تبدلت الأحوال فتحول أبناء الزمن الصعب والحياة القاسية إلى أهل نعمة ونعيم.. وأصبح الجيل القديم شاهدا على ما كان في ماضيه، وعلى ما يعايشه الآن في حاضره. من هذه العبارة ذات المفهوم الواضح ينطلق ضيفنا ليخاطب عبر حواره معنا جيل الأبناء والأحفاد قائلا: لقد عرفنا شظف العيش وتحملناه، وأدركنا زمن اليسر فحمدنا الله، وعليكم يا أجيال الأيام الهانئة برغدها ورفاهيتها أن تصونوا النعمة ليبقى الخير بأرضنا ويطول مداه. ويصحبنا عبدالرزاق أسد عبدالرحمن العوضي في رحلة العمر التي تمتد ـ وفقا لتقديره ـ إلى أكثر من خمسة وستين عاما تعددت فيها المراحل وتباينت فيها طبيعة الأشياء والظروف وإن ثبتت فيها صلابة المعدن دون أن تفقد ضيفنا قدرته على التكيف مع أوضاع الحياة. يقول العوضي: أمضيت عمري كله هنا في مدينتي «كلباء» التي لم أبرحها قط إلا عند ذهابي للأراضي المقدسة في السنوات الأولى لقيام دولة الاتحاد، أما بقية أيامي فكانت هنا بين أهلي وأقراني ورفاق عمري الذين عشت معهم كل أزماني الماضية والحاضرة، في الأيام الصعبة وفي سنوات الرخاء. من تغير طبعه.. ضل ويضيف: هنا في مزرعتي أرى بدايتي وأيام فتوتي وشبابي وأشعر بالراحة وأنا أعيش مرحلة الشيب وكبر السن دون أن يتغير في طبعي شيء، فالإنسان هو الطبع ومن تغير طبعه ضل وتاه، وجيلنا والحمد لله لايزال متمسكا بأصالته وجذوره الثابتة. ابتدرني قائلا من أين أبدأ حديثي معك وكل الذكريات عزيزة على نفسي لأنها راسخة في ذهني؟! ويحسم الحاج عبدالرزاق أمره، فيبدأ حديثه بالكلام عن مدينته قائلا: أتذكر بسعادة تلك الأيام الجميلة التي اشتهرت فيها «كلباء» بأنها سلة فواكه الإمارات وكانت هذه الشهرة حقيقية وواقعية فالمزارع في مدينتي كانت قائمة في كل مكان وانتاجها من الفواكه كان يذهب إلى كل مكان، في الإمارات إذا لم يأت أهلنا من المناطق الأخرى لشراء احتياجاتهم منها من مزارعنا مباشرة. ويواصل: كنا في ذلك الزمن قبل عشرات السنين نعتمد في زراعتنا على مياه الأمطار التي لم تكن تتوقف مواسمها، وكانت مصادر المياه العذبة لدينا وفيرة ومتعددة، ولم نصادف جفافا أو «خرابا» في الماء، وكان رزقنا يأتينا دائما من السماء وكنا بدورنا نشكر رب السماء على نعمته وعلى رحمته بنا. نزرع لنأكل ويحكي عن حياة الماضي ومعيشته فيقول: كنا إلى جانب ما نزرعه من فواكه نزرع أيضا الحبوب والطماطم والبطيخ كما زرعنا «الدخن» الذي كنا نصنع منه العصيد ونمزجه بالبيض ليكون طعاما رئيسيا لنا إلى جانب التمر، كما كانت نساؤنا يصنعن الخبز من طحين الذرة لنأكل مما زرعناه في الضيعة وما صنعته الأمهات والأخوات في البيت، ولم نكن نعرف في تلك الأيام الاعتماد على المخابز أو الطحين المستورد بل كنا نأكل من عرقنا سواء في المزرعة أو في البيت. ويستطرد قائلا: في تلك الأيام كنا نحرص على زراعة «الفندال» (البطاطا الحلوة) لتكون غذاءنا الرئيسي أيام الصيف ووقت القيظ، وكانت لنا أكلات متنوعة بطرق مختلفة إذ كنا ندفنها في الرماد حتى تنضج أو نسلقها في الماء لتكون طعاما لأفراد الأسرة به ينعمون ويشعرون بالشبع فيحمدون الله على نعمته. ويضيف: كنا أيضا نزرع «الغليون» ونقوم ببيعه إلى تجار متخصصين يأتون إلينا في مواسم القطاف كي يدفعوا لنا ثمن المحصول الذي نستعين به على تدبير أمور معاشنا وشراء لوازمنا واحتياجاتنا، وكانت لمزارع «كلباء» شهرة كبيرة في تجارة الغليون في معظم أقطار الخليج. ويعود للحديث عن فواكه كلباء التي اشتهرت بها فيقول: عرفنا في أيامنا القديمة أصنافا كثيرة من الفواكه انتشرت في كل مزارعنا، ومن هذه الأصناف: المانجو والزيتون (الجوافة) والليمون البلدي واللوز وكانت شهرة مانجو كلباء معروفة في عدد من أقطار الخليج مثل البحرين وقطر وعمان، فقد كان بعض أهالي كلباء يذهبون إلى هناك لبيع إنتاج مزارعهم. ويستدرك قائلا: لكننا فيما بيننا نحن أهالي المنطقة لم نكن نعرف نظام البيع لما ننتجه بل كنا نرحب بأي فرد يأتي إلينا في المزرعة وندعوه ليأخذ من أشجارنا ما يشاء بلا مقابل، وحتى في موسم الرطب كان الناس يتبادلون إنتاج نخيلهم على سبيل المحبة والمودة، وأتذكر بعض من كانوا يأتون إلينا وفي أيديهم جفير (سلة من الخوص) فنضع فيه كل ما لدينا من أنواع الفواكه دون أن نطالبه بثمن. ويستعيد أيامه في منطقة «سور كلباء» فيقول: كنا أيام القيظ نقيم في العرشان وأحيانا في خيام قرب البحر، أما في موسم الشتاء فقد كنا نقيم في الداخل في منطقة «سهيلة» التي كانت في تلك الأيام البعيدة لا تضم أكثر من ستين بيتا ولا أزال أتذكر تلك الأيام في هذه المنطقة وكيف كانت أزقتها ضيقة لكن القلوب واسعة والنفوس غنية ومرتاحة رغم قساوة العيش وصعوبة أحوال المعيشة. الجيران والسمر ويستعرض الحاج عبدالرزاق تلك الأيام قائلا: كان العيش مريحا والحياة مرضية لكل الناس، وكنت دائما أحرص على دعوة جاري أو يدعوني هو لنتناول القهوة معا ومن بعده الريوق «الافطار» كما كان الجيران يعقدون يوميا بعد صلاة العصر اجتماعا يضمهم جميعا في كل ليلة عند واحد من الأهالي ويتناولون في سهرتهم هذه الرمسة والسوالف إلى فترة ما بعد العشاء ولا يتفرقون إلا بعد ظهور «حلاب القمر» فيذهب كل منهم إلى داره منشرحا هاديء البال. ـ ما حكاية «حلاب القمر» يا حاج عبدالرزاق؟! يضحك ضيفنا في سعادة بالغة ثم يجيب: إنها نجمة شهيرة تدعى «حلاب القمر» وكانوا يحلبون الأبقار عند ظهورها كل مساء، وأعتقد أن الأجيال في أيامنا الحالية لم تسمع عنها لأن أبناء الزمن الحاضر يكونون مشغولين أمام أجهزة التلفزيون أو جالسين على مقاعد المقاهي في مثل هذه الساعة التي كنا ننصرف فيها إلى بيوتنا كي نخلد إلى النوم لنستيقظ مبكرين كعادة أجدادنا وآبائنا التي نشأنا عليها وتمسكنا بها فالسهر الزائد مضر بالصحة كما أن تمضية الوقت فيما لا يفيد يضيع على الإنسان الكثير من المنافع، وليت شبابنا يدركون ذلك ويعرفون قيمته قبل فوات العمر. ويتواصل الحوار مع الحاج عبدالرزاق إلى أن يصل إلى مظاهر الأعراس في الماضي وعنها يقول: كانت البركة متوفرة في أيام الزمن الماضي، وكما يقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إن أقلهن مهرا أكثرهن بركة فإن ما حل علينا من بركة في تلك الأيام كان عائدا إلى تطبيقنا للسنة الشريفة، فلم تكن هناك مغالاة في المهور ولا اسراف في الأعراس، وقد تزوجت بمهر قليل لا يتجاوز سبعمئة درهم دفعت منها النصف كمقدم أو حاضر بعد أن جمعته في سنوات ادخرت فيها ما كنت أحصل عليه من عوائد بيع الغليون والخضار والفاكهة في مناطق الحيور (أهل الجبل)، وأحمد الله عز وجل على أن حياتي كانت طيبة مع زوجة كانت عونا لنا على احتمال شدائد الأيام وقساوتها وصعوبة الزمن. مطاريش زمان وعن رحلات الزمن الماضي يقول الحاج عبدالرزاق: لم نكن نعرف إلا الركاب وكنا نسير إلى الشارقة ودبي على شهور الإبل أو الحمير، وكنا نفعل ذلك مرتين في السنة نقطعهما في أربعة مطاريش (مشاوير) نصفها للذهاب والنصف الثاني للإياب، وكان كل مطراش (مشوار) يستغرق ستة أيام كاملة، أما بالنسبة للطرق التي سلكناها في تلك الأيام فكانت طريق العريش التي نقطعها عبر وادي حام حتى مسافي ثم وادي السيجي إلى الذيد وصولا إلى بطحة الذيد الشهيرة ثم طريق المهذب إلى منطقة السرة في عجمان ثم إلى الشارقة أو دبي، وفي العادة كانت رحلة الاياب تستغرق أربعة أيام إذا كانت حمولة الركائب خفيفة. ويواصل حديثه عن الرحلات قائلا: شهدنا في زماننا الماضي رحلات يقوم بها أبناء باقي الإمارات لزيارة منطقتنا خصوصا في فصل الصيف، وكان موسم القيظ يشهد وصول أعداد كبيرة من «الحضار» (أهل الحضر الذين يأتون إلينا باعتبارنا مصيفا لهم فيمضون بيننا أشهر الصيف إلى أن تنخفض درجات الحرارة فيعودون إلى مناطقهم). ويضيف: طبعا في ذلك الوقت لم تكن هناك فنادق كي يقيم فيها هؤلاء الحضار المصيفون ولهذا كنا نعد لهم بيوت العريش ليقيموا فيها بلا مقابل سوى ما كانوا يهدونه إلينا من مواد غذائية كانوا يجلبونها معهم لاحتياجاتهم طوال موسم الصيف مثل العيش (الأرز)، والحبوب، والسكر، وكنا بالتالي نمدهم بالخضار والفواكه الطازجة يوميا طوال مدة إقامتهم لدينا قرب البحر. وننتهز الفرصة لنسأل الحاج عبدالرزاق: لكنك لم تأت على ذكر «البحر» في حديثك حتى الان؟! ويجيب: ولماذا أتحدث عنه؟ لقد تعاملت معه لسنتين فقط في حياتي الطويلة.. بينما كانت كل سنوات عمري في المزرعة، ومادمنا نتحدث عن البحر الآن فإني أعترف بأنه كان مصدر رزقي خلال عامين عملت فيهما على سطحه من أجل تحصيل الرزق للأولاد. ويضيف: في تلك الفترة قمت بصناعة «شاشة» (قارب صيد من جريد النخيل) زودتها بماكينة وباشرت عملي في الحداق بالميدار وكنت في كل مرة أعود ب«جونية» مملوءة بالأسماك التي أبيعها كل 4 سمكات بنصف درهم، وما أن أكملت سنتين حتى توقفت تماما عن نزول البحر. ويأخذنا الحاج عبدالرزاق إلى أماكن لا تنساها ذاكرته، فيقول: لا تفارقني طوى «وسام» لأن ماءها العذب من أفضل ما شربت من مياه وهذه البئر مشهورة بأنها أقدم آبار كلباء، فقد وجدت قبل 150 عاما ولاتزال موجودة إلى الآن لكن ماءها لم يعد عذبا بعد أن قضت على عذوبته مياه البحر التي تسربت إليه. ويضيف: هذه البئر تعرفها أيضا نساء كلباء اللواتي كن في ذلك الزمان البعيد يحملن الجرار فوق رؤوسهن في رحلة يومية للاستسقاء من مائها العذب الذي لا يعوض، ورغم أن منطقتنا عرفت آبارا أخرى مثل طوى ميحد وطوى أيوب إلا أن طوى وسام هي الأشهر. ويمضي الحاج عبدالرزاق مع شريط الماضي فيلتقط ظاهرة قديمة عرفت في المجتمع باسم «الفزعة» وعنها يقول: كانت «الفزعة» وسيلتنا لإنجاز أصعب الأعمال دون تعب أو معاناة، فالفزعة تعني أن يشاركك الجميع فيما تنوي القيام به، فمن يريد بناء بيت له ولأسرته ما عليه سوى اخبار الآخرين ليأتوا إليه ويشاركوه العمل الذي يتم توزيعه على الجميع بلا تهرب أو ضجر ففزعة فلان اليوم قد تأتي إليك غدا، وأذكر أننا بنينا مساكن الفريج (أي الحي) بنظام الفزعة الذي لم يعد موجودا هذه الأيام. ويضيف: نعم انتهت الفزعة من حياتنا الحاضرة ودليلي على ذلك ما نلاحظه ونصادفه كل يوم عندما تسأل عن جارك فيقول لك هو أو أهل داره «إنه مشغول» فتضيع بذلك الروابط الحميمة بين الناس مادام الكل مشغولا بأموره عن علاقات الصداقة والأخوة وربما عن صلة الرحم أيضا. وعن بداية تعامله مع الوسائل العصرية التي انتشرت في البلاد منذ زمن يقول العوضي: كنت أول سائق سيارة في مدينة كلباء إذ حصلت على رخصة قيادة عام 1950 بعد أن تعلمت القيادة على أيدي حسن جمال وسعيد البادي من أهالي المنطقة، وقد أسرعت حينذاك إلى شراء سيارة «جيب» كانت موديل 47 دفعت فيها 1200 روبية على أقساط لأنني سلمت لصاحبها 200 روبية وتم تقسيط الباقي على عشرة أشهر، وقد استخدمت السيارة في تسويق منتجات مزرعتي فكنت أقوم بتحميلها بالطماطم التي أذهب بها إلى مسقط وولاية الباطنة بسلطنة عمان لأبيع كل صفيحة بست روبيات وكانت حمولتي تتراوح ما بين 30 أو 40 صفيحة، وكنت أقوم برحلتي هذه بعد الظهر لأصل إلى غايتي في صباح اليوم التالي لأن الدروب أيامها كانت رمالا وجبالا عسيرة السير. مجرد طرفة ويذكر ضيفنا طرفة حدثت ذات يوم عندما اصطحب ابن شقيقته معه في السيارة وهو في رحلة إلى الشارقة، فيقول: كنت أضع في سيارتي حصيرا صنعته من الخوص، وغالب النوم ابن شقيقي فنام فوق الحصير الذي طاح به من السيارة دون أن أدري أو أشعر بذلك، وعندما توقفت عند منطقة «طوي راشد» تفقدت ابن شقيقتي لم أجده لا هو ولا الحصير فعدت لأبحث عنه فوجدته مستغرقا في النوم على الطريق ومن حسن الحظ أن الطريق كان خاليا وقتها من عبور السيارات فحمدت الله كثيرا على نجاة ابن شقيقتي وأصبحت أكثر انتباها لمن يركبون بصحبتي. الشدائد علمتني وعن تجاربه في الحياة يقول: اكتسبت الكثير من التجارب بعد أن تعرضت لبعض الشدائد، فقد علمتني تجربة صعبة مررت بها أثناء رحلاتي للصيد من البحر أن أحرص على تجهيز عدتي كاملة لأن ما صادفته وكاد أن يعرضني للغرق أنا ومن معي على الشاشة كان بسبب عدم وجود أدوات لتصليح الأعطال وأيضا لعدم وجود مجاديف للشاشة التي خرجت بها إلى عرض البحر وقد حرصت على عدم تكرار ذلك الموقف الصعب بأن صنعت مجاديف للشاشة وجهزت عدة تصليح على ظهرها حتى لا أتعرض لمواقف صعبة. ويضف: وقد فعلت الشيء نفسه بالنسبة للسيارة إذ تعلمت إصلاح أعطالها ولم أركن إلى الاعتماد على أحد في ذلك مثلما يفعل أحفادي الان عندما يمتلكون مهارة قيادة السيارات لكنهم لا يعرفون شيئا عن أمور إصلاح أي عطل يصيب أجزاءها، إنهم جيل يبحث عن الأشياء الجاهزة رغم أن مهارة إصلاح السيارة تجنب الإنسان المواقف الصعبة التي قد تصادفه دون توقع من جانبه. ويختتم ضيفنا حديثه قائلا: مع مرور الأيام تزداد سعادتي بما أنجزته في محيط أسرتي، فقد علمت أبنائي وبناتي وأسعد بأحفادي وأيضا بصحبة النخلات القديمة الباقية في مزرعتي دليلا على ما قدمته من جهد ومن عرق لا تحلو الحياة من دونهما لأن فيها راحة بال وهدوء نفس واستقرار حال.