تعرف اعشاب النيل في السودان باسم (ورد النيل) والاعشاب المائية و(الهايسس)، ويرجع تاريخها الى الخمسينيات حيث شوهدت لاول مرة في مناطق ادوك، وبور، والجزيرة أبا. أما الطريقة التي دخلت بها فهي غير محددة، فالبعض يقول ان الانسان ادخلها كنبات زينة والبعض يتهم الجماعات التبشيرية بنثر البذور في النيل، والبعض الآخر يرى انها تكاثرت عن طريق الطيور التي تتوالد في مناطق نهر الكنغو الذي يلتقي باحد روافد نهر النيل، ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه الاعشاب في الانتشار بصورة سرطانية واحدثت اضرارا اقتصادية جمة رغم طرق المكافحة التي قامت بها الجهات المختصة. للوقوف على حقيقة نبات الهايسس وظهوره في النيل ومساحته الحالية واضراره وطرق المكافحة المتبعة وجدواها. التقينا المهندس كمال علي محمد وزير الري والموارد المائية. تعريف عام يعتقد ان اول وصف تم لاعشاب النيل كان في عام 1756 ثم عام 1789 حيث قدم (Patrick Browne) وصفا لنبات مائي شبيه بأعشاب النيل لاحظه في بحيرات وانهار جاماياكا الا ان الوصف المؤكد جاء من (Martius) عام 1866م وفي عام 1884م وضع الاسم اللاتيني الحالي (Eichornia Crassipes) وقد اختلف الباحثون في تحديد الموطن الاصلي للاعشاب المائية، البرازيل، الارجنتين، امريكا الجنوبية الا ان هنالك شبه اتفاق على الامريكتين، ويقول المهندس كمال علي ان نبات الهايسس له اوراق عريضة خضراء تميل الى اللمعان وقطعها بيضاوي ولها اعناق طويلة اسفنجية تتراوح اطوالها من قدم الى ثلاثة اقدام تتفتح هذه الاعناق على مستوى القاعدة على شكل عوامات تحت سطح الماء وتمتد منها سيقان وتنبت بها شعيرات جذرية غزيرة ويكون نبات الهايسس في مجموعات متشابكة وقد تنفصل بعض الاجزاء لتكون مجموعة نباتية مماثلة. وعن ظهور نبات الهايسس يقول الوزير ان نبات الهايسس عرف لاول مرة في حوض الامازون بامريكا الجنوبية عام 1884م ومن ثم انتقل الى امريكا الشمالية من خلال احد معارض الزهور وبعد ذلك ظهر في الهند والصين وبعض الدول الآسيوية وفي عام 1950م ظهر في جنوب افريقيا ثم في نهر الكونغو قرب برازافيل ويقال ان احد المبشرين نقله الى الكونغو. أما ظهور نبات الهايسس في السودان فقد كان ذلك في موسم انحسار النيل الابيض في الحبس بين بور وأدوك في ابريل عام 1958م اكتشفه عالم سريلانكي كان يعمل بوحدة الابحاث المائية بجامعة الخرطوم اثناء رحلة علمية كان يقوم بها الى جنوب السودان وقد اوصى ذلك العالم بضرورة مكافحة هذا النبات مما اثار اهتمام السلطات السودانية ولكن الاهالي بمنطقة بحر الجبل اكدوا انهم ظلوا يلاحظون هذا النبات في تلك المنطقة منذ عام 1956م. إنتشار الأعشاب تتميز اعشاب النيل بقدرة فائقة على التوالد ويكفي ان نشير الى انه في بعض التجارب وضح ان عشرة نباتات اصبحت عن طريق التكاثر الخضري حوالي الف وستمئة وعشرة نباتات خلال ثلاثة اشهر، وقد ساعد ذلك على سرعة انتشارها، ففي عام 1958 كانت محصورة في مساحة قدرها 700 كلم على النيل الابيض وامتدت الى 3170 كيلومترا عام 1962 ووصلت الى جبل اولياء، وتجاوزتها الآن الى 4000 كيلومتر بناء على تقديرات محطات قسم اعشاب النيل. ويغطي هذا النبات مناطق عديدة في بحري الجبل والزراق واجزاء من مصب حوض بحرالغزال ونهر السوباط ونهر البيبور النيل الابيض واصبح يشكل جزرا متشابكة في بعض مناطق هذه الانهار وذلك بسبب توقف اعمال المكافحة في السنوات الماضية بسبب ظروف الامن في العديد من تلك المناطق. وتتأثر حركة الاعشاب في النيل الابيض باتجاهات الرياح فاذا كانت من الجنوب الى الشمال تحركت الاعشاب شمالا وتراكمت على خزان جبل اولياء بصورة كثيفة وفي فصل الشتاء يكون اتجاه الرياح من الشمال الى الجنوب وبالتالي تتجه الاعشاب جنوبا حتى مدينة كوستى. الاضرار الاقتصادية الاضرار الاقتصادية عدة، تتلخص في اعاقة المجاري الملاحية والتأثير على حركة البواخر النيلية على طول النيل الابيض وروافده، وتسبب اعشاب النيل مشاكل كثيرة للبواخر مما ادى لزيادة تكلفة التشغيل والوقود، الى جانب التسبب في اغلاق مداخل الطلمبات الساحبة للمياه في حوالي 176 مشروعا على امتداد النيل الابيض، كما تؤثر على اجهزة تبريد الطلمبات في هذه المشاريع. الفاقد المائي ومن الناحية الهايدرومترولوجية فان اعشاب النيل تسبب في فقدان كميات كبيرة من المياه فالفاقد من مسطحات المياه المغطاة بالاعشاب يعادل مابين 2 ـ 6 اضعاف الفاقد من المسطحات المائية الخالية من الاعشاب، حيث يتسبب نبات الهايسس في فواقد مائية كبيرة عن طريق عملية التبخر والنتح. وفي الخزانات التي تنشأ لتوليد الطاقة الكهربائية المائية فان «ورد النيل» يشكل مخاطر على محطات توليد القوى الكهربائية المائية وعلى بوابات الخزانات وكذلك على اي منشآت مثل الكباري التي تقام في مجاري الانهار. وفيما يتعلق بآثار اعشاب النيل السالبة على الثروة السمكية بالانهار والمستنقعات ادى وجود الاعشاب في مجرى النيل الابيض الى نقص كميات الاسماك، اذ ان تكاثر نبات الهايسس وتشابكه بحيث يشكل غطاء نباتيا ممتدا على حيز واسع على سطح الماء يتسبب في حجب الضوء عن الاسماك وفي خفض كميات الاوكسجين المذاب بالماء مما يتسبب في عدم نمو الطحالب والنباتات المائية التي تتغذى عليها الاسماك مما يقلل من حجم الثروة السمكية او ربما القضاء عليها وهذا بدوره يقود الى ضرر اقتصادي حيث يحرم المواطنون الذين يعيشون على صيد الاسماك من هذا المصدر الهام للرزق والكسب لاسيما اذا كانت مهنة صيد الاسماك هي الاساسية في سبل كسب عيشهم، كما ان وجود الاعشاب منع من استعمال ادوات الصيد، البدائية مثل طعن الحراب ورمي الشباك. اما فيما يتعلق بعلاقة هذا النبات بصحة الانسان والحيوان وبالجراثيم الناقلة للامراض فان تكدس تجمعات نبات الهايسس تكون بمثابة مأوى ومرتعا للجراثيم الناقلة للامراض، مثل الناموس الناقل لمرض الملاريا والقواقع التي تعتبر الوسيط الناقل لمرض البلهارسيا، الى جانب الجراثيم التي تسبب الصفراء كما تلاحظ انها تشكل بيئة لايواء التماسيح والثعابين. كما ان تراكم الاعشاب على ضفتي النهر سبب نقصا ملحوظاً في كميات مياه الشرب للسكان المقيمين حول المنطقة، كذلك تحلل النبات وتعفنه يجعل المياه غير صالحة للشرب احيانا، مع ارتفاع تكلفة تنقيتها كذلك فان استغلال ضفتي النيل لاغراض الترفيه مثل السياحة والاستحمام واستعمال المراكب اصبح امرا غير ممكنا، وقد اثبتت التجارب ان استعمال مبيد الاعشاب 4،2، سبب الكثير من الآثار الجانبية اذ انه له رائحة منفرة كان انه صار سببا رئيسيا لموت وزوال كثير من الاشجار على الشاطيء. وبالنسبة لشبكات الري والصرف فانه اذا ما قدر لهذا النبات ان ينتشر في القنوات والترع والمصارف في المشاريع الزراعية فانه يعيق سريان المياه وتتكلف ازالته مبالغ ضخمة. طرق المكافحة استعملت طرق عديدة من المكافحة، الكيميائية، والميكانيكية، والمكافحة اليودية، والتشريع الى جانب المكافحة البيولوجية، وكانت المقاومة الكيميائية تتم عن طريق طائرات الرش الجوي في احباس مجاري روافد النيل الابيض المختلفة وذلك بعون الماني باستعمال مبيد P.D.4 كما ان المبيد كان يتم رشه اما عن طريق البواخر النهرية او عن طريق العربات بالقرب من الشواطيء علاوة على المكافحة الميكانيكية بقطع الاعشاب وتفتيتها وذلك بواسطة ماكينات منها ما يستعمل باليد ومنها الذي يحتاج الى طاقة للتسيير حيث تقوم هذه الماكينات بازالة الاعشاب في المجرى المائي ونثرها على الارض لتجف. الى جانب المكافحة اليدوية وهذه الطريقة عادة ما تتبع في مساحة صغيرة محدودة لازالة الاعشاب عن قنوات الري او مراسي السفن. ومن ناحية الاجراءات التشريعية فقد صدر قانون مكافحة نبات الهايسس، في عام 1960م والذي يهدف الى منع انتقال نبات الهايسس الى مواقع اخرى، اذ انه ممنوع بنص القانون نقل الاعشاب او اجزاء منها الى المناطق الغير المصابة وقد وضع القانون اساسا لحماية مجرى النيل الازرق وروافده، والمجرى الرئيسي لنهر النيل وروافده وقنوات الري في المشاريع الزراعية الكبرى، وقضى القانون بانشاء نقاط للمراقبة المستمرة وما زال ساري المفعول. المكافحة البيولوجية في عام 1975 خرجت ندوة اعشاب النيل في السودان التي نظمها المجلس القومي للبحوث بالتعاون مع الاكاديمية الامريكية للعلوم، بضرورة ادخال اسلوب المكافحة البيولوجية للحد من تكاثر اعشاب النيل. وبناء على ذلك وبعد عام 1977 قامت لجنة فنية من الخبراء السودانيين والاخصائيين في مجالات علوم النبات والحشرات باجراء تجارب علمية على خمسة انواع من الحشرات التي استجلبت من استراليا وتمت تربية هذه الانواع داخل المعامل تحت ظروف وامكانيات عالية الكفاءة ونجحت منها ثلاثة انواع ولذلك قامت تلك اللجنة الفنية باستخدام هذه الانواع الثلاثة في منطقة بور علي بحر الجبل وهي السوسة المبقرشة (Neochetima eichormiae) والسوسة المخططة (ييوكْا فٍيموكُمخ) وفراشة الاعشاب، وقد تكاثر منها النوعان الاولان وهما من الخنافس والتي اثبتت نجاحا كبيرا في مقاومة النبات اما النوع الثالث فلم يتكاثر بنفس الدرجة وهي من فصيلة الفراشة، وكان الاثر الواضح لاستخدام هذه المقاومة البيولوجية هو انها ادت الى اضمحلال القدرة الانتاجية لنبات الهايسس ولكن توقف ذلك البرنامج بعد بضع سنوات من بداية تنفيذه وكان بعون الماني وتوقف العون الالماني، ولم تبادر اي جهود دولية اخرى بالاسهام في المكافحة البيولوجية او غيرها. الشفاطات العائمة وكذلك اتخذت العديد من الاجراءات منها ازالة هذه الاعشاب المتكدسة بواسطة شفاطات عائمة وازالة الاعشاب في بعض المواقع بالطرق اليدوية ومراقبة العربات والمركبات للتأكد من انها لا تحمل اي اعشاب مهما كانت قليلة لتفادي انتقال اعشاب النيل الى داخل المشاريع المروية. اثار الحرب على المكافحة اما عن آثار الحرب على نبات الهايسس فانه كما هو معلوم توقفت اعمال المكافحة الجوية بالمبيدات الكيميائية وكذلك المقاومة الميكانيكية منذ عام 1983 مما ادى الى تكاثف انتشار تلك الاعشاب وشكلت في بعض المواقع سدودا مقاومة للتيارات المائية واثرت سلبا على الملاحة النهرية. استعمالات اعشاب النيل اجريت عدة تجارب ودراسات لمعرفة امكانية استغلال الاعشاب النيلية والاستفادة منها تجاريا الا ان نتائج هذه التجارب لم تطبق حتى الآن على نطاق واسع لوجود صعوبات عملية اهما هي المعادلة بين ما تسببه الاعشاب من ضرر وبين الاستفادة منها اما التجارب التي اجريت فقد كانت للاستفادة من الاعشاب في توليد الطاقة وذلك في انتاج البيوغاز من التخمير اللاهوائي للاعشاب حيث اجريت بعون الماني تجارب في اوائل السبعينيات لاستخلاص غاز (بيوغاز) عن طريق تخمير الاعشاب واضافة روث المواشي واغلاقه في خزانات محكمة القفل لانتاج هذا الغاز على نطاق محدود لاستخدامه في الطهي والاضاءة بلمبات صغيرة الحجم، وهنالك كذلك محاولات لتحويل الاعشاب الى فحم للوقود ولكن ثبت ان التكاليف باهظة مقارنة بتكلفة المتاح من الطاقة التقليدية. كما جرت محاولات لاستعمال الاعشاب كسماد للمحافظة على درجة حرارة ورطوبة التربة وزيادة انتاجية بعض المحاصيل، وهي تجربة تحتاج للحيطة والحذر والتأكد التام من عدم وجود بذور الاعشاب ضمن السماد المصنع. واجريت تجارب لاستعمال الهايسس كغذاء للمواشي والدواجن ووجد ان الاعشاب تحتوي على بعض العناصر الضرورية لاستعمالها كعلف للحيوانات الى انها تحتاج لعمليات معقدة اهمها تجفيف او تقليل كمية الماء وتحويله لعلف قابل للتخزين كما ان الاعشاب تحتوي على نسب عالية من الحديد والماغنسيوم والبوتاسيوم والكاليسيوم ولابد من احداث التوازن المطلوب بين هذه العناصر كما ان ذلك يتم بعد اضافة معاملات معينة لاستبعاد المواد السامة منه مثل الايودين ولكنها لم تكن مضمونة النجاح كما ان اعشاب المجاري الملوثة تساعد في انتشار انواع من البكتريا والفطريات المسببة للامراض. وقد توقفت كل تلك التجارب مع نهاية السبعينيات. اه