بيان الكتب: تطرح الباحثة المصرية عزة عزت في هذا الكتاب جملة من الاسئلة عن الشخصية المصرية المعاصرة، لتتبين اثر الحداثة والمتغيرات السياسية في تغيير انماط السلوك الاجتماعي والثقافي داخل هذه الشخصية التي اتسمت عبر تاريخها الطويل ، باستقرار وثبات في القيم والفضائل، ولكن الحراك الاجتماعي الجديد وخصوصاً خلال الثلاثين سنة الماضية ادى إلى احداث جملة من التشوهات التي طالت الروح قبل اللغة. هزيمة يونيو التي كسرت كثيراً من الاحلام، الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات الذي اعاد رسم الخريطة الاجتماعية المصرية ببروز فئة رجال الاعمال، والهجرة إلى الخارج، وما استتبعته هذه الهجرة من تغيير لانماط الاستهلاك، وارتفاع معدلات التضخم.. كل ذلك سيحدث انقلاباً خطيراً في منظومة القيم، حيث سيتجه الشباب إلى المظهرية والقيم الشكلانية، وسيفتقدون روح المبادرة والمغامرة، الأمر الذي سيدفعهم للاستعجال في بلوغ الأهداف وتفضيل الحلول السريعة، هذا بالاضافة إلى خفة السلوك وافتقاد الجدية، وظهور اتجاه واضح بينهم نحو العدوانية والتسلط، الذي ربما يعود إلى عدم شعور هؤلاء الشبان بالعدل والامن، أو لشعورهم انهم مهدرو الحقوق والفرص، ولذلك كانت ردة فعلهم قوية تجاه كل ما يمت بصلة إلى المال العام والخدمة العامة، وتغطية هذه السلوكات بالنفاق الاداري والسياسي والمسايرة الظاهرية وممارسة الوشاية والنميمة، وانتشار الفساد وغير ذلك من الخراب الذي ساد فجأة، مما يبعث على التساؤل والحيرة على حجم ونوعية هذه التحولات التي غزت الشخصية المصرية. وإلى ذلك فإن الباحثة سوف تستشهد بالعديد من كتاب الزوايا في الصحافة من المثقفين والادباء واساتذة الجامعات والمعنيين بالشأن العام، الذين دقوا ناقوس الخطر عالياً لخلل واضطراب الشخصية المصرية ومعاناتها من جملة من التحولات المعقدة والمتجهة بها نحو فضاء السلب بدلاً من الايجاب الذي كانت تعتز بفضائله، بل ان الادهى والامر من كل ذلك هي حالة الادعاء والفشخرة والفهلوة والتباهي بممارسة الفوضى بدلاً من النظام، والامر من كل ذلك هو تدني مستوى اللغة العربية والجهل الفاضح في المعلومات العامة، وهو أمر يفضي بالضرورة إلى قراءة نواتج النظام التعليمي المصري، وتلمس مستواه ونتائجه على المستوى الاجتماعي، حيث يضطرب الشباب فيهرب اماماً بأحد اتجاهين: الديسكو وصالات الرقص، أو اطلاق اللحى، فأفضى كل ذلك إلى العنف وزيادة نسبة الجريمة وتجاوز القانون ومخالفة اللوائح. وتتساءل الباحثة عن امكانية العودة بالشخصية المصرية إلى سابق عهدها بالسمات الاصيلة الجميلة، ومن ثم تجيب عن سؤالها بأن ذلك صعب، ولكنه ليس مستحيلاً، لان صناعة البشر وتنميتهم والنهوض بهم أمر ممكن، وخاصة «اذا كنا بصدد شعب اصيل كالشعب المصري الذي قد يحسبه البعض شعباً بسيطاً واحياناً جاهلاً.. «ولكن هذا الشعب البسيط الطيب ما يلبث ان ينتفض ويعود إلى الحياة كطائر النار، وقراءة بسيطة للتاريخ تؤكد ذلك». جماليات العامية المصرية تتجه الباحثة في هذا الفصل إلى قراءة اللغة الشعبية المصرية من خلال الامثال العامية التي عكست قيم وتقاليد الاجيال الماضية، ووجهة النظر حيال المواقف اليومية، كما عكست في الوقت نفسه حكمة الشعب وفلسفته في عبارات سهلة الحفظ والتداول لاتسامها بالواقعية والدقة في التشبيه والكناية رغم كونها لهجة عامية منطوقة، وليست مكتوبة، فتعبر عن ذلك قائلة: «عبارات فيها الكثير من الثراء اللغوي، الناتج عن النحت والاشتقاق من لغات اخرى وثقافات اخرى قريبة منا، او ممتزجة بنا عن طريق الجوار او الترحال..»، وإلى ذلك فإنها ستعزو هذا الثراء اللغوي إلى حالة ميتافيزيقية أو غير موضوعية.. إلى مزاجية الشعب المصري «الحريفة»، وليس إلى اسباب موضوعية بعينها يمكن الوصول اليها عبر الدراسة، ومن هنا فإن المزاجية هذه ستغدو حالة خاصة تفرز ثقافتها من خلال الامثال والمصطلحات والمجاز اللغوي لكي تعبر عن الذات والعالم، فتقول في هذا الصدد: «فاذا كانت السمات السائدة الآن هي: المادية، والانامالية، والسلبية، والتنطع، والتسيب، والفهلوة، والقدرة على خلط الاوراق.. فلا شك ان القريحة المصرية قد عبرت عن ذلك خير تعبير.. ومازال المصري يصف كل ذلك بايجاز معجز، فنجده يصف المفردات المالية بصفات تتضح فيها روحه الفكهة كالقول: لحلوح، اوبيج، استك، ارنب.. وما اليها». ويذهب الحماس بالباحثة المتتبعة للمصطلح الشعبي المصري إلى ان ما تنطوي عليه هذه اللغة من مسلمات ذات دلالة «يندر ان نبدها بهذه الدقة في اي حاسية اخرى عربية او لاتينية..» واعتقد ان هذا الحماس سيبخس من امكانيات الشعوب العربية الاخرى، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر و«موسوعة حلب المقارنة» للعلامة خير الدين الاسدي «b»، ولن تتمكن الباحثة من الكشف عن مصادر هذا الثراء كما فعل الاسدي، وربما لان الحاجز اللغوي حدّ من تتبع المصطلح في اللغات الدخيلة على اللغة المصرية، سيما وان المنطقة العربية تضرب بجذورها عميقاً في التاريخ، وقد طورت ادواتها التعبيرية لكونها منطقة تفاعل حضاري بدأ منذ ايام الفراعنة والفينيقيين والسومريين وغيرهم، ثم ما تلاهم من تداخل بين أنظمة لغوية وفدت المنطقة مع انتشار الاسلام ووصول شعوب اخرى والتأثر الذي طال النظام اللغوي، ومن هنا فإن الباحث في هذا المجال يحتاج إلى دعم مؤسساتي كبير لكي يتمكن من انجاز بحثه على الوجه الاكمل، وخصوصاً في الجانب المتعلق باللغات الاخرى: «التركية، الفارسية، الكردية، الشركسية..» وهي شعوب جاءت مصر وبلدان عربية اخرى فأثرت وتأثرت، وبالتالي فإننا سنلتمس، على سبيل المثال، في الجدول الذي نسبته إلى الالفاظ الفارسية الاصل كثيراً من ألفاظ هذه الشعوب التي ذكرناها آنفاً. الدراسة التطبيقية في الدراسة التطبيقية ستسعى الباحثة إلى التعرف على طبيعة الشعب و تركيبته النفسية والعقلية من خلال ثقافته المنعكسة في الممارسة اللغوية، وستعتبر ان هذا هو مفتاح الوصول إلى العقل الجمعي للشعب، وهو أيضاً الذي سيقود الباحثين للوقوف على الملامح المعبرة عن الشخصية، وخصوصاً مع نمو طبقات جديدة، تتسم بالانفلات والتسيب بما يشكل خطراً حقيقياً يطال هذه الشخصية بشكل حاد وله صوت مسموع في كل مكان: في الشارع، المواصلات العامة، الاندية والتجمعات، المدارس والجامعات.. صوت له مفرداته ومصطلحاته الدالة على قيم اصحابه وقناعاتهم وعلى سماتهم النفسية، وإلى ذلك فانها في دراستها التطبيقية سوف تتناول النظام البلاغي للغة الشعبية وفق ما يأتي: أ ـ التشبيهات الشعبية، فتورد نماذج لهذه التشبيهات وتوضح دلالة كل تشبيه من مثل: زي الديوك، قاعد زي القط، ماشي زي الرهوان... الخ، ثم تبدأ بتسجيل ملاحظاتها التي تتعلق بالتركيبة اللغوية، وبالمضمون، وبنائية التشبيه، ومدى دقته، وايجازه وبلاغته من مثل: «زي عواجيز الفرح ياكلوا ويتنقوروا». ب ـ الاستعارات والكنايات الشعبية، بما تقدمه اللغة من صور مجازية تتمثل بالاستعارات والكتابات تحمل معها روح السخرية الدالة عن عدم الرضا او السخط وغير ذلك، من مثل: «دايرة على حل شعرها»، «ياما جاب الغراب لامه»، «على رأسه ريشة»، أو تحمل روح الزهد والتقشف من مثل: «ميت بالحياة»، «مالوش نفس» أو سلاطة اللسان من مثل: «مسحوب من لسانه»، «لسانه متبري منه» وغيرها.. ج ـ المصطلحات الشعبية، أو ما يمكن تسميته باللغة المجازية الذي تعبر عنها الفاظ ذات دلالة، وترى الباحثة ان هذه المجازات لا تقل عن الكناية الفصحى في البلاغة والدلالة، فمنها ما يدل على ذكاء المصري وفطنته، ومنها ما يدل أيضاً على تمكنه من التصوير الفني اللغوي، واختيار الالفاظ الموحية بالمعنى المطلوب، سيما وان هذه الصور والاخيلة التي تحملها المصطلحات الشعبية تنبثق عن قصة او سبب، لكن القصة نسيت بالتقادم ولم يبق منها إلا المصطلح الذي قد يحرف من منطقة لاخرى لأسباب عديدة يقتضيها الظرف، ولكنها في العموم تصف حياة الشعب، فتصنف هذه المصطلحات في موضوعات، وكل موضوع له مصطلحاته الخاصة، كالمباشرة والاستمرارية، او المصلحة من مثل: «دوار على ميتك تسخن»، «مالوش في الطيب نصيب»، أو العصبية والشجار واستخدام القوة: «بينهم ما صنع الحداد»، «تفرش الملاية»، يأخذ حقه بدراعه» أو الغضب والكراهية: «سم هاري»، «ملعون أبو الدنيا» وتتبع الباحثة مئات المصطلحات، فتقف عند كل مصطلح مفسرة وشارحة. د ـ الأدعية الشعبية، وهي ما يتبادله الشعب في احاديثهم اليومية من دعوات يذهب اغلبها في الخير دلالة على الطيبة والود والمجاملة، أو ما يطلقه المصري على من يعاديه أو يقهره ويظلم، أو تلك التي تتداول على ألسنة الناس على سبيل المزاج أو السخرية، وترى الباحثة ان هذه الاخيرة تعتبر من اطرف الدعوات الشعبية لما فيها من بلاغة، ومن امثلة الدعاء بالخير: «عوضنا عوض الصابرين يارب»، «يفتحها في وشك ربنا»، «ربنا ما يجعلنا من قطاعين الأرزاق»، «كفارة» ومن امثلة الدعاء بالشر: «الاهي تروح في ستين داهية»، «الله يجازي اللي كان السبب»، «اشوف فيهم او فيكم يوم»، ومن الادعية المازحة: «خلصت روحك من لوحك»، «يشفي الكلاب ويضرك»، «ربنا يشحتف قلبك»، «كبة تشيلك» وغيرها. هـ ـ الاقوال المستحدثة، وترى الباحثة ان امر الاقوال المستحدثة لا يعود إلى جيل بعينه، وانما هو عادة مصرية يمارسها كل جيل، وفقاً لمتطلبات العصر وظروفه، وقد تدوم اذا بقي الاحتياج اليها للتعبير عن مواقف مشابهة، لان ما يشحذ خيال المصري ويحرك لسانه هو الظواهر المجتمعية الصارخة والقضايا الملحة التي تطلق خياله الخصب للابتكار الساخر ولروح الفكاهة، فتتعدد مصادر التكنية وستعبر في غالبيتها عن الفساد والفوضى من مثل: «بقت ميغة»، «هردبيس»، «قلبها أو خلاها ضلمة» أو عن الرشوة من مثل: «ابشبشك»، «شخشخ جيوبك»، «اديها ماية تديك طراوة»، او عن نهب المال العام من مثل: «هبر»، «هليبة»، «يغمة» أو عن النفوذ والسلطة: «وراه ناس تأكل الزلط»، «معندوش يامه ارحميني»، او عن القهر والبطش من مثل: «لوي دراع»، «خسف به الارض»، «يلعبه على الشناكل» أو عن السلبية والتجاهل من مثل: «اشتر دماغك»، «افقد الذاكرة»، «اركنها على جنب»... وغير ذلك. كتاب مهم ويعتبر مرجعاً مهماً في تتبع سلوكيات الشخصية من خلال اللغة المحكية. عزت عمر