بيان الكتب:منذ مطلع الثمانينيات يواصل المفكر البحريني محمد جابر الانصاري جهوده الفكرية في قراءة الفكر العربي وتحولات واقعه في أكثر من علاقة تمت اليه بصلات منها بنيوية واخرى جدلية. وقاريء مشروع الانصاري عبر مؤلفاته يؤشر تركيزه على قضايا الأزمة التي يعاني منها الوجود العربي الإسلامي فكراً ومجتمعاً، تاريخا ومستقبلاً.ضمن هذا التوجه، تضافرت الجهود الفكرية العربية لدراسة الخطاب الفكري للانصاري في دراسات عدة نهض متخصصون عرب اختار الملتقى الثقافي الاهلي في البحرين ثلاث منها اعملت نظرها مليا في خطاب الرجل وصدرت مؤخراً في كتاب عنوانه «الانصاري وسوسيولوجيا الأزمة» شارك فيه كل من: د. كمال عبداللطيف الكاتب المغربي بدراسة عنوانها: «محمد جابر الانصاري ـ نحو اعادة بناء أسئلة النهضة العربية»، والدكتور محمد مالكي من المغرب أيضاً بدراسة عنوانها: «محمد جابر الانصاري والاستقلال التاريخي للذات العربية». اما الدراسة الأخيرة فهي للكاتب العماني عبدالله العليان، وهي بعنوان: «العرب والسياسة ـ بحث في فكر الانصاري». يعتقد عبداللطيف ان الانصاري اعتمد المنهج الوضعي في أبحاثه ومقالاته وفي ضوء آليتين اثنتين في عملية بناء النظري هما: التشريح والنقد، اذ يلجأ الانصاري باستمرار إلى تشخيص الظواهر ورصد ابعادها. والنقد حيث لم يعد بامكان اللغة الخشبية الجاهزة، لغة الخطاب الايديولوجي المغلق قادرة على استيعاب الظواهر والمعطيات ولا مواجهة النتائج التي تترتب عنها في الواقع، ومن هنا فإن مبضع النقد يشكل اداة مناسبة في نظر الباحث لبلورة الرؤى الجديدة القادرة على الحسم والاختيار، والقادر قبل ذلك على استيعاب واقع الحال لتخطيه والمساهمة في بناء واقع جديد. في ضوء هذه المقدمة يتناول عبداللطيف فكر الانصاري من جانبين، الأول: أي لماذا وقع وماذا سيقع؟.. فكأننا به يروم الهدم واعادة البناء، يتوخى التفكيك واعادة التأسيس، وقد لا نجانب الحقيقة اذا اعتبرنا هذه المنهجية في النظر من اكثر المقاربات فعالية ونجاعة في العلوم الاجتماعية المعاصرة. على وفق هذه المقدمات يتوغل المالكي في فكر الانصاري عبر مبحثين هما: في الحاجة إلى النقد الحضاري للذات العربية، وفيه يدرس نقد المنهج التوفيقي، وضرورة تفكيك الخصوصية المثقلة، وفي الحاجة إلى فهم الدولة والسلطة وطبيعة العلاقة بينهما. وفي الثاني يدرس سبيل اعادة بناء الذات العربية من حيث المقاربة متعددة الافاق، وفي القطيعة مع الخصوصية المثقلة، وبالتالي ما يتصل برفع الالتباس بين الدولة والسلطة والاجتهاد في تأصيل فقه السياسة. ويخلص الكاتب إلى القول بأن ما يضفى على اجتهادات الانصاري هي صبغة السجل المفتوح، اطلاقه لعدد من الورش العلمية وهو يؤسس استراتيجية اعادة بناء الذات العربية. من ذلك دعوته إلى بلورة علم اجتماع عربي اسلامي أو سوسيولوجيا اسلامية، كما تمت الاشارة إلى ذلك في مقاطع مفصلية من مؤلفاته. فبالرغم من خلو متن مؤلفاته من تدقيقات بخصوص هذا العلم وطبيعة الامكانيات التي يفتحها لمقاربة قضايا المجتمعات العربية فإنه ينطوي على عناصر مهمة كفيلة بالدراسة والتحليل علما بأن نقاشات مستفيضة قد دخلت دائرة النظر العربي وسعت باسم الاستقلالية المرجعية إلى نقد الكتابات العربية في التنمية السياسية، وتقديم اطار تحليلي بديل لها من زاوية المنظور الحضاري الإسلامي. المبحث الأخير في الكتاب لعبد الله علي العليان، اذ يبحث تحت محور العرب والسياسة اشكالية التكوين والتأزم والخلل. في ضوء ما توصل اليه الانصاري ومن خلال ثلاث زوايا هي: الدولة والسياسة عند العرب قبل الإسلام وبعده، والتحليل الخلدوني لأزمة العرب السياسية «مفهوم البداوة»، ثم الكوارث السياسية المعاصرة والخط المتصل بين الماضي والحاضر. في معرض خلاصات الباحث يذهب إلى القول: اننا لا نتفق مع الانصاري في ان اسباب التردي والاخفاق والتخلف، التي رافقت حياة العرب السياسية يعززان مشروع التنوير والنقد في الفكر العربي المعاصر. الدكتور محمد مالكي يناقش موضوعة الاستقلال التاريخي للذات العربية لدى الانصاري، الذي توفرت في انتاجه مقومات البحث العلمي الاستراتيجي وتضافرت في جهوده مواصفات المعرفة الهادفة، ليس إلى فهم الذات واستجلاء عناصر قوتها وتشخيص مظان ضعفها فحسب بل التواقة أيضاً إلى نقد هذه الاخيرة والسعي إلى تقديم المسوغات الفكرية لتجاوزها. يعتقد الكاتب المغربي ان الانصاري انتصر للتاريخ كسبيل للفهم، اذ اعتمد النقد العلمي والمعرفي منهجا في تعميق هذا الفهم والوقوف عند طبقاته ومراتبه والبحث عنده يجب ان يمتد إلى الجذور، ويفكك الموروث، ويكشف عن جوهر التكلس الذي طال الذات العربية، ومن غير ذلك يتعذر على الوعي العربي تفسير مآزقه الراهنة وكبواته المزمنة. من ناحية، يؤكد الكاتب ان الانصاري يتشدد في خطابه الفكري على مركزية تأسيس الايديولوجيا على المعرفة العلمية، على ضرورة نقد الواقع الذي افرز ويفرز هو الواقع الاني المتقلب الظاهر للعيان، وانما هو الواقع التاريخي ـ المجتمعي الممتد في الزمان والمكان والمؤثر بعمق في المسلكية السياسية والمسلكية العامة للأمة إلى يومنا هذا. ويذهب المالكي إلى ان الباحث المتفحص لكتابات محمد جابر الانصاري صعوبة في فهم مقاصده والامساك بخلاصات اجتهاداته ونتائج ابحاثه، اذ تحمل عناوين مؤلفاته اكثر من معنى وترمز إلى أعمق من دلالة، الا ان الباحث ذاته سيكون ملزما على اعتماد قدر من التبصر في متابعة التحليلات التي وضحت هذه المقاصد ورتبت نتائجها، ونسجت خلاصاتها. إلى جانب ذلك يعتقد الدارس بأنه يلمس في كتابات الانصاري وجود استراتيجية ناظمة لدعوته إلى فهم التكوين العربي الجمعي، وتشخيص مصادر اعاقته في التاريخ أو استجلاء مظاهر أزمته في الواقع، واستشراف الامكانيات الواقعية والمتاحة لاعادة بنائه. فهو لا يقف عند حد الاستبيان والوصف، اي طرح السؤال التقليدي: متى حصل وكيف؟ بل يندفع وبجرأة مشهودة، في صياغة الاسئلة العميقة الخاصة بأسباب النزول ونداء المستقبل، التفكير في الاخفاق النهضوي ويدرس فيه مظاهر وتجليات الاخفاق النهضوي وبالتالي المشروع النهضوي العربي ـ اكتشاف الذات واستيعاب المتاح للبشرية جمعاء، والثاني: التفكير في الاخفاق السياسي ويدرس فيه الاخفاق السياسي العربي والمظاهر والبنيات الشارطة. ثم الخصوصية التاريخية كمفتاح لفهم الاخفاق السياسي العربي. واخيراً اعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي المعاصر. وفي كل ذلك يعتقد الباحث ان الانصاري اجتهد في صياغة توجهات كبرى في فهم ما يجري في الواقع العربي، وتقدم مؤلفاته كما ابرزنا مداخل كبرى ورئيسة في موضوع الدولة والمجتمع والقومية والديمقراطية والمشروع الحضاري العربي. كما حاول تقديم افكار عملية لمواجهة الظرفية السياسية الراهنة، ويعكس مجموع انتاجه النظري حصيلة مهمة في باب التفكير في مشروع النهوض العربي، كذلك يلتقي مع جهود سبقته، وجهود ما تفتأ تنشأ بجانب جهوده في تكامل وتآزر مبلورة مساهمات نقدية، تتوخى خلخلة سواكن الفكر العربي المعاصر ولهذا السبب يعد مسعى الانصاري في النظر إلى الظواهر التي اهتم بدراستها يتميز بفضيلتين هما: فضيلة البناء والتركيب المتجة متغيرات الواقع العربي باعادة تأسيسها بحثيا ومعرفيا. وفضيلة رسم معالم طريقة في التفكير، أي رسم الخطوط العريضة لمنهجية في الفهم والمعالجة، هذه الفضيلة الثانية تمنح مشروعه جدارة فكرية استثنائية، لانها لا تكتف، بصياغة وجهة نظر عقلانية في اشكالات الوضع العربي الراهن، قدر ما تحرّض على التفكير في الواقع بالوسائل والآليات العلمية من اجل انعاش ما يعتقد الانصاري ان الواقع العربي والفكر العربي بفتقدانه. نقصد بذلك التخلص من بؤس السياسة بالوعي السياسي والتخلص من مجافاة الواقع يمقاربته ومساءلته كما هو والتخلص أخيراً من الطوبى السياسية لمصلحة فهم اكثر مطابقة لما يجري في الواقع. وبهذه الخطوات يكون الانصاري قد اختار موقعاً محدداً ومنهجية محددة، ونحن نعتقد ان ثمار اختياره تتجلى بوضوح في الآثار التي ما فتيء يعمل على انتاجها، مدافعا بطريقته الخاصة على مشروع في النهوض القومي ومشروع في النظر السياسي، وهما جبهتان ولازمتهم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها خلال قرون عدة مردها إلى الجذور التاريخية والترسيات الاجتماعية من خلال مؤثرات البداوة والقبيلة وطبيعة القاعدة الاجتماعية العامة التي يعتقد الانصاري انها تنتج وتعيد انتاج الأزمات والاخفاقات والتراجعات. من ناحية يجد الباحث العماني ان التعميم الذي يطلقه الانصاري في ان التأزم السياسي راجع إلى كون العرب على مدى تاريخهم الطويل حتى وقت قريب لم يخبروا العيش في نطاق دولة منتظمة، ثابتة ودائمة، وذلك بالمعنى التقليدي والكلاسيكي المتعارف للدولة قول ينقصه الكثير من الدقة والواقعية، كما ان القول بأن الفشل الذي اصطدمت به الدولة الوطنية الحديثة مرجعه إلى اغفال الاخيرة، الجذور القبلية والعشائرية وتجاهلها، لا الى اخفاق الفعل السياسي الخاطيء للنخب السياسية باستجلابها التحديث والانموذج الغربي على وفق اسلوب الالحاق والاستلاب وتنحية قيم المجتمع نفسها، قول لا يستقيم مع مجمل السياسات والبرامج والخطط التي اتبعتها الدولة الحديثة ومارستها قسرا واستبداداً وجاءت نتائجها بالكوارث المعروفة. وبعد، ان هذا الكتاب بمداخله الثلاثة يفصح عما يتضمنه الخطاب الفكري والنقدي للانصاري من ثراء معرفي وغنى في رؤيته إلى الواقع العربي والفكر العربي الإسلامي، وهي مداخل سلطت الاضواء على مفاصل مشروع الانصاري والذي يعد واحداً من أهم المشاريع الفكرية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي خلال القرن الماضي. د. رسول محمد رسول