عمان ـ نينا حمزة: الآثار ارث الامم المتعاقبة وعنوان وجودها وارشيفها الحافل باصولها وعراقتها.. والاردن يزخر بالكثير من الآثار التي تعود الى حقب زمنية متعددة ممتدة من عصور ما قبل الميلاد عبر العصرين الحديدي والبرونزي مرورا بالعصور الرومانية، والاسلامية وانتهاء بالعصر الحديث. ومحافظة مأدبا «35 كم جنوب العاصمة عمان» خير شاهد لتلك الآثار الفريدة التي تحتاج الى مزيد من العناية والاهتمام.. «البيان» انطلقت الى مأدبا تكتشف ما لم يكتشف من هذه الآثار، فهناك الكثير مما لم يجر اكتشافه بعد ومن أهمها قصر القسطل وحصن المشتى، وعلى سبيل المثال كانت مواضع كثيرة من قصر القسطل مفروشة بالفسيفساء والتي تدل زواياها على وحدة فنية عبر عنها المبدعون والفنانون أبدع تعبير. ورغم أن بعض اعمدة القصر وارضياته قد خلت واخذت بعض اعمدته الى جرش وخاصة الاعمدة والتيجان لاستكمال معالم المدنية الاثرية والجزء الآخر من الارضيات والادوات وضع في متحف مأدبا الا أن تصاميمه وزخارفه مازالت متحفاً زاخراً يبهر زائريه بجمال مقتنياته. الثمد والوالة وذيبان في تلك المنطقة المنسية قامت عدد من الحفريات التي كشفت خفايا الوادي الذي يعود للحقبة النبطية وهي الى جانب ذلك تجاور وادي الوالة الذي توجد به خربة اسكندر التي تم فيها عدد من الحفريات الاثرية ولم يشار الى أهميتها من خلال يافطات او نشرات او الدعوة لزيارتها للتعرف عليها وكذلك الحال بالنسبة لآثار ذيبان، حفر مسلة ميشع الشهيرة التي احتواها اللوفر ولم تحتويها متاحفنا الاردنية ومما يجدر الاشارة اليه أن آثار عراعر وكونه في غياهب الجب دون ان يتعرف عليها احد ورغم الجهود المبذولة من وزارة السياحة والآثار في مجال التنقيب والحفر والترميم فاننا نؤكد هنا ما قد نفذته دائرة الآثار العامة من أعمال للتنقيب والترميم للعديد من المواقع الأثرية في المحافظة والمناطق التابعة لها بالتعاون مع بعثات الآثار المختلفة منها البنجيمية والكندية وغيرها. إضافة إلى أعمال التنقيب في منطقة وادي الثمد التي شاركت بها بعثة كندية قد أنهت أعمالها في العام المنصرم حيث تم اكتشاف غرفة البوابة الرئيسية لمدخل مدينة العصر المؤابي وأثارت المصادر ان جدران الغرف التي تم اكتشافها كانت محصنة تماما وطولها يقارب 105 أمتار اضافة الى انه تم التعرف على جزء من البرج المخصص لمدخل المدينة والمتربطة على جدرانها الخارجي بنظام دفاعي وقد وصف نقش الملك ميشع الكثير من المواقع التي تتبع مملكة مؤاب في عصره. أما الجزء الثاني من الحفريات التي نفذت تمثل موقعاً نبطياً يعود إلى «حضارة الانباط» قرب واد الثمد وتبين من خلال الحفر ان هذا الموقع يمثل حاووز جمع المياه وهذا النظام يمثل ابداعاً آخر حفظته الحضارة النبطية. وأبدعت به مهارة الهندسة المائية وقد نفذت أعمال حفر وتنقيب في كل من موقع خربة اسكندر واللاهون موقع الخربة الموجود قرب وادي الوالة والذي يعود للعصر البرونزي القديم كان من أهم المكتشفات لمدن هذا العصر والمتميزة بالأسوار والأبراج الدفاعية، ان أعمال الحفر والتنقيب في مختلف المواقع مستمرة على قدم وساق حيث أنه تم ترميم وتنقيب لقصر المشتى والقسطل وأم الوليد وأم الرصاص في لواء الجيزة والذي كان يعتبر بحق من أهم المواقع التي ترقب وترصد حركة القوافل العابرة على الطريق السلفاني «الصحراوي حالياً» ولازالت اطلال هذه الآثار ماثلة للعيان وما يتعلق في البقايا الباقية من الموقع الأثري في عيون الذيب الذي لم يخضع حتى الان لأعمال حفر وتنقيب. خطط مستقبلية ويشار هنا الى أنه ضمن الخطط المستقبلية لدائرة الآثار العامة خلال العام الحالي تضمنت هذا الموقع الذي تتصدره بوابة خشبية كبيرة وبناء لكنيسة قديمة ذات ارضية فسيفسائية يتخللها حجارة دائرية الشكل كبيرة الحجم يقال بأنها كانت طاحونة او معصرة زيتون لما عرف عن أهالي المنطقة من شغلهم بالزراعة وخاصة «أشجار الزيتون». اضافة الى مواصلتها اعمال الترميم في أم الرصاص ومنطقة المشقر، الماسوح ومشروع تطوير وسط مأدبا... ودعم المجلس البلدي لتنفيذه. وكل هذه الاعمال والخطط لم تعط المناطق المذكورة سابقا الصورة المرجوة التي نسعى اليها للاشارة الى دورها التاريخي والأثري ومردودها الاقتصادي على الاردن فيما لو تم استغلالها بالطريقة المثلى وفيما يتعلق بمدرسة مأدبا الفسيفسائية فان هناك فرقا كثيرة قامت بأعمال الحفر والتنقيب داخل المدينة وخارجها، ودلت اعمالهم على أن المدينة كانت محدودة في «منطقة التل» خلال العصور البرونزية والرومانية المبكرة ثم بدأ حجم هذه المدينة يتناقص بشكل مفاجيء رغم امتداده قبل ذلك نحو الشمال خلال الفترة النبطية والرومانية المبكرة، ولوحظ تناقص المدينة المفاجيء في الفترة الاسلامية وربما بعد القرن التاسع وما بقي من مأدبا اصبح متمركزاً على طول الشارع الروماني رغم وجود الكثير من المعالم الأثرية المترامية في شتى المواقع والتي ردمت نتيجة عوامل طبيعية، وهناك الكثير من المباني الحديثة قد شيدت فوق المباني الأثرية القديمة. الزحف العمراني فموقع مأدبا القديم «على مرتفع التل» وما يسمى «بالأكروبولوس» قد اختفت معظم معالمه لمساهمة الزخف العمراني بطمس معظم أبنيتها واروقتها القديمة حيث تفتقد مأدبا الى الأسوار والبوابات وملامح الشارع الرئيسي الذي ميزها في الحقبة التاريخية البيزنطية والرومانية وقد وضعت خطط لإعادة ترميم المباني القديمة الباقية بالتعاون مع البعثات الأثرية المتخصصة في إعادة الترميم واكتشاف مواقع جديدة برجوعهم الى الخارطة المشهورة والمرجوة في الكنيسة وسط المدينة بالاضافة الى الخرائط والمخطوطات التي يجهزها المركز الجغرافي الملكي لشتى المواقع الأثرية ومن الأهمية بمكان الاشارة الى أن هناك فريق عمل وطنياً متخصصاً مكوناً من مهندسين ومعماريين وبنائين ومبدعين في فن العمارة وعلى قدر كبير من الخبرة التي اكتسبوها من خلال العمل الدؤوب في أكثر من موقع يرافق البعثات الاجنبية المختلفة. ومما يجدر ذكره أن دائرة الآثار العامة تثمن لبعض المراكز الثقافية والاجنبية الدعم والتمويل لإعادة ترميم هذه المباني والبقايا التراثية التي تعتبر من الكنوز الفريدة من نوعها وخاصة طلاب مدرسة الفسيفساء الذين قد ساهموا في أعمال الترميم للارضيات الفسيفسائية الفريدة وذلك بفضل التدريب والتأهيل الذي تتميز به هذه المدرسة الفريدة من نوعها في المنطقة حيث أن بعض البعثات تتعهد بتمويل اعادة ترميم المواقع المكتشفة، وهي الآن بصدد تأكيد ذلك من خلال التصاريح التي تمنح لهم بالتنقيب حيث تعمل دائرة الآثار على اشتراط ذلك ومن خلال المتابعات المتكررة فقد لوحظ ان بعض المواطنين من سكان مأدبا لا يدركون القيمة للارضيات الفسيفسائية، وبهذا فان الدائرة تشدد على ضرورة تبليغ الآثار عن أي اكتشاف غير مخطط له خلال أعمال البناء الحديثة. واذا علمنا أن هناك نشاط في مجال البحث عن الذهب فان هذا يتطلب البحث والتشديد عليهم والرقابة التامة والعمل على توفير الحماية اللازمة لهذه المواقع الأثرية، خاصة أن داخل المدينة الفسيفسائية مأدبا وضواحيها الكثير من الدلائل التاريخية والاثرية التي تشير الى وجود مناطق مأهولة منذ العصر الحجري الحديث في محافظة مأدبا وقد تجلت في اكتشاف وادي الموجب الاثري اضافة الى العصر الحجري المعدني / النحاسي «مسوحات جبل نيبو حتى الرامة وتليلات الغسول» والعصر البرونزي «مدينة مأدبا، اللاهون» والعصر الحديدي. «منطقة مأدبا ـ ذيبان ـ جبل نيبو» وما عرف عن العصر المؤابي ثم ما تعاقب على منطقة مأدبا من الأنباط والرومان والبيزنطيين والعرب المسلمين. ان الموقع الاستراتيجي الهام لمحافظة مأدبا يمتد من المشقر شمالاً الى وادي الموجب جنوباً، ومن البحر الميت غربا حتى وادي الحبيس شرقا وتقع على مساحة 1069كم ويقنطها حوالي «135» نسمة والتضاريس في المحافظة تتفاوت ما بين اراض منخفضة «وادي الاردن» شاطيء البحر الميت، الزارة وماعين واراض جبلية تقع ضمن مناخ البحر الابيض المتوسط المعتدل مثل حسبان، مأدبا، مكاور وذيبان ومناطق اخرى شبه صحراوية مثل أم الرصاص وأم الوليد. مقومات السياحة وحول مقومات السياحة في منطقة مأدبا قال أبو شميس ان الاختلاف التدريجي في التضاريس والمناخ والجمال الطبيعي في «ماعين مكاور ـ صياغة ـ الوالة ـ الزارة» من أهمها اضافة الى التراث الحضاري الزاخر فمثلا كانت ذيبان عاصمة مؤاب في القرن التاسع قبل الميلاد ومأدبا مدينة ذات مركز اداري استعفي في العصر البيزنطي مشيراً انها مركز مهم في السياحة الدينية لما تمثله كنيسة سان جورج للروم الارثوذكس والتي تحتضن خريطة الارض المقدسة الوثيقة التاريخية التي صممت بالفسيفساء على يد فنان مادبي يدعى سلمانيوس وما تحويه المدينة من كنائس وابنية تراثية تعود بالزائر الى العصور المتعاقبة عليها وتجدر الاشارة الى ما تضمه منطقة جبل نيبو / صياغة مقام النبي موسى عليه السلام، ومجمع استيفان الكنيسي في أم الرصاص حيث يتم تصوير مدن العالم المقدسي بذلك الزمن اضافة الى مقام سيدنا يحيى عليه السلام «يوحنا المعمدان» في قلعة مكاور الأثرية الشهيرة حيث روى التاريخ أنه قتل هناك وقدم رأسه على طبق في احتفال حضره العديد من الحكام والولاة في بداية العصر الروماني أثرت السياحة الترويحية العلاجية في الزارة وشاطيء البحر الميت وجبل نيبو والمنطقة المشرفة على فلسطين المحتلة ومنطقة الوالة والهيدان وحمامات ماعين التي اعتبرت من المناطق الجاذبة للسياح وعرفت منذ القدم باستقرارها وهدوئها الذي يجذب الزوار اليها. وحول أبرز المشاكل التي تواجه قطاع السياحة. فإنه يجب العمل على ربط المواطن المحلي بالبيئة الحضارية ويتطلب هذا رفد النهضة التوعوية الحضارية بين السكان المحللين ليصبح الاهتمام بالموقع الاثري الحضاري جزءاً من المواطن العادي يعود عليه وعلى بيئته بالنفع وبذلك تصبح حماية الموقع هماً وطنياً قبل ان تكون هماً رسمياً ولا ننكر بأن قلة الخدمات السياحية المتوفرة في المنطقة تؤثر سلباً على الحركة السياحية فمثلاً وجود فندق سياحي في ماعين واستراحة سياحية في مدينة مأدبا فقط لا يكفي اضافة الى ان الخدمات السياحية المتوفرة لا تتواكب مع الاجواء المواتية للسياح القادمين من الخارج ويجب عند انشاء الخدمات السياحية ان يراعى الحس البيئي والاسعار المناسبة والنظافة العامة والمرافق الصحية والمعلومات الارشادية للمواقع الاثرية والمتحف والتي مازالت محدودة جدا لعدم وجود مرشدين «والمقصود هنا ما يتعلق بالسياحة الفردية» اضافة للنقص الحاد في المعلومات الاحصائية التي تعتبر العامل الرئيس في الارشاد والتطوير وإشارة الى عدم وجود اقليم / منطقة سياحية متكاملة تخص مأدبا ليكون هناك مبرراً لإقامة الزائر فيها كان يجب العمل على تحسين البنية التحتية خاصة فيما يتعلق بشبكات الطرق وفتح منافذ الى الاماكن السياحية المختلفة للتسهيل على الزوار. تشجيع الاستثمار السياحي مع ضرورة العمل على ابراز الدور الاجتماعي لتحقيق رغبة لدى المواطنين للانخراط في الحقل السياحي بكافة فروعه اضافة لتوجيه الصناعات السياحية لتكون ذات صبغة محلية مثل البسط المادبية الشهيرة معرباً عن امله ان تكون هناك نظرة العاملين في قطاع السياحة من أهالي المنطقة وهذا قد يؤدي بشكل مباشر في المجتمع المحلي من خلال تفعيل البيئة المحلية وتطوير المواقع وترميم وصيانة المباني القديمة وإعادة الحياة لبعض المواقع القديمة المغلقة بسبب هجرة اهلها او استبدالها بمباني حديثة ومما يجدر ذكره ان محدودية الاستثمار سببه عدم وجود خطة ترويج سياحي داخل المنطقة حيث انه لابد من ان يكون القطاع السياحي مكملاً لبقية القطاعات الاخرى وليس مبنياً على حسابها وذلك بتطبيق قانون تشجيع الاستثمار لاقناع المستثمر بجدوى المشاريع السياحية في هذه المنطقة الاثرية الهامة. من هذا نستنتج ان الاطار العام لمشروع تطوير داخل مدينة مأدبا من خلال الدراسة التي تم تنفيذها سابقا عام 1991 ـ 1995. وما سيجري تنفيذه عام 2001 تمثل في عدة مراكز هامة داخل المدينة مثل محمية الاثار / متنزه الآثار ويحوي هذا الموقع المنطقة التجارية وسط المدينة والهدف الاساسي هو حماية الموقع وتطويره لوجود عدد من البيوت المهجورة او المتساقطة داخل مركز المدينة.. وإقامة بناء تقليدي «من الحجارة القديمة التي كانت مستخدمة في المباني التراثية / بداية القرن العشرين الميلادي» وذلك لتوفير مظلة حامية للوحات الفسيفسائية الموجودة في مكانها الاصلي. ومن أهم الامور التي تشملها الدراسة وجود الشارع الروماني يعزز من اقامة هذه المحمية التي يتوسطها، وقد أخذ بعين الاعتبار دراسة شبه الاتصال داخل السوق التجاري بحيث: أخذ المشروع باعتباره طريقة وصول السكان المحليين وذلك بالسماح لهم بالمرور من المنتزه وليتم التواصل بين السكان وتراثهم الحضاري حيث ان هذا الاتصال المباشر للناس بالموقع المحمي سيعزز مكانة هذا الموقع وأهميته بالنسبة لهم وسيدفعهم الى ارشاد الزائر بصورة تلقائية، ولتحقيق هذه الغاية لابد من ايجاد منطقة خضراء للتهوية ولأحداث وسط جديد بين مباني الحي القديم لهذا كان لابد من وجود مدخل رئيسي بحيث يحوي هذا المدخل مركز معلومات للزائر «منطقة بيت بجالي». مدرسة للفسيفساء ولقد أقيمت ايضا مدرسة للفسيفساء ضمن هذا المتنزه لتدريب الحرفيين والمرممين ويمكن للزائر ان يطلع على عمليات الترميم مباشرة خلال زيارته «للجناح الشرقي للشارع الروماني». حيث انه وبعد الانتهاء من زيارة المتنزه الذي مازال بمثابة جناحين يؤدي الجناح الغربي منه الى كنيسة الروم اعلى التل الاثري ثم الى مركز الزوار الذي تم انجازه حديثاً، وعلى ان تصبح هذه الشوارع المؤدية الى هذه المحمية الاثرية مغلقة امام حركة المركبات مشيراً انه قد تم وضع مخططات هذه الدراسة ممثلة بوزارة السياحة والآثار والوكالة الامريكية للتطوير والتنمية وهي الممول «ةءسص» والمركز الامريكي للدراسات الشرقية «ACOR» مشارك في التنفيذ ومعهد الآباء الفرنسيسكان للاثار / جبل نيبو ئس مشارك في أعمال الحفريات الاثرية وترميم الفسيفساء في تقوية الارضيات الفسيفسائية وترميمها بشكل فعال وتطوير مدينة مأدبا سياحياً لتكون نبعاً لا ينضب لدعم الاقتصاد الوطني لاستقطاب الزوار اليها من خلال تشجيع الاستثمار فيها وتحويلها الى نقطة جذب سياحي متميزة في الاردن.