بيان الكتب: اختارت الأمم المتحدة يوم 21 فبراير من كل عام ليحتفل العالم بيوم الطالب العالمي والسبب الأساسى لاختيارها لهذا اليوم يعود الى انتفاضة الطلاب المصريين الذين قرروا فى مبادرة ذاتية أن يكون صباح يوم 21 فبراير 1946 يوما للمطالبة بجلاء الانجليز عن مصر، فأضربوا فى جميع انحاء مصر من شمالها لجنوبها بقيادة اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، فى ذلك اليوم فقط سقط 23 شهيدا من الطلبة. حول الحركة الطلابية المصرية التى اسهمت بشكل مباشر فى صياغة الملامح السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمصر أصدر الكاتب فاروق القاضى أحد فرسان الحركة الطلابية المصرية فى الأربعينيات كتابه (فرسان الامل.. تأمل فى الحركة الطلابية المصرية) عن مركز البحوث العربية بالقاهرة. أشار المؤلف فى بداية كتابه الى ارتباط الطلاب المصريين بالحركة الوطنية بعد الاحتلال البريطانى لمصر 1882 وظلوا الوقود الأساسى لها فلعبوا دورا حاسما فى كل الثورات والانتفاضات من ذلك التاريخ مرورا بثورة 1919 وحتى قيام ثورة 1952 بكل كانوا أول من واجه هزيمة يونيو 1967 وقاموا باحتلال ميدان التحرير بوسط القاهرة عام 1972 احتجاجا على حالة اللاسلم واللاحرب حتى فى اعقاب الزيارة المأساة لشارون للمسجد الأقصى خرج الطلاب عند كل الجامعات المصرية احتجاجا على استفزازات وزير الدفاع الاسرائيلى. والواقع أن الحركة الطلابية المصرية تتمتع بخصوصية تتمثل كما أشار المؤلف فى أن الطلاب جميعا ولدوا ونشأوا وتفتحت أعينهم ووجدوا بلدهم محتلة من الانجليز ومن قبلهم الفرنسيين لذا نجد المؤلف يستعرض فى الفصول الاولى للكتاب بدايات الحركة الطلابية فى مصر بداية من حركة طلاب الازهر الذين قادوا ثورات الشعب المصرى ضد الاحتلال الفرنسى بين عامى 1798 - 1801 مرورا بالتفاف الطلاب حول جمال الدين الافغانى وحضورهم لجلساته التى كان يعقدها بأحد المقاهى بميدان العتبة بعد مرور عام واحد من دخول الاحتلال البريطانى مرورا بخطيب الثورة العرابية وشاعرها عبدالله النديم باعتباره أول من قدم الطلاب فى المؤتمرات والاجتماعات الجماهيرية التى يحضرها. أما البدايات الحقيقية فكانت كما أشار القاضى مع طالب الازهر سعد زغلول الذى كان ضمن حضور ندوات الافغانى على المقهى وأشار المؤلف الى أول مواجهة حقيقية بين الطلاب والانجليز فى العصر الحديث عام 1909 حيث اشتبكوا مع الانجليز والشرطة وجرحوا هارفى باشا قائد الأمن وقاموا بتشكيل جمعيات طلابية للمقاومة قامت احدها باغتيال بطرس باشا غالى وزير الخارجية. وتشكلت جمعيات أخرى مناظرة للطلبة لكن لهؤلاء الذين كانوا يدرسون بالخارج كما انشأوا نوادى وعقدوا من خلالها المؤتمرات الغاضبة ضد الاحتلال . وكان الطلاب ايضا كما أشار المؤلف أول من تظاهروا فى ثورة 1919 عند اندلاعها وأرسلوا وفودهم للأقاليم بعد اعتقال سعد زغلول واستمرت مظاهراتهم شهورا طويلة وعملوا على شد أزر العمال الذين اعلنوا الاضراب حتى انهم اى الطلاب قاموا بتكوين جهاز شرطة خاص أطلقوا عليه البوليس الوطنى لحماية مظاهرات الشعب من المندسين كما شكلوا جماعات أخرى من بينها اليد السوداء التى كان من بين اعضائها عباس محمود العقاد وجماعة الجهاز السرى التى قادها عبدالرحمن فهمى وجماعة المصرى الحر أما فى القرى فقد كان للطلبة الدور الاساسى فى تحريك الفلاحين ويكفى للدلالة على ذلك ماذكره لورد ملنر فى تقريره عن حوادث مارس 1919: (لا ينكر أحد أن هذه الملايين التى تجهل القراءة والكتابة لا تبالى بالحركة الوطنية من حيث كونها مذهبا سياسيا لكن يسهل تعليمها الألفاظ التى تصير شعارا لها، هذه الحرب القاتمة لتسويد كل شئ يدبرها كثيرون من خطباء الجوامع والطلبة..). هذا ماذكره ملنر التى رفضت لجنته رفضا تاما فقد اندلعت المظاهرات مع وصوله يوم السبت 15 نوفمبر واشتدت فى الأيام التالية فسقط 13 شهيدا ومئات الجرحى من الطلاب الذين حملوا نعوش الشهداء مغطاة باعلام مصر فى جنازة صاخبة الى مدافن الامام. وطاردت الحركة الطلابية ملنر فى كل مكان حاصرته وهددت كل من حاول الاتصال به فى القاهرة أو فى الريف وكتب المارشال اللنبى الى لورد كيرزون فى 7 ديسمبر 1919 عن صعوبة قيام لجنة ملنر بعملها كنتيجة لتحريض (مثيرو الشعب.. الازهريين والطلبة..). فشلت ثورة 1919 لكن الحركة الطلابية المصرية لم تهدأ لم تيأس فى محاربة الانجليز حتى يتم جلاؤه عن مصر نهائيا ففى عام 1930 أعلن اسماعيل صدقى الغاء دستور 1923 والاعلان عن دستور جديد فى 22 أكتوبر 1930 يعطى كل السلطات للملك فهب الطلاب فورا وأضربت كافة المدارس والمعاهد الفنية ونشبت معارك كان أعنفها فى (الخديوية الثانوية). واستمرت مظاهرات الطلبة أربع سنوات حتى عاد دستور 1923 مرة أخرى فى ديسمبر 1935. الصوت الطلابى لم يخفت طوال السنوات التالية فاذا كانت مصر 1919 مستشاقة الى الثورة فان مصر 1945 حبلى بالثورة خاصة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فانفجرت الأوضاع مرة أخرى نتيجة لما يتعرض له الشعب المصرى فى الريف والحضر من استغلال وظلم فاحش فشهدت هذه السنوات بدء ظهور التيار اليسارى فى صفوف حزب الوفد للمرة الأولى وهو تيار الطليعة الوفدية وكذلك ظهور التنظيمات الماركسية وكلتاهما كانت تسعى لضم الطلاب. هذه الفترة تحديدا هى التى شارك فيها مؤلف هذا الكتاب فى المظاهرات حيث كان طالبا فى السنة الرابعة (الثقافة) فى عام 1944/1945 وفى 9 فبراير 1946 قامت قوات الأمن بفتح كوبرى عباس اثناء مظاهرة حاشدة وحوصر الطلاب بين قوات الأمن من جانب ونهر النيل من جانب آخر وسقط عشرات الشهداء وأصدرت الحكومة ليلتها قرارا باغلاق الجامعات ورغم هذا شهد يوم 12 فبراير مظاهرة ضخمة فى الاسكندرية شارك فيها 5 آلاف طالب ساروا فى جنازة صامتة. أما اللجنة الوطنية العليا فقد كان ظهورها العلنى فى 19 فبراير لتنظيم الاحزاب الاضراب العام الذي تحدد له 21 فبراير كيوم للمطالبة بالجلاء وفى ذلك اليوم تجمع الآلاف فى ميدان التحرير كما امتنع كل المصريين عن العمل. ولا عجب أن تصبح شعارات المرحلة السياسية والاجتماعية التى اطلقتها الحركة الطلابية هى نفسها برامج الغد التى نفذتها ثورة 23 يوليو 1952. الغاء الوفد لمعاهد سنة 1936 قانون الاصلاح الزراعى، تأميم القناة، تمصير الشركات الاجنبية وكل هذا اسقاط الملكية واعلان الجمهورية. هكذا سرد فاروق القاضى الكثير من الصفحات الناصعة التى سطرها طلاب مصر الذين كانوا دوما فرسان الأمل. القاهرة ـ «بيان الكتب»