته أكد وزير الزراعة زهير زنونة أن الأزمة التي يتعرض لها المزارع في الوقت الراهن ليست وليدة اللحظة وان القطاع الزراعي عانى منذ عقود كثيرة من الأزمات التي نجمت عن طروف بيئية ومناخية واقتصادية عدة، مشيرا إلى أن حل هذه الأزمات مسئولية وطنية تشمل كل مواطن ومسئول إلى جانب وزارة الزراعة. وفي السياق نفسه ثمن «الجهود المتكاتفة من أجل حل الأزمة» وثمن تنسيق الجهود وتكثيفها للوصول إلى حلول ناجعة. الوزير نفسه دعا القطاع الخاص إلى ضرورة أخذ زمام المبادرة والاستمرارية في عمليات الاستثمار الزراعي عن طريق فتح مصانع تعنى بتصنيع المنتجات الزراعية منوها إلى أهمية الاسراع في إنشاء شركة خاصة لتسويق المنتجات الزراعية ومؤكدا استمرارية الحكومة في دعم الشركة الأردنية لتصنيع وتسويق المنتجات الزراعية. وقال إن وزارته جادة في إيجاد الحلول الناجعة ووضع حد لهذه المعاناة في إطار صيغ عملية قابلة للتنفيذ بشكل آني وعلى المدى البعيد. وعلى صعيد مديونية المزارعين كانت الحكومة قد أعدت جداول بالمديونية الزراعية المستحقة وغير المستحقة وحجمها وتم رفعها لرئيس الوزراء لاتخاذ اجراءات حكومية تخص ذلك. من جانبه حذر حسن سعود النابلسي رئيس الاتحاد العام للمزارعين من تراجع المردود الزراعي في الأردن إلى ما دون 3% من الناتج الاجمالي الاقتصادي، مشيرا إلى ضياع الأسواق وتدني الأسعار وتراكم المديونية حتى أصبحت الزراعة «مهنة العذاب». فيما اعتبر مزارعون منطقة وادي الأردن منطقة منكوبة وتستحق المساعدة والاغاثة مناشدين الحكومة مساعدتهم في تأمين حياتهم المعيشية. تعاون مع إيران واستغلت الحكومة الأردنية زيارة الوفد الإيراني الذي قام بزيارة إلى الأردن مؤخرا وتمت مفاتحته بإمكانية التعاون الزراعي بين البلدين الأردن وإيران وبحث الجانبان الأردني برئاسة زهير زنونة وزير الزراعة والإيراني برئاسة محمد شريعة مداري وزير الصناعة والتجارة مجالات التعاون الثنائي في المجالات الزراعية وسبل تطويرها وضرورة تفعيل مذكرة التفاهم في المجال الزراعي الموقعة بين الأردن وإيران في شهر مايو من عام 1998 مؤكدا التزام الأردن بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مشيرا إلى أن الوزارة قامت بإرسال كمية من أشتال الزيتون من الأصناف الجيدة من إنتاج مشاتلها هدية إلى إيران مؤخرا. وعرض الأردن على الإيرانيين خلال اللقاء تصديه لزيت الزيتون الأردني جيد الصنف وكذلك البندورة، وكل ذلك بأسعار معقولة، وإذا ما تحقق ذلك فإن جزءا من طاقة الفرج ستفتح على المزارعين الأردنيين، خصوصا وأن الجانب الإيراني استعد لمتابعة موضوع تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين. وحتى تؤكد الحكومة الأردنية بأنها أفاقت بالفعل على أزمة المزارعين فقد تم تشكيل لجان لدراسة السياسة الزراعية والنمط الزراعي وإنشاء شركة كبرى لتسويق المنتجات الزراعية وذلك في سياق وضع حلول شمولية وعملية للمشكلات التي يواجهها القطاع الزراعي والأخذ بيد المزارع. مشددة على أنها تتوجه في الحل وأمام عينيها صغار المزارعين وهم الشريحة الأكبر والأكثر معاناة من أجل تجذير ارتباطهم بالأرض وتطوير قدراتهم. ولم تكتف الحكومة بذلك بل قامت بزيادة الجمارك على الحمضيات بنسبة 5% حماية للانتاج المحلي من الحمضيات وفتح مصنع العارضة لاستقبال مادة البندورة القادمة من مزارعي الاغوار بالتحديد بسعر 35 دينارا للطن مما يساعد على استعمال فائض الإنتاج، بالاضافة إلى إجراء اتصالات سريعة مع الجانب السوري بهدف تفعيل الرزنامة الزراعية بين البلدين. في الجانب الآخر شاهد معظم الأردنيين على شاشة التلفزيون تلك الفلاحة وهي ترمي صندوقا من البندورة على أرض حقلها احتجاجا على ما وصلت إليه أوضاع المزارعين في غور الأردن من بؤس وفاقة.. انها غاضبة وتؤكد أنها لا تريد البندورة، إلا أن هذه الفلاحة وربما مشاهديها لم يدركوا أن حقيقة الأمر ليست في قرار حكومي سهل الاتخاذ هكذا ببساطة مهما قيل عن الانتاج الزراعي الأردني الفائض، فالمزارع الأردني بات مهددا بالانقراض جراء السياسات الحكومية المتعاقبة المتصلة بقصة العولمة والسوق الحر وفلسفة التجارة الحرة أو الانفتاح التجاري تلك الوصفات الجاهزة المقدمة من المؤسسات الدولية. ولأنهم لم يستطيعوا فعل شيء أمام كل ذلك لم يستطع مزارعو الأغوار التهديد بأي شيء سوى بالتوقف عن قطف محاصيلهم الزراعية وتركها في أرضها وعدم توريدها إلى السوق المركزي في عمان. فقد أدى الانخفاض غير المسبوق في أسعار الخضار والفواكه لدى المزارع الأردنية إلى الحاق أضرار كبيرة بالمزارعين، دفعت بعضهم إلى عدم جني أنواع من المحاصيل خوفا من تحمل المزيد من الخسائر، بالاضافة إلى أنها تكلف في جنيها أعباء مالية وجسمية كبيرة هم يعلمون مسبقا أنها لن تعود إليهم حتى برأس المال. الحلقات المستفيدة أما المشكلة الأشد إيلاما فهي أن الوحيد الذي جرت العادة على تحميله الخسائر المترتبة على انخفاض الأسعار هو هذا المزارع، فالسماسرة والتجار لا يوافقون على تحمل أعباء أي خسارة أو انخفاض، مما يعني أن على المزارعين انتظار تراكم الديون عليهم، بالاضافة إلى فوائدها، دون أن يعود كل ذلك بفائدة حقيقية على المستهلك نفسه فهو وان كان يشعر بأن أسعار بعض المنتجات والمحاصيل قد انخفضت إلا أن هذا الانخفاض لا يكون مناسبا للانخفاض الحقيقي. فالحلقات التي بين المزارع والمستهلك هي المستفيدة الوحيدة من كل ذلك. وليس من جديد القول بأن أهل الثغور وهم القاطنون في غور الأردن المنطقة الحدودية مع إسرائيل، ومعظمهم يعملون في الزراعة، وهم أغلبية العاملين في الزراعة في الأردن يعانون من سوء الوضع الاقتصادي، وفي الوقت نفسه يشعرون بأن الحكومات الأردنية المتعاقبة لا تعيرهم أي اهتمام، ويؤكدون أنهم أيضا يستحقون دعما من نوع خاص، كما هو شأن مزارعي اسرائيل، حيث تعتبر الدولة العبرية المستعمرات الزراعية هناك، مواقع عسكرية، تعامل معاملة تفضيلية كونها حدودية. وليس تراجع الأسعار سوى القشة التي أطاحت بالبعير فهم ومنذ زمن يشكون من ظلم كبار المتنفذين والمستثمرين الذين يستحوذون على العلم والتكنولوجيا والخبرات والمال والتصدير والماء بالاضافة إلى ذلك ما يقوم به المزارعون الاسرائيليون الذي سيأتي حسب قول بعض المراقبين على البقية الباقية من صمود مزارعينا، حيث يقومون باستئجار وحدات من الأرض، ويحل بزراعاته الغريبة وخبرائه وحتى عماله الأجانب، مستحوذا على كل شيء بما في ذلك الأرض والماء. استثمار مسموم ويشير حلمي الاسمى الكاتب والصحفي الأردني خلال تعليقه على هذا الأمر بالقول إن هذا الأسلوب لا يستفيد منه إلا صاحب الوحدات المؤجرة، ولئن استمرت هذه الظاهرة بالتمدد والانتشار. فسيفور الفور أكثر، ويفور معه المرابطون على ثغوره، مؤكدا على أن الاستثمار الذي يأتي به المزارعون الاسرائيليون مسموم ولا فائدة منه اقتصاديا، ومطالبا بتدخل فعال لحماية المزارعين، وحماية الإنتاج الزراعي وتنظيمه وتطويره. وإعادة النظر في السياسة الزراعية بشكل عام وسياسات التسويق بشكل خاص وإعادة النظر في أساليب التسويق المحلية وأساليب وسياسات التصدير للخارج. ويشير الكاتب إلى ضرورة تطبيق مبدأ النمط الزراعي وإقناع المزارعين في الالتزام به، والعمل الحثيث لتكوين أجهزة تسويق تعاونية، تقوم بتجميع الإنتاج من المزرعة، وتحل محل مختلف الحلقات إلى أن يصل الإنتاج لبائع المفرق، بالاضافة إلى فتح أسواق الخضار والفواكه الموازية والتابعة للتسويق التعاوني. وتوسيع قاعدة تصنيع المنتجات الزراعية، وعدم الاكتفاء بصنع رب البندورة والاستفادة من تجارب بعض البلدان العربية كسوريا على وجه التحديد. ويشترك الاسمر في دعوته مع المزارعين اللبنانيين بالدخول في مباحثات مع الدول العربية لتنسيق السياسة الزراعية وتعميق مبدأ التخصص والتكامل في الإنتاج كخطوة ضرورية على طريق التكامل الاقتصادي العربي. وكان عدد من المزارعين قد طالب النواب بتوجيه استفسار للحكومة الأردنية جراء حالات تهريب بعض المنتجات الزراعية ومنها زيت الزيتون من مناطق محاذية لسوريا وبيعها في الأردن بسعر قليل مما سبب خسائر فادحة لقطاع المزارعين، ومما فاقم الأزمة سياسة الاغراق التي اتبعها التجار المستوردون للمحاصيل الزراعية، بالاضافة إلى زيت الزيتون إلى الدرجة التي شهد السوق الأردني أسعارا أقرب إلى الخيال جراء هذه السياسة الاغراقية، مما سبب خسائر فادحة للمزارعين في الوقت الذي لم يستفد فيه المستهلكون جراء وصول الحمضيات إلى المستهلك بأسعار مرتفعة. ومن عدم الانصاف القول بأن مجلس النواب الأردني لم يفعل شيئا حيال ذلك، بل إنه فعل الشيء الكثير ولكن المطلوب منه مواصلة عمله وألا يكون هذا العمل هبة موسمية نتيجة الأزمة الحادة للكارثة التي ضربت موسم الخضار في منطقة الأغوار.