بيان الكتب:الحديث عن الترجمة شائق ومفيد وممتع، لأن الترجمة نبع ثقافة وعلم، وممتع لأنه سعي لقطف ثمارها وسعي نحو اكتمال الذات. والترجمة هنا بمعناها الثقافي، أي الترجمة التي تهتم بنقل المعارف والآداب والعلوم المختلفة، من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وقد كان للعرب مساهمة كبيرة، ولعل أول حركة غنية وواسعة ومنظمة للترجمة، الثقافية بين الأمم ولغاتها، هي الحركة التي بدأت عند العرب زمن الدولة الأموية، ثم اتسعت ونشطت في العصر العباسي. وقد تميزت هذه الحركة بتعدد مصادرها. اليونانية والفارسية والهندية وغيرها. وشمول نطاقها الفلسفة والطب والهندسة وعلوم أخرى وتنظيمها المحكم، إذ كانت تتم باشراف الدولة، وبأموالها «بيت الحكمة» ويجب أن ندرك أن الترجمة ليست غاية بذاتها، ولا هي ترف فكري، إنما هي بناء ثقافة موصولة الجذور بتراثنا الفكري العربي، ومنفتحة على ما حقق الفكر البشري من ابداعات واكتشافات في حقول المعرفة المختلفة لكن الترجمة الآن لها واقعها المختلف، فالكتاب الذي يترجم يختاره المترجم وهذا الاختيار مشوب بالمغامرة، لأنه يستند إلى معايير موضوعية، بل هو يرتكز إلى ذوقه الشخصي. ولعل إحصاء الكتب المترجمة يبين ذلك، فنسبة الكتب في العلوم الأساسية والتطبيقية، كالرياضيات والفيزياء والزراعة والطب والتكنولوجيا، لا يتجاوز نسبة الربع مما يترجم، بينما تقفز العلوم الاجتماعية والإنسانية والأدبية إلى نسبة ثلاثة أرباع. كما أننا نلاحظ أن الكتب قد ترجمت بعد مرور فترة زمنية غير قصيرة على ظهورها، كما يبدو عدد الكتب المترجمة متفاوتا بشكل كبير بين قطر عربي وآخر. ولعل من أهم مشكلات الترجمة، أنها تحتاج إلى عبارة عربية جيدة وأسلوب حسن وتوفر الاختصاص، ومن خلال ذلك ندرك أن الترجمة عندنا يغلب عليها العفوية، وعدم الاكتمال، وعدم الدقة العلمية في أكثر الأحيان، ويستعرض المؤلف دور الترجمة في المثاقفة بين العرب والغرب عبر العصور وأثر ذلك في تكوين المناخ الثقافي الذي أثمر انتاجات ثقافية عربية بدءا من الكندي وابن الهيثم، وحتى جابر بن حيان والخوارزمي وابن خلدون، الذين أغنوا التراث المعرفي الذي تسلموه بنتاج عقولهم وثمرات جهودهم. وقد جعل «سارتون» في كتابه الضخم عن تاريخ العلم، جعل فترة ثلاثمائة وخمسين عاما متواصلة من عام 750 ميلادية إلى عام 1100 ميلادية، بأسماء علماء عرب، وأشرك في 250 عاما علماء عرب وآخرين، أما بعد 1350 ميلادية فيختفي الألف العربي. ولعلنا اليوم نتطلع إلى مثاقفة متكافئة، تشمل جميع صنوف العلوم والآداب والفنون، لكن واقعنا اليوم يجعلنا مستهلكين أكثر مما نكون منتجين وكما كان للترجمة دور فاعل بناء، فإننا نسعى إليها اليوم، وبخاصة بما ابتدعته مخيلة رجال من آراء ونظريات وأفكار، غيرت مسارات الحضارة البشرية. وقد ترابط المصطلح والترجمة والتعريب عبر هذه المسيرة ترابطا وتلازما كبيرا، لأن المصطلح ركن من أركان الترجمة والتعريب، وهو أداة ضرورية وبهذا الثلاثي المترابط، تنحو اللغة العربية، وتتجذر المعرفة العلمية فيها، ويتخلص العرب من التبعية اللغوية والثقافية، ويتحقق شرط أساسي من شروط النهضة الحقيقية في الوطن العربي. ولعلنا نعرف جميعا أن الاشتقاق، هو أهم هذه الوسائل، وكان لأجدادنا المساهمة الكبيرة في ذلك، وكذلك المجاز والنحت والتعريب، وكل ذلك يسهم في خلق معجم عربي للعلوم. ولكن مشكلة المصطلح العلمي لاتزال قائمة، فثمة من بالغ بالتمسك بمعطيات تراثنا العربي اللغوي، فتشدد ازاء المعرب والدخيل والعامي، ومنهم من تساهل في ذلك، في غياب منهجية دقيقة لاختيار المصطلح، ولعل أهم الاشكاليات تنحصر في التخلف الزمني في وضع المقابل العربي، إذ غالبا ما يفكر فيه بعد انقضاء زمن على تداوله من قبل الناس. وبينما تضع فرنسا قرابة خمسة آلاف مصطلح كل عام، ويخلق كل عام ما يربو على سبعة آلاف وثلاثمائة مصطلح جديد في جميع العلوم نرى أننا بعيدون عن ذلك، بالإضافة إلى تعدد المقابل العربي تجاه المصطلح الأجنبي لتعدد واضعيه. أو تعدد اللغات الأجنبية المنقول عنها. ومن هنا لابد من مكتب لتنسيق التعريب، بوصفه جهاز تنسيق عربي قومي، ليتتبع جميع مستجدات المصطلحات في العالم. ثم يضع فصلا عن اللغة العربية والبحث العلمي، مبينا أن اللغة العربية استطاعت في القرن الثاني للهجرة، وما تلاه من زمن، أن تواجه العلوم من طب وهندسة ورياضيات وفلك وكيمياء وغيرها، بكل ما فيها من مصطلحات وتعابير، فاتسعت لها واستوعبت ألفاظها ومعانيها حتى أصبحت لغة العلم والمعرفة لقرون عدة، وكانت لغة الكشف والإبداع في مجال المعرفة طويلا. ثم يتطرق الباحث إلى مسألة تدريس المواد العلمية في البلدان العربية، بلغة أجنبية، حيث رأى أن هذه الظاهرة تمتد جذورها إلى عهد السيطرة الأجنبية على الأقطار العربية، وإلى سعي المستعمر لفرض سياسته التي ترمي إلى اقتلاع الشعب العربي من منابته، وإبعاده عن تراثه وتجريده من أصالته وهويته القومية، وسلبه أهم مقومات ذاتيته ألا وهي اللغة العربية. ثم يعقد الباحث فصلا عن اللغة العربية والتقدم العلمي والثقافي، ليبين أن هذا الترابط بين العلم والثقافة، لم يظهر ويتأكد إلا في الحقبة الأخيرة، إذ إنهما نشآ وتطورا منفصلين في البداية، ولكن أصبحا الآن متوحدين، حيث يسأل العلم لماذا وتسأل التقانه كيف؟ وقد بذلت جهود عظيمة لجعل اللغة العربية لغة العلم والتقانة، وثمة نجاحات تمت، وهناك بعض الثغرات التي علينا أن نحاول أن نسدها بكل الوسائل، وعلى رأس ذلك المصطلح الموحد والمعرب. ثم يتعرض الباحث أخيرا لشخصيتين مهمتين في تاريخ المعرفة العربية وبخاصة الترجمة، أولاهما حنين بن اسحق، وثانيهما رفاعة الطهطاوي، فحنين بن اسحق، أحد بناة النهضة في العصر العباسي، العصر الذهبي للأمة العربية والإسلامية، ولئن كانت هذه الحضارة ثمرة تلاقح الحضارة العربية القديمة والدين الإسلامي مع التراث الإغريقي والفارسي والهندي، فإن هذه الحضارة قد صيغت بقالب جديد هو القالب الذي وضعه العلماء العرب. وإذا كان «بيت الحكمة» الذي أنشأه «المأمون» يمثل نضج حركة الترجمة فإن العرب قبل ذلك كانوا قد عرفوا الحضارات الأخرى ونقلوا عنها، ولعل الأمير الأموي «خالد بن يزيد بن معاوية» الذي توفي عام 85 هجرية، هو أول من نقل في الإسلام من لغة إلى لغة أخرى. لكن حكم المأمون الذي دام من 198 ـ 218 هجرية، هو عهد الترجمة والبحث والتدقيق والمناظرات، وقد أرسل بعوثا إلى القسطنطينية وبلاد الروم للحصول على الكتب، وكان «حنين بن اسحق» في بعض هذه البعوث، وكان بيت الحكمة أكاديمية علمية مقسما إلى أقسام متعددة وقد عرف عن حنين حبه للعلم وشغفه بالمعرفة، وقد ترجم قرابة خمسة وتسعين كتابا عن اليونانية. واستطاع هذا العالم أن يضع كثيرا من المصطلحات العلمية التي لاتزال حتى اليوم بدءا من الشبكية والقزحية والقرنية إلى الملتحمة وأسماء الأمراض.أ ما «رفاعة الطهطاوي» فهو أحد بناة النهضة العربية الحديثة، حيث يسرد لنا الباحث حياته وسفره إلى فرنسا ثم عودته وإنشاؤه «مدرسة الألسن» حيث كانت هذه المدرسة بمثابة جامعة، يدرس فيها الطلاب آداب العربية واللغات الأجنبية «الفرنسية، التركية، الفارسية، الإيطالية، الإنجليزية». وبعد أربع سنوات خرجت عشرين طالبا صاروا معالم لحركة الترجمة وهكذا استطاع هذا الرجل الدؤوب أن يضع الأسس لعصر النهضة العربية بمصر، هذا العصر الذي كان قادرا لو استمر قدما أن يجعل من مصر والوطن العربي طليعة الأمم المتقدمة في العالم، لقد ترك لنا «رفاعة الطهطاوي» قرابة سبعة وعشرين كتابا مترجما أراد أن يقدم من خلالها مختلف العلوم والمعارف. هكذا يترك لنا المؤلف سؤلا مهما ونحن نواجه العالم المتقدم، هل نسعى أن نكون شيئا وأن يكون لنا موقع قدم، أم أننا نظل عالة، وكيف يمكن لنا أن نقتدي بأجدادنا من جديد لنكون كما كانوا. محمد سطام الفهد