من المثير للدهشة ان يواصل فنان العمل على موضوعات محددة لا يغيرها، ولا ينتقل بعيدا عنها، وانما يواصل التعمق فيها وتأملها والقاء الضوء على أعماقها واضاءة زوايا جديدة فيها، وكأن هاجساً يطارده ويدفعه إلى الارتحال في عالمه على هذا النحو الذي يبدو قدراً لا فكاك منه اكثر من كونه خياراً فنياً. ولكن هذا هو بالضبط ما حدث ولا يزال يحدث للمصور الايطالي فابيو موزي، فقد عمل على امتداد ما يزيد على عقد ونصف العقد من الزمن على ابداع سلاسل تبدأ ثم لا تنتهي من الصور التي لا تفارق ذاكرة من يراها والتي تدور حول موضوع واحد لا يغيره الفنان وانما يتابعه في شتى تحولاته ومختلف منعطفاته وهو موضوع ريف توسكانيا. وقد اختار الفنان اماكن لا يعرفها الكثيرون ويبدو الزمن فيها وكأنه قد تجمد وتوقف عن الحركة كلية. هكذا فان هذا الفنان الايطالي انطلق بعدسته إلى ريف توسكانيا الايطالي المدهش ليمسك بعدسته ـ وكأنما بفعل سحر ساحر ـ تقلبات النور المراوغة وتحولات اللون المدهشة وتغلبات المناخ التي لا تعرف التوقف. هكذا فان عدسة فابيو موزي تقدم لنا الشروق في فبراير في منطقة موتشجلياني، وهي منطقة معروفة بجمالها الطبيعي الاخاذ، وتقع بين مدينتي سينا واسيانو، وهو يعود ليصور المنظر نفسه في الربيع والصيف والشتاء والخريف. ولحظة تأمل يقفها المتلقي عند الصور الأربع لهذه البقعة الريفية تكفي لتوضح كيف نجح الفنان في الامساك بثراء ألوان الفصول التي تحلق بخيال المتلقي إلى اجواء مدهشة بلا حدود. وعدسة الفنان الايطالي تحلق الى سماء الابداع حقاً عندما تصور الشروق في صبيحة يوم بارد من ايام مارس في منطقة فيل دي كورسانو قرب مدينة سينا، حيث تبدو الاشجار متشحة بردا وضباباً وكأنها حسناء تبحث عن معطف أو ضمة عاشق تمنحها الدفء الحقيقي. ويعود الفنان ليصور المنظر نفسه مجدداً ولكن هذه المرة في وهج أغسطس حيث تبدو الاشجار ثابتة وقوية والمشهد يبدو حافلاً بالنور وكأن عصا سحرية منحته اياه. والقوة والبهاء يعودان ليطلا علينا من خلال صورة التقطها الفنان لحقل صيفي قرب بلدة باجنو فينوتي التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، والتي اشتهرت بالينابيع الحارة المتدفقة من أرضها. وعندما يصور فابيو موزي الارض وهي متشحة بالغيوم نحس وكأننا قد انتقلنا إلى رحاب الاساطير او حكايات الجدات المفعمة بالغموض والالغاز حيث تطل علينا التلال والاشجار متشحة بالضباب في فجر يوم في نوفمبر قرب مونت اوليفيتو ما جيوري وهي منطقة تعود إلى القرون الوسطى كذلك على الطريق بين مدينتي اسيانو وبونو كونطينتو. ومن جديد يعود الفنان الايطالي ليلتقط صورة للمشهد نفسه في مارس فاذا بنا أمام تحولات مدهشة، فلا ضباب هناك ولا غموض وانما وضوح آسر وتلاعبات للون والنور تأخذ العقول وتخلب الالباب.