بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو روائي امريكي من اصل كرواتي ـ صربي هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية منذ سنوات عديدة. وقد قارنه العديد من النقاد الامريكيين بفلاديمير نابوكوف، مؤلف رواية «لوميتا» الشهيرة. يقع هذا العمل على الحدود بين الرواية والسيرة الذاتية والتاريخ. ولكنه بكل الحالات عمل عن «البلقان» التي يبدأ المؤلف بالحديث عن طفولته فيها. تلك الطفولة التي كانت مشرّبة بطعم المأساة حيث ان اسرة «العم يوليوس دو هيمون» كانت محكومة بما فرضه عليها تاريخها من حيث انها كانت ذات اصول «اوكرانية»، كما انها عاشت مرارة الحقبة الستالينية. وهذا ما يعبر عنه «العم» بالقول: «ان الحياة ليست سوى سلسلة متتابعة من الآلام». كانت هذه الجملة من بين اكثر الجمل التي يتفوه بها «تفاؤلاً». اما حول رؤيته السياسية، فيمكن ان تشير عليها ايضا جملة اخرى في الكتاب تقول: «اننا لا نفعل على الثورات، سوى الانتقال من حالة حيوان مؤذٍ الى حالة حيوان آخر». ولم تكن رواياته وحكاياته التي يقصّها على مسامع حفيده اكثر فرحاً خاصة فيما يتعلق بالسنوات التي امضاها في احد معسكرات الاعتقال «السوفييتية». وكانت حكاياته تنتهي في اغلب الاحيان مثل القول بأن احد الاشخاص قتل شخصاً اخر ثم «التهمه» انها ظروف الحياة الصعبة التي كانت تحتم على البشر القيام بتصرفات بعيدة كل البعد عن اية خلفية انسانية. ان السجناء لم تتم معاملتهم كالبشر، ولذلك لم يتصرفوا كـ «البشر». هذه هي الاجواء التي تحتويها صفحات هذا الكتاب، كما تأتي على لسان الراوي، المؤلف او الشخصية الرئيسية، اذا نظرنا الى هذا العمل كرواية. لكن مثل هذه الاجواء لم يكن متوقعاً منها ان تنتج سوى شخصية مرضية «نفسياً» او كاتباً. وكان هذا الاحتمال الثاني هو الذي آلت اليه الامور، فلنقل ولـ «حسن الحظ». ان بعد السيرة الذاتية واضح تماماً فيما تقدّم، لكن المؤلف «يخترع» بموازاة هذا الراوي شخصية اخرى، يقوم ايضا بكتابة سيرة حياتها، انها شخصية الجاسوس «ريشار سورج» ذي الام الروسية والعشيقة اليابانية «ذات الافكار الاشتراكية». «ريشار» هذا يصف نفسه بالقول: «لي شخصية منشطرة الى قسمين» وموزعة مثلي بين رجل يكره نفسه ورجل اكرهه». وكان يعتقد بأن اباه كان جاسوساً، لكنه في الواقع لم يكن كذلك، بل انه تعرّض للاعتقال حيث حكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات كان «ريشار» المراهق آنذاك، يقرأ بحماس روايات من الادب العالمي مثل «الغريب» لالبيركامو «والمسخ» و«المحاكمة» لفرانز كافكا. والى جانب سيرة حياة «الراوي» وسيرة حياة «الجاسوس» تتداخل احداث البلقان حيث «يتجذر الكره في النفوس كما تتجذر اشجار السنديان في الارض». ويحتوي هذا الكتاب على صفحات عديدة يصف فيها المؤلف «سراييفو تحت الحصار»، وذلك عبر عيون مراسل صحفي حربي باسم «كيفن» وايضاً عبر عيون امرأة احبته وعاشت معه لحظات الحب تحت القصف. لقد عاشا ذلك، او ربما انهما «تخيلا» انهما عاشاه. انها الحرب التي تولد داخل اعماق النفس كل الاوهام. لكن اذا كان الرصاص يجلب معه الموت احياناً، فان موتاً اخر قد ينتظر اولئك الذين تسوقهم اقدارهم الى العيش في اطار حالة اغتراب «ثقافي» متطرفة في المنافي، خاصة اذا كان «الآخر» ضخم الجثة، مثل اغلبية احفاد العم «سام». ان المؤلف يخترع ايضا شخصية «جوزيف برونيك»، التي تبرز في النصف الثاني من الكتاب وتبدو بمثابة «الصدى» للتجربة التي عاشها المؤلف نفسه عند خروجه مكرها من البلقان الى الولايات المتحدة الامريكية. ويمكن اعتبار موضوع «الصدمة الثقافية» بمثابة احد «الخطوط» التي ترتسم بين الكلمات من اول هذا الكتاب حتى اخره. وحيث يبدو ان «جوزيف برونيك» في المجتمع الجديد الذي وصل اليه وكأنه «أتى من كوكب اخر»، او هكذا يراه ويقدمه المؤلف.. لكنه تعلّم منذ ان وطأت قدماه ارض مطار كندي ان يصبح شيئا فشيئاً امريكياً «اكتسب خمسة عشر كيلوجراماً من الشحوم»