سرت التسمية فى أرجاء المهرجان ربما من يومه الأول ولا تظن أن التسمية تعني أن مهرجان الكويت بلغ فى دورته الخامسة الذروة حتى أسماه المهتمون به (مهرجان القرن) فالتسمية أطلقت فى بدايته ولم نكن قد شاهدنا بعد المسرحيات المتسابقة أو حتى التى لا تتسابق على الجوائز. ولكي لا أحيرك حول هذه التسمية أقول لك أنها أتت من تكريم الفنان محمد توفيق، وقد سرت شائعة أن تكريمه يتوافق مع بلوغه عامه المائة. من هنا سمي المهرجان بمهرجان القرن. و لا أدرى مدى صحة الشائعة. وقد أكد بعض العالمين ببواطن الأمور أن الفنان الكبير سيبلغ عامه المائة فى ديسمبر المقبل، فى حين أن ادارة المهرجان كتبت فى مطبوعات التكريم أنه ولد فى عام 1908 ومال البعض الى أنه خطأ بين، خاصة وأن هناك أخطاء أخرى فى التواريخ لا تخص محمد توفيق. ولا أدرى سبب الفرحة التي تصيب الناس عندما يرون شخصا وصل الى المائة. هل هي الرغبة فى الوصول الى العمر نفسه، أو على الأقل الحلم بذلك. أذكر اهتمامنا لسنوات طويلة بوالدة الفنانة الكبيرة أمينة رزق وعندما عرفت الست بدر وهذا هو اسمها كانت فى المائة. وكانت فى قمة حيويتها ونشاطها وكنت أقول للفنانة أمينة رزق بين الجد والمزاح: تعلمي الحياة من والدتك! ولم يكن للست أمينة غير أمها، ولم يكن للأم غير ابنتها. ولذلك كانت الست أمينة تطلب سفر أمها معها. وذات مرة كنا مسافرين الى دبي، ونظر شرطي المطار الى جواز سفر الست بدر وهز رأسه احتجاجا على هذه الفوضى. أظن أن هذا كان عام 1983 وقرأ أن تاريخ ميلاد بدر التي فوجئ بأنها سيدة هو 1984 أى أنها أو أنه لم يولد بعد. ولما راجعه أحدهم ونبهه الى أن التاريخ لا يعود الى القرن العشرين بل هو 1884 زال الاحساس بالخطأ، وجاء بدلا منه احساس هائل بالدهشة. وربما لم يمر على هذا الشرطى شيء كهذا لا قبلها ولا بعدها. وعندما توفيت الست بدر عن 104 أعوام خشينا جميعا على أمينة رزق، فلقد كانت وأمها مرتبطتين أشد الارتباط كتوأمين. ولكنها استطاعت أن تخترق المحنة بقوة. والوسط الفني فى مصر ينتظر اليوم الذي تصل فيه أمينة رزق الى المائة ليحتفل بها. أعطاها الله العمر والقدرة على العطاء. وفى أيام المهرجان (16-26 ابريل) نبتت أكثر من فكرة لجمع محمد توفيق وأمينة رزق فى عمل مسرحى واحد.. وليت هذا يتحقق، خاصة أن مشاريع المهرجانات غالبا مثل الزبد اذا أشرقت عليه الشمس.. ساح! وكثرت الأحاديث عن السن خاصة أنه كان هناك بين الضيوف مجموعة من الحكماء من بينهم الدكتور محمد يوسف نجم، وألفريد فرج، والدكتور يعقوب سدراوى. البعض تحدث عن ملكة بريطانيا الأم التي تجاوزت المائة، ولم يكن قد نشر بعد ما فعلته الشيخوخة بابنتها الصغرى مرجريت فلقد افترستها أمراض الشيخوخة وسلبت بصرها. ولم يستطع الطب فى بريطانيا أن يحفظ لابنة الملكة وأخت الملكة بصرها، رغم أنها ياعيني فى السبعين فقط من عمرها. وتحدثوا أيضا عن سيدة بريطانية لعل اسمها أديث اذا لم تخن الذاكرة، اعتادت أن تحتفل بأعياد ميلادها بطرق طريفة وكان عيد ميلادها الأخير وهو 101 فى طائرة وأعلنت أنها ستحتفل بعيد ميلادها المقبل فى غواصة. واقترحنا أن يكون ميلادها التالى فى سفينة فضاء. وكان محمد توفيق نجم المهرجان رغم وجود كوكبة من الصعب جمعها فى مهرجان واحد تضم سميحة أيوب وأسعد فضة والمنجمي بن ابراهيم وعز الدين المدني وحاتم السيد وزهير نوباني وهواء الاسرى وأحمد الجسمى وعدني كروسى وحبيب غلوم وحسن رشيد وخدوجة صبري ومحمد الرميحي وعبدالكريم جواد ونادر ونادرة عمران وغيرهم. وفى اليوم الذي تحدد أن يدلي فيه محمد توفيق بشهادته تجمع الرواد حتى ضاقت بهم الخيمة الكبيرة التي أقيمت خارج مسرح الوسمة للندوات. وكان المقدم هو الروائى الكبير اسماعيل فهد اسماعيل الذي كان اختياره لهذه المهمة تكريما كبيرا للفنان محمد توفيق. وقبيل البدء بلحظات أشار لى اسماعيل أن ننتحى جانبا وهمس لى أن محمد توفيق أخبره أنه لن يستطيع أن يتحدث وأنه لا يذكر شيئا. وأنه ألح عليه أن يتكلم ولو دقيقة أو دقيقتين، فاستهول أن يتحدث دقيقتين وقال أنه ربما تحدث دقيقة أو دقيقة ونصف. وكان ما يقوله اسماعيل كارثة لكنني هونت عليه الأمر قائلا إن الهدف هو تكريم محمد توفيق. فاذا تكلم كان هذا خيرا وبركة، واذا لم يتكلم تكلمنا نحن عنه. ولا أظن أن هذا الحديث طمأن الروائي الكبير. وقدم اسماعيل ضيفه فى مقدمة حاول أن تكون طويلة بقدر الامكان ثم طلب بقلق من ضيفه أن يتكلم وكان قد صعد الى المنصة بمساعدة اثنين أو ثلاثة من الحضور. وحبسنا أنفاسنا لنسمع محمد توفيق فى صوت واضح يجلجل فى السكون متحدثا عن الاداء التمثيلي منذ العشرينيات وكيف كان يمثل جورج أبيض وقلده وبين عيوب هذا الاداء، ثم تحدث عن أداء يوسف وهبي وقلده وانتقده أيضا عباس فارس وغيره وقدم اسلوب الاداء الصحيح. وتحدث عن سفره الى بريطانيا لدراسة الاخراج الاذاعي ثم قيام الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) فاضطر أن يعمل فى الاذاعة البريطانية حتى أصبح كبيرا للمخرجين. ثم فجر أمامنا وأمام اسماعيل فهد اسماعيل الذي كان مسحورا بحديث ضيفه فجر أنه لم يكن لدينا مسرح، وأننا لم نعرف المسرح أبدا، وأن ما عرفناه من المسرح مجرد قشور لا تجعلنا من أصحابه، وعاجل بصوت قوي: هذا ما أؤمن به الى آخر لحظة من حياتى! وانتهى محمد توفيق من حديثه ليحاول الجميع الحديث عنه بتنغيمات مختلفة على كلمة عدني كردي (ما أروعك)! وتأكد فى تلك الليلة أن تسمية الدورة الخامسة لمهرجان الكويت المسرحي بأنها مهرجان القرن وجدت صدى فى النفوس. ولكن العروض المسرحية لم تكن للأسف فى مستوى القرن. وكان أغلبنا يتوقع هذا، فلقد استمر المسرح الجاد فى انحساره حتى وصل الى حافة الهاوية. وكل منا يضع الأسباب التي أوصلت المسرح العربى الى هذا المستوى. ولكننا لا نختلف فى النتائج. وكانت لجنة التحكيم فى قسوة الأب عندما حجبت بعض الجوائز، وبالذات جائزة أفضل مسرحية. لقد أرادت أن تحدث هزة لعلها تفيق الحركة المسرحية من الحالة التي غرقت فيها. وأظن أن العالم العربي كله يحتاج الى لجان تحكيم مثل هذه اللجنة، فلقد صارت المسرحية الجيدة أندر من الكبريت الأحمر. وفى كثير من الأحيان تدهش لما يحدث عندنا فلدينا كتاب جيدون ونصوص متميزة، ولدينا مخرجون جيدون، ولدينا ممثلون بارعون. والكيمياء تقول أننا لو مزجنا هذا كله لأنتج مسرحيات ممتازة، ولكن الكيمياء لا تنطبق على حالتنا. وأحمد زويل لو دخل مجال المسرح، لضاع و تاه وداخ دوخة البلجيكي، ومنذ طفولتى وأنا أسمع دوخة (البلجيكي) ولا أدرى عنها شيئا. وأظن أنه مثل مصنوع لا يعبر عن الحقيقة، فالبلجيكى آمن مستقر متقدم، أما نحن فى دوخة بين صلف شارون ولا مبالاة بوش ومكر أوروبا. وما ينطبق على السياسة ينطبق أيضا على المسرح. وفى كل مهرجان تبدو ظاهرة مختلفة وكان فى المهرجان مجموعة ظواهر جديدة، لفت نظري فيها التواجد الواضح للكاتبة الكويتية المسرحية، ونحن نعرف أن كاتبات المسرح فى العالم العربى يمكن عدهن على أصابع اليد الواحدة على مدى الوطن العربي كله. وكادت فتاة أن تخطف جائزة التأليف المسرحي رغم وجود كاتب مخضرم هو مهدى الصايغ الذي أكد وجوده منذ أكثر من اثني عشر عاما فى مسرحية متميزة هى (ردوا السلام) من اخراج عبدالعزيز المنصور. وأيقنت بموهبة أنعام سعود فى مسرحيتها (ملعقة وشوكة وسكين) ولعلي رتبتها الترتيب الصحيح. فلقد ثارت فى الندوة التطبيقية لأن أحدهم لم يقم بترتيبها كما كتبتها. ولعلي أكتب عن هذه الكاتبة العنيدة الموهوبة ذات يوم ومن يدرى ربما تحولت الى ناقة! وكان أجمل أخبار المهرجان ما أعلنه اسعد فضة عن عودة مهرجان دمشق فى العام المقبل. وصادف أن عدت فى الطائرة نفسها التي عاد عليها محمد توفيق وناداني وسألني متى يعود مهرجان دمشق. وناداني مرة ثانية وحدثني عن ذكرياته فى مهرجان دمشق. وناداني مرة ثالثة وسألني من أنا!!