بيان الكتب: انطوني جيدنس محرر هذا الكتاب والمشرف على المساهمات التي يتضمنها حول مفهوم «الطريق الثالث» هو مدير «مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية»، احد اهم المدارس العالمية في هذا الميدان. سبق له ونشر مؤخراً كتابين حول الطريق الثالث هما «الطريق الثالث» المنشور عام «1998» و«الطريق الثالث ونقده» الصادر عام 2000. هذان الكتابان قدمهما «بيان الكتب» في اعداد سابقة. «الطريق الثالث» الذي ينظر له «انطوني جيدنس» هو الذي تبناه «بخطوطه العريضة رئيس الحكومة البريطانية الحالي» طوني بلير وهو طريق «وسط» بين الاشتراكية على طريقة حزب العمال البريطاني التقليدية والليبرالية المطروحة في ظل العولمة وحيث يشكل هذا الطريق الثالث حجراً اساسياً في ايديولوجية حزب العمال البريطاني الجديد الذي اعلن طوني بلير ولادته وتمايزه عن الاطروحات التقليدية منذ ان اصبح رئيساَ له ثم تبناه كسلوك للحكم بعد ان اصبح رئيساً للوزراء.بعد عرض مضمون وتوجهات «الطريق الثالث» في كتاب جيدنس «الاول» حول هذا الموضوع ثم تقديم نقده في الكتاب الثاني، يأتي هذا العمل الجديد الذي يساهم فيه ثلاثة وثلاثون باحثاً من مختلف المشارب السياسية والفكرية والاقتصادية، كما ينتمون الى جنسيات وقارات مختلفة مما يبرر عنوان «النقاش العالمي الشامل للطريق الثالث» وقد اصبح مفهوم «الطريق الثالث» احد اكثر المواضيع اثارة على ساحات النقاش لدى الدوائر السياسية والفكرية صاحبة القرار في العديد من البلدان التي تتجه نحو تبني خط «وسطي» في الحكم يجد تعبيره في بريطانيا بشكل خاص ولكنه قريب ايضاً مما تعرفه بلدان اخرى مثل نيوزيلندا الجديدة والبرازيل والارجنتين والشيلي... الخ. كما انه ليس بعيداً عن توجهات التيارات الاجتماعية الديمقراطية في القارة الاوروبية، وخاصة في المانيا وهولندا. الظاهرة التي يؤكد عليها المساهمون في هذا الكتاب هي واقع وجود حكومات تنتمي الى معسكر اليسار في العديد من البلدان، وخاصة على صعيد القارة الاوروبية حيث ان الاغلبية الساحقة من بلدان الاتحاد الاوروبي تسود فيها حكومات «يسارية» ويؤكدون ايضاً بان هذه الحكومات كلها قد تخلت، الى هذه الدرجة او تلك، عن السياسات والمباديء اليسارية التقليدية التي كانت تقترب الى هذه الدرجة او تلك ايضاً من الفكر الماركسي. وضمن هذا السياق الجديد في ظل العولمة غدا «الطريق الثالث» بمثابة تعبير مقبول عامة لدى الاوساط اليسارية، مقبول ولكن «مثير للجدل» وللاعتراض بنفس الوقت. ان «الطريق الثالث» عنى للكثيرين نوعاً من محاولة القيام بحركة «تجديد ايديولوجي» و«سياسي» اثارت بشكل سريع ومباشر نقاشات حولها اتسمت بالعالمية اذ شملت قارات وبلداناً شاسعة امتدت من الولايات المتحدة الامريكية الى اوروبا ومن آسيا الى اوقيانوسيا وامريكا اللاتينية. ولكن ظلت القارة الافريقية والعالم العربي بعيدين عنها الى حد كبير الا لدى بعض القوى السياسية. ولا شك بان «انطوني جيدنس» كان له الفضل الاكبر في طرح مفهوم «الطريق الثالث» للنقاش. وقد تابع نفس التوجه في اغناء النقاش من خلال هذا الكتاب الذي يساهم فيه باحثون من مختلف اصقاع العالم «المتقدم» وتتمثل المحاور الاساسية التي يتعرض لها المساهمون في هذا الكتاب في تطور وانتشار سياسات «الطريق الثالث» في اوروبا، حيث تتم دراسة حالات تشمل عدداً من البلدان مثل المانيا وبريطانيا وفرنسا «الاكثر بعداً حتى الآن عن صيغة «الطريق الثالث» كما يدرس عدد من المساهمين المؤسسات والسياسات الاصلاحية ذات الطبيعة الاجتماعية مما يشمل فرعين اساسيين هما السياسة الاجتماعية «ذات الطابع اليساري» والسياسة الاقتصادية «ذات المنحى الليبرالي». وتخص بعض المساهمات مسائل محددة ذات طابع تقني احياناً مثل دور المجموعات الصناعية الكبرى. وبكل الحالات يبقى الاطار العام لمختلف المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب هو «العولمة» وما فرضته من معطيات جديدة على صعيد الديمقراطية والتحديث الاقتصادي مع ما يطرحه من مشاكل تتعلق بالبيئة. تتوزع مواد هذا الكتاب بين اربعة اقسام رئيسية، يخص الاول منها التساؤل التالي: «طريق ثالث ام طريق وحيد؟» ويبحث الثاني في مسائل «دولة الرعاية العامة والسياسة الاجتماعية والتفاوت في مستوى المعيشة ـ اللامساواة» أما القسم الثالث فانه مكرّس للبحث في «الحكومة والديمقراطية والسلطة الاقتصادية» والقسم الرابع والاخير يحمل عنوان: «الطريق الثالث العالمي». وتركز مساهمات القسم الاول على الربط بين «عصر المعلوماتية» وما انتجه من ديناميكيات مختلفة وبين منظومات جديدة على صعيد الاقتصاد ومبادلات السوق، وحيث يتم التأكيد على ان بروز «اقتصاد السوق» ترافق مع «انحدار» موقع البنى الاقتصادية التقليدية في الدورة الانتاجية، وبرزت مع «اقتصاد السوق» ايضاً معطيات جديدة لها علاقتها بمفهوم «المواطنة» وبـ المجتمع المدني» وعلاقتهما بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية. وفي كل الاحوال يبدو ان هناك مسلكاً وحيداً - طريقاً وحيداً - لابد للجميع من اخذه بالحسبان وهو يتعلق بـ «ادارة المخاطر ذات الاثر الحاسم بمظاهرها السلبية والايجابية، بالنسبة للحكومات ولمواطنيها على حد سواء». وهناك بعض النقاط الاساسية التي تركز عليها مساهمات هذا القسم الستة كالقول بان السياسة في الحقبة الصناعية التقليدية كانت قائمة على فكرة بسيطة هي وجود نوع من «الصراع» بين رأس المال والعمل، اي ما يجد تعبيره في الواقع المعاش بين ارباب العمل والنقابات. هذه الثنائية وجدت ايضاً انعكاساتها الايديولوجية في قيام نوع من الانقسام «العمودي» بين معسكرين: اليمين واليسار مع ما يترتب على هذا من «ثنائيات» فرعية بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، وبين حرية الفرد وتأكيد المساواة، وبين قوى السوق والاقتصاد المخطط بالاشراف الدولي، اي ما يمكن في نهاية المطاف جمعه تحت عنوان: «الليبرلية ضد الاشتراكية». اليوم وفي ظل العولمة وعصر المعلوماتية تغيرت المعطيات الى حد كبير واهتزت القناعات واصبح الخط الفاصل «بين... وبين» واهياً الى حد كبير و«كما ان الثورة الصناعية هزت المجتمع وغيرت بناه فإن ثورة المعلوماتية ـ الانفورماتيك هي ايضاً بصدد تغيير طبيعة العمل، وبالتالي تغيير المجتمع والسياسة» ان التبدلات الجارية اليومية وجدت صداها في تغير كبير على صعيد «الذهنيات والولاءات» حيال الاحزاب السياسية التقليدية حيث برز نوع من البحث عن مصادر جديدة للهوية السياسية. كما ان «الحركة العالمية للاستثمارات» أدت الى نوع من الانقسام السياسي في الرؤى بين انصار «الاطروحات الوطنية» للاقتصاد وبين دعاة «العالمية» ان مثل هذا الانقسام بدا ايضاً على صعيد مفاهيم «السيادة» و«الهوية» وايضاً على صعيد العلاقة مع العالم او «القرية الكونية» كما شاعت التسمية. ان التحدي الاكثر الحاحاً الذي يواجهه النظام السياسي في كل مكان اليوم، وكما يبدو في العديد من التحليلات المقدمة، يتمثل في مواجهة الطريقة التي اصبح الناس يعملون ويتواصلون بها اكثر من اي وقت مضى في تاريخ الانسانية «عالمياً»، وذلك بواسطة وسائل الاتصال الحديثة وفي مقدمتها شبكات الانترنت، لكنهم لا يزالون يمارسون نشاطاتهم العامة «محلياً». ان مثل هذا الوضع يجعل من الصعوبة بمكان على الحكومات تحديد اولوياتها. هذا يعني ان العولمة وثورة المعلوماتية تشكلان معاً مصادر ضغط جديدة على المسئوليات الخاصة بمسائل «الهوية» ذاتها لا سيما وان المصالح السياسية على المستويات العالمية والقومية والاقليمية والمحلية تتجاذب وتتنافر بين بعضها البعض. اعتماداً على ما سبق يبدو ان صياغة سياسات اجتماعية - موضوع القسم الثاني من الكتاب - قد اصبحت مسألة ملحة وضرورية لخلق نوع من الثقة، الغائبة الى هذه الدرجة او تلك، بين الافراد والمؤسسات العامة وحتى الاكثر ديمقراطية منها. وغياب هذه الثقة يتبدى خاصة بنوع من «اللامبالاة» حيال السياسة بشكل عام. وهذا يقضي انتاج سياسات تؤكد على ضرورة اصلاح مفاهيم «الدولة الراعية» مما يتماشى الى حد كبير مع مقولات «الطريق الثالث». ان الاولويات التي يؤكد عليها عدد من المساهمين في هذا الكتاب حول صياغة سياسات جديدة تتمثل في العمل قبل كل شيء على مكافحة «التهميش الاجتماعي» و«البؤس» بالنسبة لشرائح اجتماعية كبيرة في مختلف بلدان العالم بما فيها العالم «المتقدم» ويتم في هذا الاطار استعراض «النموذج الاوروبي» الجديد الخاص بمحاولة ايجاد نوع من «التأقلم» الجامع بالنسبة لبلدان الاتحاد الاوروبي في مواجهة الظروف التي خلقتها العولمة واقتصاد السوق. وتبحث المساهمات المقدمة في هذا الاطار في نقاط «التقاء» و«اختلاف» العديد من الحالات الاوروبية الخاصة بمفهوم «الدولة الراعية» اي بمعنى الضامنة للحقوق «الاجتماعية» لمواطنيها. ان حالة القلق والتأرجح التي استجدت في ظل النظام الدولي الجديد وثورة المعلوماتية دفعت بالضرورة الى اعادة التأمل والتفكير في مسائل العلاقة بين الحكومات والديمقراطية وسلطة الاقتصاد، اي ما مثل موضوعات القسم الثالث في هذا الكتاب وهذا ما عبرت عنه بعض المساهمات بالقول بضرورة نقد «السياسات الارثوذكسية» التي لاتزال بلدان عديدة تصر على انتاجها دون ان تأخذ بالاعتبار المتغيرات الجوهرية التي شهدتها البلدان الصناعية خاصة خلال العقود الاخيرة الثلاثة المنصرمة. واذا كان الجميع يتفقون على اهمية الديمقراطية وبانها «امتياز» كبير للانسان في العالم الذي نعيش فيه فان هذا لا يلغي واقع انه لها بعض الانحرافات في فترات التبدل او الفترات الانتقالية وحيث يمكن لكل دولة من الدول ان تنتهج نموذجاً ديمقراطياً يتماشى باكبر قدر ممكن مع خصوصياتها دون محاولة «نسخ» اي نموذج آخر انتجه واقع آخر وظروف اخرى. لكن بكل الحالات مطلوب من المؤسسات الديمقراطية ان تستجيب لما تستدعيه «المشاكل العامة» المطروحة على الانسانية، وليس اقلها مشاكل البيئة. وقد ركز اكثر من مساهم في هذا الكتاب على اهمية الديمقراطية في «الثقافة المدنية» لمختلف المجتمعات، اي ما يمكن التعبير عنه بأهميتها في مؤسسات المجتمع المدني، وبكل الحالات لابد من تبني سياسة جديدة تؤدي الى اعادة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. هذه الديمقراطية يصفها المساهمون في هذا الكتاب بانها تمر بأزمة كبيرة، هذا في الوقت الذي لابد فيه من استعادة الثقة بالسياسة، وبالتالي بالسياسيين من اجل مواجهة التبدلات السياسية الجارية على صعيد العالم. ثم ان استعادة هذه الثقة تتطلب بالضرورة وقف «التلاعب» بمشاعر «الناخبين» و«القناعة» ينبغي ان تحل محل «التلاعب» كذلك ينبغي ان تحمل السياسة الجديدة «قيماً كونية» يؤكد عليها خيار «الطريق الثالث». وفي مقدمة الاشكاليات التي تتعرض لها دراسات القسم الرابع من هذا الكتاب والمكرس لدراسة «الطريق الثالث العالمي» هناك مسألة التلوث «وحماية البيئة» باعتبارها شرط اساسي للوصول الى تنمية متوازنة وقابلة للاستمرار. وتتم ايضاً ضمن هذا الاطار دراسة اشكال «الشراكة» التي يقول بها «الطريق الثالث» بين «الحكومات» ومؤسسات القطاع الخاص بعيداً عن أية آليات «بيروقراطية» يمكن للدولة ان تنجذب نحوها. وذلك مع المحافظة على منظور حرية التبادل التجاري وتأمين استقرار الاسواق العالمية، بعد التبدلات الكبيرة التي شهدتها السنوات الاخيرة من القرن العشرين خاصة على صعيد الاقتصاد السياسي لعدد كبير من البلدان عبر العالم. يضاف الى المنعطف الذي عرفه الاقتصاد السياسي تلك التغيرات الجوهرية التي شهدها العالم السياسي والتي جعلت من «الطريق الثالث» خياراً «وسطاً» بين «تطرفين» وعلى رأس تلك التغيرات انهيار الاتحاد السوفييتي السابق واعادة توحيد المانيا من جديد ونهاية نظام التمييز العنصري في جمهورية جنوب افريقيا واتفاق حرية التبادل التجاري في شمال القارة الامريكية وتقدم مسيرة انجاز الاتحاد الاوروبي. ولعل الميزة الاساسية لهذا الكتاب تتمثل في تعرضه لمشكلة راهنة في مرحلة انتقالية تهتز فيها قناعات كثيرة. ولعله ايضاً يقدم اكمل لوحة تفصيلية حتى الآن حول التطور الذي شهده الفكر السياسي «اليساري» في العالم منذ سقوط جدار برلين عام 1989. «الطريق الثالث» في الاقتصاد والسياسة والذي يمر عبر الوسط مع «انحراف» واضح نحو اليسار.