بيان الكتب: ميشيل شنايدر مؤلف هذا الكتاب هو طبيب نفساني. اهتم بشكل خاص بتأثير الموسيقى على الحالة النفسية للبشر، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يبدعونها، أي الموسيقيين أنفسهم. ومن أطروحاته الشهيرة ، التي يكررها باستمرار حول هذا الموضوع هي أن «فرويد» عالم النفس الشهير الذي كان أحد أكبر الشخصيات الفاعلة في القرن العشرين، لم يكن يحب الموسيقى. «إن الموسيقى تلطّف الروح» تقول فكرة تتردد كثيراً، وذلك على اعتبار أنها تتجه الى ما هو «أكثر عمقاً» في الجسد والروح. وكل موسيقى هي «حكاية حميمة دون كلام»، إن الموسيقى التي يتحدث عنها المؤلف هي بالتحديد «الموسيقى الكلاسيكية» التي تحتوي على «تأليف» موسيقي وعلى «جملة» موسيقية بينما انه يصنف أغلبية الموسيقى الأخرى في خانة «الفولكلور» الشعبي. ويرى المؤلف في ألحان كل موسيقي يتعرض لدراسة انتاجه من الكبار مثل «باخ» و«شوبان» و«بروكنر» أسلوباً خاصاً في التعبير عما تكنه أعماق النفس وما يكون له دائماً صلة وثيقة بالواقع المحيط. ثم إن «الأذن» سبيل مهم من أجل فهم حالة الآخر وأحياناً فهم مكامن خفية من شخصيته. وكثيراً ما تفصح «رنة الصوت» عن الحالة النفسية المحددة التي يعيشها صاحبها. والموسيقى هي المستوى «الأرقى» للتعبير. ويؤكد المؤلف بأن الموسيقى، أو أحياناً غيابها القسري لسبب ما من الأسباب، يمكن أن يؤدي الى نوع من القطيعة مع العالم الخارجي، وحتى إلى نوع من الجنون. وإذا كانت هناك عشرات الكتب المكرّسة لكتابة سير حياة الموسيقيين الكبار، وحيث أن حياة كل منهم كانت موضوعاً لأكثر من فيلم سينمائي، فإن الكتب التي تتحدث عن تأثير الموسيقى على الروح، وخاصة على الجسد، نادرة. وهذا الكتاب «موسيقى الليل» واحد منها. ويؤكد المؤلف من خلال دراسة العديد من الحالات بأن كبار عازفي البيانو في العالم من أمثال «ريشتر» و«جولد» وغيرهما، كانوا يلجأون عند تعرضهم لأزمات نفسية حادة أحياناً إلى «صمت الليل». لكن الأزمة الحقيقية لدى الموسيقيين تتبدى إذا «انطفأت» ملكة الإبداع لديهم. إن الأمثلة التي يسوقها المؤلف كثيرة ومن بينها مثال موسيقي أمريكي من أصل هنغاري هو اروين نيرجيازي» الذي بدأ العزف على البيانو منذ سن الرابعة، وكان يتمتع بـ «أذن موسيقية» استثنائية. وبدأ بالعزف على المسارح الأمريكية والقاعات الموسيقية الكبرى في عقد العشرينيات وحيث وصفه الذين استمعوا إليه عام 1920 بأنه كان «عبقرياً». وكان يكسب أموالاً طائلة من العمل كعازف «بيانو» في كاليفورنيا. لكنه «اختفى» عن الحفلات العامة والمسارح فجأة إثر «انهيار عصبي» أصيب به ليتم اكتشافه فيما بعد عام 1973 وهو يعيش في غرفة صغيرة بائسة في لوس أنجلوس. وبعد أن قام بالعزف من جديد في حفلات صغيرة «شبه خاصة» توفي عام 1987. يقول المؤلف: «لقد توفي فعلاً في عام 1987، وقد كان ميتاً من قبل، عندما انطفأت موهبته الإبداعية». كذلك يؤكد المؤلف بأن أكبر عازفي البيانو في العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة (ريشتر، جولد، هورويتز، بنديتي ميشيل انجلو) كانوا قد عرفوا في لحظة أو بأخرى «أزمات انهيار عصبي» أو حالات من «الحزن العميق» دفعتهم نحو الصمت المطبق وأحياناً لفترات طويلة من الزمن. وكان عازف «الجاز» الشهير «تيلونيوس مونك» قد عرف فترة خمسة عشر عاماً من الصمت «إجمالاً».. إنها الإصابة بنوع من الصمم «المؤقت»، وانما الذي قد يقصر أو يطول. لكي ينبغي «عدم الخلط» بين مثل هذه الحالة وبين الموسيقي الذي يرفض الخوض «خياراً» مع أي شخص ينتمي لعالم وسائل الإعلام. إن هذا الكتاب يرسم العوالم «العجيبة» التي أحاط بها عازفو «بيانو» كبار أنفسهم حيث كان لبعضهم أعراض الخوف من ركوب الطائرة (هورويتز، جولد، ريشتر) ومن الأمراض (جولد أيضاً) ومن وجبات الطعام أثناء السفر (هورويتز) بل ومن آلة البيانو نفسها (بينيديتي، ميشيل أنجلو). هكذا أمضى أيضاً جوزيف هوفمان (1876 ـ 1957) السنوات العشر الأخيرة من حياته بعيداً عن «البيانو» وعانى «كولد ارّو» عندما كان عمره 21 عاماً من الصعوبة البالغة في أن يعزف أمام الجمهور بعض المقاطع الموسيقية التي لا تحتوي على أية صعوبة. لقد أعاد أحد الأطباء النفسانيين ذلك آنذاك الى سنوات الطفولة. إذ «كم من الأطفال يلوذون الى الفشل لأنهم لا يشعرون أنفسهم بوضع مريح»، قال فيما بعد عازف البيانو الشهير نفسه ثم أضاف: «مع تقدمي في السن، كنت أشعر بحرج أكبر في أن أكون مركز الاهتمام». إنه «القلق الخلاّق»، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب «قلق الموسيقيين» المرتبط بكون أنهم «كائنات بشرية» ذات حساسية كبيرة. وظاهرة أخرى يدرسها مؤلف هذا الكتاب وتتعلق بـ «كيفية» تعامل الموسيقيين الكبار مع الجمهور حيث أن بعضهم لا يقوم حتى بتحيته مثل «رادو لوبو» الذي كان يدخل الى صالة العزف أمام الجمهور وكأنه «أحد دببة جبال الكارابات»، و«سفاتسلوف ريشتر» الذي كان يحمل في عينيه دائماً نظرة «احتقار» شبيهة بتلك التي كان يتمتع بها الروائي الفرنسي «جان جينيه» الذي اعترف ذات يوم بأن أسعد لحظات حياته هي تلك التي «سحق» فيها جيش ذلك العريف ـ يقصد هتلر ـ جيش بلاده فرنسا. كذلك لم يكن «شوبان» يحب الحفلات الموسيقية العامة وكان «شومان» قد قام ذات مرة (عام 1832) بجرح أحد أصابعه عمداً مما أرغمه على عدم العزف. وقال «هورويتز» بعد انقطاع دام عشر سنوات عن العزف: «لقد توقفت عن العزف كما يتم توقيف عربة إذا لم تكن هناك رغبة بحرق محركها». وفي جميع الحالات، يمكن لـ «الصمت» أن يكون «ملجأ نفسياً» ونوعاً من «المكان والزمان» يحميان من الآخرين ويساعدان على الإبداع مع «موسيقى الليل» في داخل النفس. بل وهناك موسيقيون عزفوا على آلاتهم الموسيقية قبل أن يمارسوا النطق والكلام مثل «رادو لوبو» الذي لم ينطق بكلمة حتى سن السادسة أو السابعة. لقد عزف «أولاً» ثم تكلم بعد ذلك. ضمن هذا الإطار يناقش المؤلف العلاقة بين الموسيقى و«أشكال التعبير الأخرى» وفي مقدمتها اللغة. ويصل الى القول بأنه «من المؤكد أن الموسيقى، أي الفن الأكثر تجريداً ولكن أيضاً الأكثر حسيّة بين جميع الفنون، تمثل عالماً معرّضاً لاضطرابات الابداع أكثر من عالم الفنون التجريدية الأخرى أو الأدب. إنها تمثل لغز لغة دون كلام مما يجعل منها الفن الذي يربط أكثر من غيره بين الإبداع والجنون». إنه «الجنون» بالمعنى الذي تحدث عنه الفيلسوف «ميشيل فوكو»، أي الجنون الذي «يتحدث لغته الخاصة». «موسيقى الليل»، كتاب عن الإبداع الذي يدفع نحو الصمت.. أو عن «الصمت المبدع»