حمى الوطيس بين المديرين الثلاثة في شركة تصفية الذهب الأسود التي نمت في الصحراء مثل صبارة حديدية عملاقة، كان الصراع على (ناهد) الموظفة الجديدة، خفيا ومضمراً في البداية، التحقت بالشركة بوظيفة امينة سر، وشروط الوظيفة العلنية اتقان الضرب على الآلة الكاتبة التي لم تتقاعد بعد من بلادنا، مهد الحضارات ومقبرتها. وشروطها الضمنية الحسن والجمال وهي الشروط الاساسية.. والصفة المهنية هذه تثير لعاب كثيرين وتعني بالافرنجي الفصيح (سكرتيرة) وصفة سكرتيرة تلهب الخيال الذي لا يلتهب الا بذكرهن ويضطرم فيتخيل السامع حال سماعه هذه الكلمة سريراً وثيراً يحسد نفسه على الدفء الطارئ او غرفة مغلقة سعيدة باسرارها او علاقات ثنائية عاطفية خلوية بين الناهد والوحش يطق فيها ثالثهما (الشيطان) من القهر، ويعني باللغة الادارية انها خريجة احد المعاهد التي تلتزم الدولة باستخدامها وتوظيفها ويعني غالبا ـ ما دامت على هذا الحسن ـ انها شحيحة الثقافة والتحصيل العلمي فمن المرجح انها نجحت في صفوفها بسرعة البرق حتى لو كانت من أغبى الغبيات.. كاعب جميلة تجعل القمر يفكر في الاستقالة بل والانتحار غيرة عند رؤيتها من عرش السماء المرصع بالنجوم. هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة مصقول عوارضها حوراء عيناها اسيل خداها خاتم سليمان فمها وشعرها اسود من ليل الصدود على الكئيب الولهان وغرة كهلال رمضان وانف اقنى شديد اللمعان وشفتان كأنهما اللؤلو والمرجان واسنان كالبرد في العقيان وعنق كسبيكة فضة فوق قامة كغصن البان وافخاذ غلاظ مسحوبات يشف عنهما بنطلون الجينز ويكاد منهما يتفتق من النضج والاستواء وشدة الغليان وصارت المنحوتة محل حسد جميع العمال والموظفين الذين عظموا من ساعتها اهمية موقع المدير واصبحوا يختلقون الاعذار لزيارة مبنى الادارة وان لم يظفروا بها في البهو او في مكتب مديرها بكري قمر الدين المحظوظ قصدوها باحثين في كل المكاتب والاروقة، لاختلاس نظرة تعقبها الف حسرة. اما صبري كحيل ابو محمود الخمسيني سقاء المشروبات الساخنة فكان يوقر شيبته ويستعيض عن اللحاق بها في المكاتب بالاحتفال بالفناجين المختومة بحمرة شفتيها ويحتفي بها كرغيف خارج لتوه من الفرن ويحتفظ بها وقتاً طويلاً وهو يتأمل اخاديد الشفتين المقوسين مثل هلالين او موزتين بنيتين ما تلبثان طويلاً حتى تلتهما التهاماً بين شفتيه الخشنتين. فرك مدير التخطيط بكري قمر الدين يديه وسن اسنانه ومشى متبختراً، قطعا، ستكون ربة الحسن والجمال من حصته فشجرة مكاتب دائرته التي يجلس في اعلاها تبين بوضوح حاجتها الى مثلها لملء الشاغر، وان لم تكن، فسيحارب المشرقين والمغربين ويطاول الفرقدين حتى يظفر بها وفعلاً داومت في الاسبوع الاول من التحاقها في دائرته، فاستحصل لها منضدة اختارها بنفسه مشاركا لجنة الشراء في اختيارها وجاهد في ان تكون انيقة من خشب في ذاكرته ازهار وثمر من امه الغابة لا من المعدن والصفيح الصدئ صناعة الشركة العامة للتعدين التي عادة ما يقبل عليها لرخص في بضاعتها او لعقود مبرومة بين الشركات الوطنية والا افلست فبضاعتهاالرديئة لا تطلب في السوق. صمد بكري الناهد في غرفته الكبيرة، مقابله تماماً وجلس سعيدا مرتاحاً في كرسيه الدوار الوثير يسترق النظر اليها ويتلمظ متمليا حسنها ورقتها وهي جالسة وراء آلتها تضرب على ازرار روحه فيتنهد كما لو انه مصطاف على الشاطئ وكما لو انها بحر، ويعود من الدوام مالحا من الامواج البحرية اللاطمة ومحروق الجلد من حرارة الوجد وكان يكاد يذوب عندما تحتاج الى طلب خاص ممهور بتوقيعه، اذن خروج او اجازة مثلاً تقترب من طاولته وتنحني عليه بثمارها وعصافيرها وظلالها وفي ثغرها نصف شهقة ودعوة غير ملعنة لقبلة مدوية.. وتنحني مثل تفاحة نيوتن الناضجة عليه فيكاد وفق مقلوب قانون المذكور يهوي اليها.. ويوافق رغم ادراكه بمرارة الوقت الذي سيقضيه في غيابها محروماً من ظلها في هجير الصحراء وبين شوك الصبارة العملاقة. وكان يوقع طلبها فوراً، فالموافقة او الرفض، امران احلاهما علقم مر ويوقع بعد نظرة صارعة اليها وراكعة لجمالها السلطان محاولاً التمهل في الامضاء سعيداً باسمه ذيلاً في كتاب طلبها ويتمهل كي يوحي لها بتردده والتفكير باختلاق عذر لرفض التوقيع: ذريعة حاجة العمل لها فالمصفاة يقل مردودها في التكرير والذهب الاسود يزداد سوادا والدماء تنشف في عروق الصبارة ساعة مغادرتها.. و.. ويحاول اظهار منته فتنقلب نظرة المنة رغما منه الى مقلوبها منة عليه ويكاد ينسى موقعه وينهض اجلالاً لجمالها وبوده ان يجثو خاشعاً ويقول انه المحتاج المعوز ليس الى توقيع منها بل الى سيارة اسعاف تسعف جسده المتهالك تحت صواعق سحرها؟ وانتبه انها لاتزال في مكتبه بأمر شفوي ولابد له من قرار ومرسوم وزاري حسب المواد كذا وكذا من الفرمانات الوزارية تصير بعدها ملك يمينه وسريته او بالاحرى معبودته. رعدت الفكرة في سماء روحه فقام من فوره الى المدير ليحتج فوجده مجتمعاً مع غريميه مدير الصيانة العامة ومدير الاستثمار، في اجتماع صاخب وقد اشرعا سيوف اصواتهما يطالبان بالناهد.. مدير التشغيل قال انه يقضي وقته بين الآلات وهو بحاجة ماسة الى من ترتب له طلبات الموظفين والوثائق، ومدير الصيانة ابرز حاجة ضرورية الى ضاربة آلة كاتبة تجيد اللغة الانجليزية او تلم بها مثل الآنسة ناهد، الويل لهذين المترهلين.. لماذا ينافسانه عليها وهما محصنان ولهما اولاد في عمرها، الا يشبعان؟! عملها معهما عقوبة لها، لن تتحمل (قارورة) مثلها مليئة من قاعدتها لفمها بالعسل بلادتهما وغرورهما.. اقتحم بكري الوغى ورمى نفسه في الميدان وذكر المدير العام بمشاغله ووحدته لا مثل مدير التشغيل عبدالباري الذي له مساعده (حمد المولى) ومدير الصيانة حميد، الذي له ايضاً، من يساعده ـ وهو المراقب الفني عبدالرزاق ـ فامتعضا وتقطب جبينهما معا وهما يستعيدان غلاظة المساعدين الجلفين وخشونتهما وشوارب المولى السميكة وبدواته المفرطة وحشرجة عبدالرزاق ودخانه الرخيص وسعاله الجاف وتبرما وهما يقارنان هذين مع البدر المدور وظبية البان وقمرالزمان التي كان بلاط المبنى يزهر تحت خطوها وغيم السماء ينقشع لابتسامتها وصحراء العطش قد وحوحت (صار فيها واحة) بعد قدومها، اسكتهما المدير وقد خطر له ضمها الى (حرملك السكرتارية)، ليس حسما لصراع انما غيرة وحسداً من مرؤوسيه لكن لم يكن من شاغر لها فلديه امينتا سر ـ يعني بالافرنجي الفصيح (سكرتيرتان) وهو لا يريد المزيد من القيل والفضائح. ماجدولين وهي انثى فرعاء جميلة ونشيطة وكريمة في كل شيء تصبر معه الى ساعات طويلة بعد الدوام وتعود معه مساء وترضى بالقليل وصباح العظيمة ذات العجيزة التي تنهضها اذا قامت وتقعدها اذا نهضت والتي تقوم بالأعمال التي تتطلب مشقة مثل حمل صناديق الوثائق ودم مديرها الثقيل.. فأغلق المدير العام الموضوع ورمى مفتاحه في درج مكتبه وطلب منهما اخلاء الغرفة على ان يفتي في هذا الموضوع لاحقاً وترك ناهد تابعة لتخطيط بكري الى حين. فخرج المديران المنافسان مكسوري الخاطر ومهزومين حالهم مثل حال ابو عبدالله الصغير بعد فقده الاندلس، وكان بكري الارمل قد فكر بالزواج بدلاً من انتظار قرار المدير بل انه حلم بها، امنية اخيرة، وخطر له في الصباح القادم مصارحتها بحبه ووجده وسهده وبأنه سيكون مسروراً بطلب يدها الناعمة ذات الاصابع التي تؤكل اكلاً ومن دون ملح. وانه مستعد لنثر كل مدخراته تحت قدميها هي مدخرات بائسة لا تليق بملكة جمال مثلها لكن العين بصيرة واليد ضيقة وهو مستعد لمغادرة القرية من اجلها والسكنى في المدينة والتخلي عن اهله بل وتغيير ملته الى ملتها فواحدة مثلها جديرة بكل ذلك. من الضروري ان يتحرى رأي الصبية الحلوة الصامتة فيه فآثر التريث، وهو ما سيبادر اليه في اقرب فرصة الا ان خير البر عاجله قبل ان تخطف منه، ولما ترفض قربه وهو مدير؟ ولديه سيارة وبيت وهو اوسم المديرين واكيسهم واكثرهم شباباً لكن لابد من مشاورة ناصر الحلي الذي اوحي للآخرين بمعرفتها وتباهى وبهذه المعرفة فدعا المهندس المتعجرف المتأنق المبالغ في اظهار قيافته وترفعه، دعاه مترددا، ليستمزج رأيه وحاول جاهداً ان يوري رغبته او يضببها، امام هذا الدعي الذي يعتقد نفسه من طبقة اعلى، ففاجأه الحلي بقوله انها شبه مخطوبة وقال الخبر بلغة العارف بسر مدينة الاطلنتيد الغارقة او موقع سفينة الجودي. ـ مخطوبة؟ ولمن؟ تجمد الدم في عروق بكري ما ان سمع هذا الاسم الصاعق. وغص بريقه ولم يحلف ناصر فيما اذا كانت الخطبة واقعة ام مجرد احتمال واقتنع من توه بالخبر من غير المعقول ان تبقى غيداء مثلها من غير خطبة وتخيلها مع خطيبها فتزلزل خياله وتقوض وبحث في ذهنه عن تشبيه لاجتماع ناهد معه فتخيل ضبعا مع ارنب وتفاحة مع قرد وحذاء قديما وسخا مع زهرة.. عض لسانه سخطا وكاد أن يقوم إلى المدير ليعلن استغناءه عنها أو يقدم طلبا كتابيا بذلك.. سرعان ما بلغ الخبر إلى المديرين المنافسين فحدث لهما ما حدث لبكري فسكتا عن طلبها وكفا بتاتا وذهبا ابعد إلى الشماتة ببكري الذي يستحق هذه المصيبة وسكتا عن الحديث بشأنها هذا ما كان منهما اما ما كان من بكري يا سادة يا كرام فقد عاملها من ساعته بأدب مبالغ فيه ولم يعد يسترق النظر اليها أو يكلفها بأي عمل وبل سعى عند المدير للطلب منه برفق وسرية من حيث لا يشعر احد ليجد لطاولتها مكتبا مع موظفات المالية او الذاتية، مما اوقع المدير في دهشة كبيرة واكثر بكري من يومها لصق الشعارات الوطنية على جدران غرفته التي صارت صومعة من الاحترام الزائد وثكنة من كثرة الصور والشعارات وكان يسارع إلى المبالغة في اظهار وطنيته عند سماع خبر سياسي أو مناسبة قومية ويدندن بأناشيد تمجد كسرى العرب المعاصر.. وبان عليه الهم والكدر وتغضن جبينه وابيض شعره وبدا انه يهرم بسرعة قياسية؟ من المؤكد انها مدسوسة عليه وهذا يعني انه مشبوه، يسري في جسده رعدة اذ يخطر له هذا الخاطر. وربما كان المدير العام او احد المديرين الفرعيين اللئيمين او كلاهما قد دس له تقريرا او وشيا به.. حاول ربط جأشه الذابل: انا وطني جيد ومن اعضاء الحزب الكسروي الحاكم وو.. فلماذا كل هذا الذعر؟. لم يعد يستقبل زملاء العمل وامتنع عن الحديث في اي شيء خارج العمل مع الزملاء إلى ان ينتهي كابوس هذه الناهد التي تخفي السم الناقع وراء البراقع، بل وصل الامر إلى التفكير به في الانتقال من الشركة او الاستقالة، والانكى من كل هذا انه كان يتلظى ألما فأمامه واحدة من ملكات الجمال رائعة وقاتلة مثل سيف ولا يجرؤ على الحديث اليها في شئون العمل او خارجه او يتملى بحسنها كما كان يفعل وحتى ثالثهما نفد بريشه واختفى؟! وقد انتبهت ناهد إلى تغير سلوك مديرها وزملائها الذين تجنبوها بعد ان كانوا يتهافتون عليها مثل الحباحب على النور فتنازلت عن بعض كبرها وغطرستها وصارت تبادر إلى الاسئلة والاستفسارات والمشاركة في الاحاديث وتتبسط في الكلام وتفكر في تفسير لانقلاب الناس من حولها.. وبعد شهرين ياسادة يا كرام تباهى خاتم ذهبي بعناق بنصرها احس به بكري خاتما يحبس انفاسه ويضغط عنقه فبادر إلى المباركة كما يليق بفارس نبيل خاسر وكما يجدر بضحية خسرت اعز ما يحلم به لكن الروح الاعز لا تزال في الجسد واقنع نفسه بان لا مجال للمقارنة بينه وبين.. ولم يجرؤ ان يسألها ولو مغصوصا بلغة رصينة ووقورة تليق بالخاطب العظيم عن صاحب الحظ ـ الذي يعرفه ـ ثمة من حمل عنه هذه المهمة من الزملاء المغاوير فأخبرتهم: انه المهندس ناصر الحلي!! تداعى في كرسيه مصعوقا.. لابد انها تمزح.. جرى إلى غرفة الحلي فرأى الخاتم يلمع في بنصر غريمه أيضاً.. اسقط في يده وتلامح على وجهه طيف ابتسامة غاضبة وطويلة ومكسورة.. إذن لقد فعلها ناصر؟ خدعهم جميعا، حصّن ناهد بتلك الكذبة حتى تخلو له ويستطيع الاستحواذ عليها من المنافسين، ابن الكلب؟! يا له من داهية. استرخى بكري في مقعده وتنفس الهبطاء ثم راح يفكر كي يمسح بناصر الارض مسحا وحمل بيده فتاحة الورق التي تصلح اداة ممتازة لبقر البطن وفكر في ان يصنع من امعاء، الذي اسمه يوسخ اللسان، حبالا لجر الكلاب السائبة، لكنه بعد المسافة التي تبلغ مئة خطوة أو تزيد، والتي نزف فيها غليانه وغضبه توقف امام الباب ووضع الفتاحة في جيبه وعدل عن الدخول مع شعور مداهم بالخصاء. فيما بعد عزف، أو بالاحرى عجز، عن النظر في عيني ناصر، وتفادى الالتقاء به، وفي الايام التالية حاول بكري ان يتصرف براحة وعادية لكنه لم يقدر فتقدم بطلب استقالة بدون ذكر اسباب.. كان يحتاج إلى وقت طويل كي ينسى.. وربما لن يستطيع ان ينسى قط الزلزال المروع الذي دك اعماقه، قد ينسى اسمه ولا ينسى ما حدث. وما حدث شبيه بكسوف أخير أو بشروق الشمس الساطعة فجأة من.. الغرب. ـ قاص سوري شاب تمتاز قصصه بالسخرية اللاذعة، صدر له مقصوف العمر وقلب الدراق وغيرهما.