بيان الكتب:«العلمانية» مصطلح أثار جدلاً وصراعاً منذ فجر النهضة، بشكل لم يثره اي مصطلح آخر.. حتى غدت ثنائية العلماني والإسلامي اكثر تداولاً، والاثنان يرعيان احتكار الحقيقة وحيازة المعرفة، فوصل الامر الى تحجر في المفاهيم، وتمايز في المواقع، وتكلس الرؤى.وعبر سجال فكري حواراتي حول العلمانية، اصدرت دار الفكر في دمشق كتاباً حديثاً، حوى حوارية تحت عنوان «العلمانية تحت المجهر» لاثنين من كبار المفكرين العرب، هما د. عبدالوهاب المسيري ود. عزيز العظمة. والقاريء للكتاب يخرج بالتالي: المناظرة بين الاثنين لم تتمخض عن جديد يذكر، بأن المتحاورين يمثلان تيارين مستقرين منذ عقود من الزمن. د. عبدالوهاب المسيري رافضاً العلمانية، باسم الاصالة والهوية الاسلامية وخصوصيتها، ود. عزيز العظمة الذي يرى العلمانية مطلباً أساسياً، ومفتاحاً لحل مشاكل واقعنا الراهن.المسيري بأفكاره «الإسلامية المتنورة»، طرح فكرة العلمانيين وعرفها كالتالي: علمانية جزئية، وعلمانية شاملة، والجزئية هي التي تتلخص في مقولة فصل الدين عن الدولة، اذن هي رؤية جزئية للواقع، لا تتعامل مع ابعاده الكلية والنهائية، فهي لا تتسم بالشمول، وهذه العلمانية لا تنكر بالحتمية وجود المطلق، والكلي من الاخلاق وربما الدين. ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية، او اخلاقية ثابتة..! واما العلمانية الشاملة، فهي عند عبدالوهاب المسيري، رؤية شاملة للعالم، ذات مكنون معرفي، كلي ونهائي، تحاول بكل قوة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات، بكل مجالات الحياة، مع رؤية عقلانية مادية، تدور في دائرة المرجعية التي ترى في العالم مادة واحدة، لا قداسة لها، ولا هدف لحركتها الدائمة والعلمانية بهذا المعنى عند عبدالوهاب المسيري، ليست مجرد فصل الدولة عن الدين، وانما فصل كل القيم الاخلاقية والانسانية والدينية عن البشرية كلها، عن تراثها الديني الشامل لكل الاديان. ويؤكد بأن العلمانية الشاملة هي صورة جديدة للامبريالية، فالعلمانية هي النظرية والامبريالية التطبيق. فالعلمانية حالة اختزالية، لروح الانسان ولبعده المادي فصارت هي المعنى الوحيد، لوجوده، ولبحثه عن منفعته المادية، حصراً..ثم يؤكد ان العلمانية فور دخولها كمفهوم نظري، افرزت نتائج تعاكس الجو الذي انتشرت فيه، ووصل الانسان في ظلها الشامل، إلى حالة من عدم اليقين، وبالتالي الضياع والاحساس بالاغتراب، لا سيما ان القواعد الاخلاقية والقيم الناظمة قد زالت تماماً، بعد ان عمت النسبية كل نواحي الحياة. ويؤكد المسيري اراءه، بأن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة، ويلتزم بنصوص الدستور المعبرة عن ذلك، يصبح من حقه ان يكتسب الشرعية، وينسحب ذلك على كل فصائل العلمانية، المعتدلين اما المتطرفون منهم، والمخاصمون للأديان، فلا مكان لهم في اطار شرعية نصوص الدستور. اما عزيز العظمة، فيرى في العلمانية بأنها ليست مجرد فكرة فقط، فالتحولات التاريخية الدافعة لحتمية التطور البشري، ومنها الفكري، الذي افرز العلمانية، امر لا مناص منه، ومؤشرات العلمانية العربية تأتي من تاريخ عالمي للحداثة قد لا يكون حتمي الوجهة في بدايته، لكنه واقع في فعله، وهو تاريخ ادى لانقطاع في المسار التاريخي عند العرب، وهذا الانقطاع أدى إلى وقفة زمنية جامدة، أدت مع السنين إلى اتخاذ تاريخ حديث ذي حركة جديدة عند العرب، بدأت مع بدايات عصر النهضة منذ القرن التاسع عشر. فالعلمنة ليست خياراً ايديولوجياً، بل هي واقع تاريخي مؤطر بالموضوعية الحتمية والعالمية الانتشار لهذا المصطلح. ومن يطرح فكرة غربة العلمانية في مجتمعاتنا العربية الاسلامية والمسيحية، هم مبالغون، في التركيز على مقولة «الاختلاف»، هذه المقولة التي يطرحونها كمحور رئيسي متفرد لمسيرة التاريخ، مغفلين عيونهم عن عناصر التشابه والاتصال والمشاركة. وان الطروحات التي تناولت مسألة الهوية، اتسمت بالبساطة والتحجيم، علماً ان موضوع الهوية بالغ التعقيد، ومقولة: «لكل مجتمع هوية حصرية واحدة، قائمة على اصول بيولوجية واحدة، ليس وصفاً لهذا المجتمع، بل هو طرح لمشروع سياسي مؤدلج، يحاول الاستحواذ على هذا المجتمع، باسم الهوية. ويركز عزيز العظمة على ظهور العلمانية، كقضية اجتماعية وفكرية وسياسية وعلى هجوم التيارات الدينية، ومحاربتها للواقع العلماني، على اعتباره مصطلحاً مناقضاً لها. وفي الخاتمة: يؤكد العظمة على استمرار العرب في سياق العلمانية بأنه استمرار لتاريخنا الحضاري، متمثلاً بالدولة التنظيمية، عبر مؤسساتها ودورها الوطني التحريري التي عملت على تحويل مجتمعاتنا من القبلية العشائرية الى المجتمعات ذات الشكل المدني المتطور. وضاح محيي الدين