اذا كان مرض «جنون البقر» الأوروبي قد أحدث أزمة في اللحوم على المستوى العالمي، فإن «جنون البقر.. الفضائي» العربي قد أحدث ـ بالعكس ـ رواجاً لامثيل له على المستوى العربي، لكل أنواع اللحوم، وفي الوقت الذي شحّت فيه والى حد كبير كمية اللحوم المعروضة للبيع في أسواق اللحم على مستوى معظم دول العالم، نرى ان المعروض من «اللحوم» على المستوى الفضائي قد زاد وفاض وغطى حاجة البلاد والعباد..!. «جنون البقر» على الفضائيات العربية بدأ متواضعاً وخجولاً على بعض القنوات التجارية، وراح ـ على استحياء ـ يعرض اجزاء من اللحم الآدمي من حين لآخر في بعض البرامج المتخصصة في عرض اللحوم، وفوجئت هذه القنوات بحجم الاقبال الذي رحب بما يراه وطالب بالمزيد، وفوجئت أيضاً القنوات الاخرى، التي كانت تنظر باستياء إلى معارض اللحوم الفضائية، مؤكدة التزامها بقائمة طويلة من التقاليد والاعراف والقيم، فوجئت هذه القنوات «الملتزمة» بمشاهديها ينسحبون شيئا فشيئا ـ وعلى استحياء أيضاً ـ إلى قنوات «اللحم» مفضلين «جنون البقر» على «عقلانيته»، ثم كانت المفاجأة الاشد حين راحت شركات الاعلانات تنسحب واحدة بعد الاخرى ـ وبلا استحياء ـ متجهة باعلاناتها وفلوس اعلاناتها إلى حيث شاشات اللحوم.. وحيث الملايين من محبي مشاهدة هذه اللحوم التي يطلق عليها احياناً «مذيعات».. واحياناً «فنانات».. واحياناً «فيديو كليبات» وكلها.. أو كلهن يتنافس على عرض ما يكفي ويغطي حاجة المشاهدين من «اللحم».. وما يغنيهم عن كل لحوم البقر المجنون والعاقل معا..! هذه النكسة التي اصابت محطاتنا العربية الملتزمة، دفعتها دفعا إلى «الجنون» كمثيلاتها من القنوات الرائدة في مجال «اللحوم»، وكان ان نفضت ـ دون انذار أو اعتذار ـ كل التزاماتها.. وتناست ما كانت تعلنه وتتشدق به عما يسمى بالتقاليد والاعراف والقيم، وراحت تتنافس تنافس الملهوف على استيراد «اللحوم» الناطقة بالعربية وعلى استضافة كل ما يمكن استضافته من «اللحوم الفنية» و«اللحوم الراقصة».. وعلى عرض اكبر كم ممكن من أسواق «اللحوم المتحركة» المسماة فنيا أو حركياً بـ «اغاني الفيديو كليب».!. وهكذا.. بين يوم وليلة.. اصبح التفريق بين محطة كان يقال عنها «فالتة».. واخرى كانت تدعى انها «ملتزمة» صعباً.. ان لم يكن مستحيلا، وهكذا أيضا راجت واتسعت سوق اللحوم.. وأصبحت أسواقاً، وكان ان مرت أزمة «جنون البقر» الاصلية على عالمنا العربي المتخم بلحوم الفضائيات بهدوء، ولم تتأثر بها اسواق اللحوم في بلادنا كثيراً، فالمستهلكون عندنا اكتفوا باللحم البشري الابيض المنتشر ليلا ونهارا على شاشات الفضائيات والتي كلما زاد جنون لحومها كلما زاد الشوق والاقبال عليها.. بعكس ماحدث للحم البقر المسكين..!. وبينما كان الشائع ان ازياء المناسبات والسهرات هي الاكثر رواجاً بين المذيعات، انقلبت الحال في ظل التطور التلفزيوني الفضائي الجديد، ليتحول الاتجاه والتنافس إلى أقسام الملابس الداخلية بمحلات الازياء، بعد ان اصبحت قمصان النوم والكومبينات هي الزي المفضل والمعتمد للمذيعات في بعض الفضائيات، وبعد ان اتضحت حاجة مشاهديها إلى المزيد من الاستمتاع بما يرونه من «البروتين» الانثوي الذي يطل عليهم من شاشاتها، منافسة في ذلك بلا منازع فضائيات اخرى مازالت مترددة في ذلك الانفتاح «البروتيني» اللامحدود..!. واذا كان العرض يقتصر على المظهر العام لبعض المذيعات، فإن ذلك العرض بالنسبة «للفيديو كليبات» شيء مختلف تماماً، فبعد ان كانت عناصر الاغنية المعروفة هي الكلام واللحن وصوت المطرب أو المطربة، تطور الوضع تماشياً مع الاتجاه البروتيني المعاصر ـ وخاصة في الاغنية المصورة الشهيرة باسم «فيديو كليب» فأصبحت العناصر حسب الترتيب المعاصر هي «الكلام + اللحم + الصوت»، والتغيير مع بساطته حيث اقتصر على حرف واحد هو «الميم» التي حلت محل النون في كلمة «اللحن»، الا ان المردود البروتيني لهذا التغيير كان كبيرا وشاملا، حيث احتل «اللحم» المرتبة الأولى والاهم وأصبحت هذه العناصر بعد التنفيذ والتصوير هي «اللحم + اللحم + اللحم + اللحم + الكلام + صوت المطرب أو المطربة»، وفي حالة المطرب حيث لا بروتين عنده يصلح للعرض ويجذب الانظار، فقد استعيض عن بروتينه بعشرات من صاحبات البروتين «الملعلع» الذي يخطف الابصار قبل الاسماع، والذي يجعل أغنية الفيديو كليب أغنية مرئية في المقام الأول والأخير.. اما الموسيقى والغناء فأمران ثانويان من قبيل المصاحبة الملازمة لحركات صاحبات البروتين العاري الراقص، أما في حالة كون الفيديو كليباً لمطربة فالعبء حينئذ تتحمله صاحبة الأغنية وحدها أولاً وأخيراً، ومن باب التنويع لارضاء كل الأمزجة تصاحبها ويصاحبها عدد من عارضات وعارضي البروتين.. الحريمي والرجالي، أما المطربة ذاتها فتتحول على مدار الفيديو كليب إلى عارضة..، مهمتها عرض الازياء أولاً، فلا تترك في دواليبها ودواليب محباتها فستانا.. ولا تاييرا.. ولا قميصا للنوم.. ولا مايوها.. ولا بنطلونا.. الا استعرضته، لابسة هذا وخالعة ذاك إلى نهاية وقت التصوير، أما العرض الثاني والأهم فهو عرض خريطة جسدها شبراً شبراً لتأكيد حلاوة «الصنف» وسلامته!.. وذلك لكل من يهمه الأمر..!! عرض اللحم مازال مستمرا.. وسوق اللحوم في الفضائيات العربية مازال نشطا وفاعلا، لا تهمه أزمات «جنون البقر».. ولا تؤثر على حركته الحمى القلاعية أو «الخلاعية» كما سماها البعض.. و«كله عند العرب بروتين»..! ولا عزاء للبقر..!!