يأتي اسم «ريموند كارفر» رائد الواقعية القذرة في الأدب الأمريكي في المقدمة لدى ذكر أسماء مؤسسة حركة «التكثيف في الكتابة» على الرغم من كرهه الشديد لهذه التسمية، الذي جاء فيما بعد، وعلى الرغم من أنه لم يتعمد الاشارة إلى هذا، ورغم احتضار هذا المسمى في واقع الحركة الأدبية الغربية المعاصرة. وكارفر عوضا عن ذلك يبقى واحداً من أهم كتّاب القصة القصيرة في أمريكا. صدرت لكارفر مؤخرا آخر مجموعة من الأعمال (القصصية والنثرية) التي لم ينشر عدد منها من قبل «آخر الأعمال الأخيرة» كما تطلق عليها أرملته «تيس جالاجر» التي قامت بجمعها بالتعاون مع «وليام ستل» أحد أهم أصدقائه وتحمل عنوان «إتصل إذا احتجت إليّ!». جاءت شهرة ريموند كارفر كأحد أهم كتّاب القصة في أمريكا والغرب عموما بعد نشر مجموعاته الأربع «هدوء من فضلك!» 1976 و«ما الذي نتكلم عنه عندما نتحدث عن الحب» 1981 و«كاتدرائية» 1983 و«من حيث أنادي» 1988. كما نشرت لكارفر العديد من المساهمات في عدد من المجلات الأدبية الشهيرة منها «اسكوير» في السبعينيات و«نيويوركر» في الثمانينيات. ويتميز أسلوب هذا الكاتب بالقوة والصدق في تصوير الواقع الحياتي المعاش، كما يتميز بالبساطة وانعدام حالة التكلف الأدبي. وتأتي المجموعة الجديدة والصادرة بعد وفاته التي تهتم تيس جالاجر كثيرا بوضع مقدمتها مماثلة تماما لما كان قد دأب عليه في مساهماته الأدبية، حيث أنها من جانبها تؤمن بوجهة النظر التي يؤمن بها دائما حتى منافسيها، وهي المقارنة القوية بين «سلفيا بلاث» في شموليتها وبين ذلك الأثر القوي الذي تركه كلاهما في الأدب الأمريكي إضافة إلى أن كليهما كان قد رحل عن الدنيا في مرحلة مبكرة من حياته رغم أن الفارق الوحيد بينهما هو أن بلاث كانت تعيش حياة تعيسة قبل موتها في الوقت الذي رحل فيه كارفر مبسوطا بانتصاره على نفسه (بتخلصه من مشكلات الادمان والوحدة وقلة الشهرة. تشتمل المجموعة الجديدة «اتصل إذا احتجت إليّ» على بعض الأعمال التي نشرت سابقا لكارفر إلى جانب خمس قصص قصيرة اكتشفتها زوجته مؤخرا بين أوراقه يرى النقاد أن أهمها «إضرام النيران» وهي قصة تروي حكاية رجل يستأجر غرفة في أحد المنازل ليمضي في المكان بضع ليال على أمل أن يمكنه ذلك من كتابة رسالة إلى زوجته «كان يكفيه أن يمضي فقط ثمانية وعشرين يوما في مكان لا تتوفر فيه أية تسهيلات بما في ذلك الشراب». ولكن وخلال هذه المدة طرأت لزوجته فكرة «أن تغادر مع صديق لهما». تخصص تيس جالاجر جزءا من الاصدار الجديد لعرض بعض مراجعات الكتب التي كتبها كارفر إلى جانب بعض المقدمات والقصص القصيرة التي كتبها في مرحلة مبكرة من حياته، وهي تقصد بذلك، بالطبع، الإشارة إلى التطور الذي طرأ على أسلوب كارفر وعلى عناصر مهمة مثل تقنيات الكتابة لديه وكذلك مراحل النضج الفكري والفني التي مر بها في حياته الكتابية. لا يمكن للكثيرين أن ينسوا أحد أهم أعمال كارفر وهو كتاب سيرة ذاتية وعنوانه «حياة والدي» الذي نشر سابقا في مجموعة «حرائق» الشهيرة، وهو من بين الأعمال التي يتحدث فيها عن العلاقة الجدلية بين الآباء وأبنائهم، فأبوه كما يقول كارفر كان قد مر بالاشكالية نفسها التي مر بها هو في حياته، فقد كان ذلك الأب مدمنا، فاشلا، ومريضا نفسيا، تماما وكما كان هو كان الآخر يفكر في وسيلة للخلاص من عذاباته. وعموما فإن هذه المقالة المطولة التي تشير إلى أثر الهيمنة التي يتركها الآباء حتى بعد رحيلهم عن هذه الحياة على أبنائهم. في سيرته الذاتية «حياة والدي» يعيد كارفر التاريخ لحياته الكتابية ورفضه الاستسلام لأي شيء يعيق استمراره في الكتابة، مما يمكن أن يجعله خالدا في أذهان الآخرين من خلال تلك الأعمال الجيدة أو ربما الأكثر منها صادقة. على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى مفاجأة كارفر الجديدة التي يرى عدد من النقاد أنها جاءت مخيبة للآمال في أغلبها، نظرا لأنها لا تحتوي إلا على عدد قليل من الأعمال التي لم يسبق للآخرين قراءتها سواء في مجموعات قصصية سابقة أو في الدوريات والملاحق الأدبية إلا أن هناك من النقاد من يرى ضرورة إعادة قراءتها، ولا عجب في أن تتبنى تيس جالاجر وجهة النظر هذه حيث ترى أن المستوى الفني لهذه الأعمال القصصية مازال جيدا على الرغم من افتقارها إلى شيء كالمراجعة الأخيرة من قبل المؤلف أو أي من المراجعين الآخرين. ولعل ذلك الصدق وهذه الواقعية التي يكتب بها كارفر تكون مما تجسد بشكل واضح في اختياره المكان الذي يكتب عنه وهو هنا في «اتصل إذا احتجت إليّ» يكتب عن مدينته وعن الأشخاص الحقيقيين الذين كان يعايشهم على نحو يومي، وهم أشخاص لابد من الإشارة إلى أنهم في غالبيتهم كانوا من الذين يعانون من مشكلات نفسية واجتماعية كالادمان مثلا الذي سعى كارفر بعد ذلك إلى التخلص منه ومن أن مشكلات تتعلق بحياتهم الزوجية والأسرية وفي «اضرام النيران» يقابلك رجلا يدعى «ميرس» خرج للتو من مركز لعلاج حالات الإدمان وتصبح حياته الزوجية مستحيلة بسبب إقامة زوجته دعوى لدى المحكمة ومحاولاتها كبح جماحه مما يضطره إلى استئجار غرفة متواضعة خالية من كل مستلزمات الحياة بما في ذلك الشراب ليقيم فيها ويعمل أجيرا ريثما يتمكن من إعادة العلاقة بزوجته إلى وضعها الطبيعي. في قصة «ما الذي تحب رؤيته؟» يناقش كارفر مشكلات العلاقة الزوجية بكل جوانبها التي تستحق والتي لا تستحق التوقف عندها. وتروي القصة حكاية زوجين يتفقان على الانفصال وقبل مغادرتهما المنزل الذي كانا قد استأجراه للإقامة طوال فصل الصيف يستضيفهما زوجان آخران هما مالك المنزل وزوجته ويعدان لحفلة وداع لا تخلو من شعور بالمفارقة، فيما ينفصل الاثنان فإن ما تراه زوجته مالك البيت هو أنهما يلتقيان في الواقع عند نقطة واحدة هي الرحيل معا. وبعد تناولهما العشاء يستمتعان بمشاهدة ألبوم الصور. وعلى الرغم من أن هذه الحكايات وغيرها تبدو مكررة وباعثة على الملل، إلا أن اعادة قراءتها تكون كفيلة بأن تجعل القاريء يغوص أكثر فأكثر في أعماق المشهد «الحياتي اليومي الذي يجعلك تقر في النهاية بأن المؤلف لم يكن في الواقع من دعاة التكثيف أو الاختزال فيما يتعلق بوقائع الأمور. مريم جمعة فرج