بيان الكتب:اتسعت الاراء حول من يؤيد الخصخصة او من يقف ضدها، وكثر النقاش حولها. خاصة وان معظم الدول النامية ومنها العربية تخضع مؤسساتها ومنشآتها الصناعية والخدمية والانتاجية لسيطرة القطاع الحكومي اي العام، ويعرف الدكتور آدم مهدي احمد الخصخصة «بأنها انتقال عمل ما، كلياً او جزئياً من القطاع العام الى القطاع الخاص بما ينطوي على ذلك من اعتماد متزايد على فعاليات القطاع الخاص وقوى السوق سعياً لتحقيق الاهداف الاجتماعية، وتمثل الخصخصة في مفهومها المتطرف جهداً واعياً من اجل تقليص الجهاز الحكومي ومن اجل تطبيق حدود مسئولية الدولة». والكتاب الذي نستعرضه، الموسوم «الخصخصة في الدول النامية» للباحث الدكتور آدم مهدي احمد، وهو احد الاخصائيين في الاقتصاد والتجارة والتخطيط، يأتي في الوقت الذي تفكر به العديد من دول العالم الثالث الى التخلص من التزاماتها واداراتها للكثير من مسئولياتها، وهي ظاهرة سياسية خاضعة للدراسة والتحليل، وهو ما وجدناه في هذا الكتاب الذي نستعرضه. في الفصل الاول يحدد الكاتب أهداف واهمية الخصخصة، بدءاً من اهداف البرنامج القومي، وانتهاء بمقومات نجاح البرنامج القومي للخصخصة. والذي يرى الباحث ان يكون هناك برنامجاً متكاملاً للاصلاح، وخلق سوق قوية لتنشيط الاوراق المالية مع توافر القانون والتشريع والاهتمام بالبنية التحتية الاساسية والمرافق المهمة بما يضمن نجاح ابعاد البرنامج الخاص بالخصخصة. ثم يخصص المؤلف الفصل الثاني لدراسة الاقتصاد القومي وتوجهاته نحو النشاط الخاص، ويبدأ بتعريف نظام اقتصاد السوق الحديث وكيف ظهر نظام اقتصاد السوق الحديث، وتجديد دور الدولة في ظل نظام اقتصاد السوق الحديث، ويصل الى قناعة بقوله «ان الخصخصة لا تشكل فلسفة اقتصادية لأن الفلسفة المتبعة هنا هي فلسفة اقتصاد السوق، وان الامر يتطلب السعي نحو توسيع رقعة النشاط الاقتصادي الخاص على حساب تضييق رقعة النشاط الاقتصادي العام وتقليص دائرة تركاته والحد من دوافع نموه». اطلق الدكتور آدم مهدي عنواناً فضفاضاً على الفصل الثالث وسماه «ادبيات الخصخصة» ويقصد به التطرق البحثي للخصخصة بشكل عام، وتعريف الخصخصة ومفهومها، ودوافعها، واساليبها، وتأثيراتها، ومن ثم استراتيجياتها، وهنا يطرح الخصخصة الواقعية، والخصخصة المرحلية او ما يسميها التكتيكية، ومن ثم الخصخصة البنيوية، وبناء مفهوم المصالح السياسية ثم يطرح صوراً مختلفة لانواع الخصخصة الا انه يجد ان جميع انواعها تلتقي عند «زيادة مشاركة القطاع الخاص في ملكية وادارة وتحويل انشطة او مؤسسات القطاع العام، ويختلف مستوى المشاركة من حالة الى اخرى مما يتيح لصانعي القرار فرصة الاختيار بين مجموعة البدائل لتشكل صيغة معينة لخصخصة تناسب الحالة وتخدم الاهداف المرجوة من الخصخصة. الفصل الرابع مخصص لدراسة مفاهيم الاساليب المتبعة لتقييم الشركات والمؤسسات المراد خصخصتها، والحاجة لتوضيح الاساليب وتقييم الاعمال والادارة والقيمة السوقية للمشروعات الى اخره من التفاصيل ذات العلاقة بالمساق العام للفصل. في الفصل الخامس نقرأ اثار الخصخصة على الاقتصاد الكلي، وعلاقة الدخل والعجز في الميزانية، ومظاهر التضخم، وخيارات التنمية، والاحتكار والعمالة، والاثار الاجتماعية التي ستظهر نتيجة سيطرة القطاع الخاص على البنى الخدمية اذ يجد الباحث ان الخصخصة «تفتت الاشكال الهرمية للادارة وتغير في خطوط السلطة والمسئوليات ونعدل في اسس الترقيات والتعيين والصلاحيات. ومن الناحية الاجتماعية فإن الخصخصة ينظر اليها بارتياب شديد من مجموعات المجتمع والمجتمعات صاحبة المنفعة، وتثير شكوكاً كما يحدث مع كل جديد». الفصل السادس والاخير استعرض الباحث الدكتور ادم مهدي احمد الخصخصة في البلدان النامية، حيث يقدم دراسة منفصلة عن عدد من البلدان النامية سبقها بدراسة احصائية عادة للبلدان التي خضعت لنظام الخصخصة خاصة دول اوروبا الشرقية، والسوق الاوروبية، ودول امريكا اللاتينية، ودول شبه الصحراء الافريقية، والدول الاسيوية والعربية ايضا. ومن الدراسات المفصلة عن الخصخصة في الدول النامية نقرأ دراسات عن الخصخصة في كل من «تنزانيا، البرازيل، ماليزيا، جمهورية مصر العربية، تونس، السودان» وللمؤلف رأي في الخصخصة واثارها العامة والخاصة على البلدان التي تطبقها، وقد قدم في نهاية بحثه عن الخصخصة في السودان رأيه بصراحة مؤكداً على الاثار الاجتماعية والاقتصادية التي تركتها التجربة اضافة الى الاثار السياسية، اما عن الدول النامية الاخرى فيقول «الوضع لن يكون احسن حالاً من السودان، نمت الخصخصة تحت الضغوط الشديدة من المؤسسات المالية الدولية والشركات متعددة الجنسيات التي استطاعت الهيمنة على غالبية المؤسسات والمشروعات التي بيعت، كما نشر في كثير من الصحف بأن القائمين على امر الخصخصة في تلك البلدان هم وكلاء للشركات متعددة الجنسيات». والسؤال الذي يطرح نفسه.. من هو الخاسر الاكبر؟! يجيب الدكتور آدم مهدي احمد بالقول «الخاسر الاكبر هي العمالة في هذه الدول، والخزانة من المصادر التي كانت تجنيها من تلك المؤسسات والمشروعات. وعن تقييمه للتجربة ورأيه في الخصخصة يقول د. آدم مهدي احمد وبصراحة ايضا «الخصخصة هي الخطوة الاولى للاخطبوط الاكبر الا وهي العولمة». ويتساءل في اخر جملة خطها في كتابه: ماذا نحن فاعلون؟! عبدالاله عبدالقادر