بيان الكتب: يعمل كلود لوريو، مؤلف هذا الكتاب، مسئولاً عن قسم الشرق الاوسط في صحيفة «لوفيجارو» الباريسية اليومية، زار جميع بلدان هذه المنطقة مراراً منذ اكثر من عقدين من الزمن. ونشر الكثير من المقالات والدراسات عنها. سبق له ونشر كتاباً تحت عنوان: «مغامرو بحر الشمال». موضوع هذا الكتاب هو «مسيحيو الشرق».. ويعود المؤلف في تحليلاته الى الحقبة التي سبقت الدعوة الاسلامية حيث كانت هناك عدة قبائل ومجموعات تعتنق الدين المسيحي. كما يتعرض الى رقعة جغرافية تمتد من تركيا وحتى السودان ومن ايران حتى مصر. ولا يتردد «كلود لوريو» في التأكيد بان مسيحيي الشرق يعتزون بانتمائهم الى هذه المنطقة من العالم. لكن الحقبة الراهنة تتميز بنوع من التعارض بين الشرق والغرب مما يجد انعكاساته احيانا على العلاقة بين المسيحيين في الشرق وبين بقية مكونات المجتمع الاخرى، على خلفية «الارث التاريخي» والمشاعر التي خلفتها الحروب الصليبية. ان اهم مناطق تواجد مسيحيي الشرق تتمثل في آسيا الوسطى ومصر. لكن هذا لا يمنع واقع ان العقود الاخيرة المنصرمة من الزمن قد شهدت الكثير من موجات هجرة المسيحيين الى البلدان الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية لاسباب اقتصادية بالدرجة الاولى.. وكانت هجرات اخرى كبيرة قد عرفها مطلع القرن العشرين في اوج التحضيرات للحرب العالمية الاولى، كما استمر ايقاع الهجرة عالياً في فترة ما بين الحربين العالميتين. ان المسيحية قد ولدت في فلسطين لكنها اصبحت فيما بعد ملازمة الى هذه الدرجة او تلك للغرب ويشير «كلود لوريو» في هذا السياق الى «خطأ شائع» بل الى «الخلط بين المسلم والعربي» في شمال البحر الابيض المتوسط، اي في الغرب المسيحي الى درجة ان مفهوم «المسيحي العربي» يبدو لعدد كبير من الغربيين وكأنه يحمل «تناقضاً» جوهرياً. امام مثل هذا الخلط لا يتردد المؤلف في القول: «كان ذلك سبباً اول في تأليف هذا الكتاب». ولا يتردد ايضاً في القول بان «حصاد المسيحية هي بالتأكيد شرقية» ثم «ان الجزء الاساسي من تاريخ المسيحية جرى بين ضفاف البوسفور ودجلة والنيل». وبالتالي يرى «كلود لوريو» بأنه اية دراسة للمسيحية تسقط من حساباتها جذورها الشرقية باتت تحمل في داخلها «شيئاً من الخلل». ومن الاخطاء الشائعة الاخرى التي ينبه لها المؤلف والموجودة خاصة في اذهان الغربيين هناك الاعتقاد بان الكنيسة الارثوذكسية تخص حصراً اليونانيين والسلافيين، ذلك انها «كنيسة العرب ايضاً». لكن الغرب استطاع في العصور الحديثة ان يجتاح العالم، وحركة الاكتشافات في بدايات سيطرة بعض القوى الغربية وفي مقدمتها اسبانيا والبرتغال وبريطانيا تحوّلت فيما بعد الى مد استعماري، وأرسل الغرب مبشريه من الكاثوليكيين والبروتستانتيين الى جميع اصقاع العالم مما جعل المسيحية تبدو وكأنها نتاج غربي. هكذا اختلطت السياسة مع المعتقد الديني وتداخلت الخنادق بحيث ان العديدين في الشرق اصبحوا ينظرون الى ابناء وطنهم المسيحيين وكأنهم «طابور خامس» يعمل في خدمة الولايات المتحدة الامريكية والمشاريع الغربية عامة.. وبتعبير اخر في خدمة «الامبريالية الدولية». ان ظاهرة الهجرة من الشرق الى اوروبا وامريكا ليست قصراً على المسيحيين فالمسلمون من عرب وايرانيين واتراك وغيرهم يهاجرون ايضا لاسباب مختلفة ليس اقلها الحالة الاقتصادية والبطالة. اضف الى هذا ما يؤكده المؤلف بان الاسلام قد تعايش مع الطوائف الاخرى بافضل ما فعلته المسيحية احياناً. وكان بعض الخلفاء قد اختاروا وزراء لديهم من المسيحيين، ثم ان «المثقفين المسيحيين ساهموا بشكل كبير في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بنهضة الآداب العربية». ويشكل مسيحيو الشرق في ديار الاسلام، كما يراهم المؤلف، عناصر فاعلة تعيش وتتعايش مع الوسط الاجتماعي الذي تنتمي اليه. ومنهم «من ينظف الشوارع» ولكن منهم ايضا من «يترأس مؤسسات اقتصادية كبرى». كما ان العديدين منهم يساهمون بنشاط في الحياة العامة لبلدانهم. ان ثلاثة اسماء لها دلالتها في هذا الاطار هي بطرس غالي الذي كان نائباً لوزير خارجية مصر ثم اميناً عاماً لمنظمة الامم المتحدة، وجورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وطارق عزيز احد أهم الشخصيات العراقية. وبالاضافة الى التأريخ لـ «مسيحيي الشرق في ديار الاسلام» يمثل هذا الكتاب في واقع الأمر تأريخاً للشرق العربي منذ غزوات المغول والصليبيين وايضاً للدور العثماني في المنطقة. ومن الملفت للانتباه ان اكتشاف كريستوف كولومبس للقارة الامريكية «العالم الجديد» عام 1492 قد تزامن مع تزايد قوة الدور العثماني ـ التركي وصولاً الى تأسيس الامبراطورية العثمانية وحيث كان السلطان محمد الفاتح قد احتل القسطنطينية «اسطنبول لاحقاً» عام 1453 لتسود خلال قرون عديدة ثنائية اقليمية تمثل قطباها في الامبراطورية العثمانية من جهة وروما من جهة اخرى. وقد اختار مؤلف هذا الكتاب «كلود لوريو» ان يدرس تاريخية تواجد مسيحيي الشرق والاوضاع الراهنة التي يعيشونها تبعاً للبلدان التي يتواجدون فيها بحيث كرّس لكل بلد من البلدان المعنية فصلاً من فصول هذا الكتاب حيث انطلق من العراق وصولاً الى السودان ومروراً بتركيا وسوريا ولبنان وفلسطين والاردن وشبه الجزيرة العربية وايران ومصر، ويصل المؤلف في نهاية تحليلاته الى انه لا توجد حتى الان في الشرق الاوسط اقلية مسيحية كبيرة نسبية وانها تتمتع بقدر كبير من الحيوية والديناميكية، ويرى ان في مقدمة الاخطار التي تتهدد هذه الاقلية هناك مسألة الهجرة. هذا وتشير الاحصائيات الى ان عدد المسيحيين في مدينة القدس مثلا قد بلغ في نهاية القرن الماضي «العشرين» حوالي عشرة الاف نسمة مقابل ثلاثين الف نسمة في عام 1945. وتدل الاحصائيات نفسها بانه يوجد في مجمل بلدان الشرق الاوسط ما بين تسعة ملايين واربعة عشر مليون مسيحي، لكن نسبتهم لا تمثل في افضل الاحوال اكثر من 10% من مجموع السكان في اي بلد من البلدان المعنية في الوقت الراهن بينما وصلت عشية الحرب العالمية الاولى اي عام 1914 ما يقارب 25% من مجموع السكان في ستة بلدان عربية هي مصر وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين والعراق. ولكن ومهما كانت نسبة تواجدهم فان هذا التواجد يعود الى حوالي الفي سنة، كما تقول شهادات العديد من المؤرخين الذين درسوا هذه المسألة. وفي الشرق «يشيخ الناس تقليدياً ويموتون في ديارهم»، يقول كلود لوريو في نهاية تحصيلاته. هكذا تبدو الهجرة بالنسبة لجميع اولئك الذين يهاجرون من الشرق، بمثابة «قطيعة» و«اقتلاع من الجذور» مثل تلك التي عرفها عشرات الآلاف من الذين غادروا العراق منذ نهاية عقد السبعينيات. لكن «وعلى الرغم من خصوصيات الوضع العراقي فانه يعكس تطوراً عاماً عرفته اغلبية بلدان الشرق الاوسط. واغلبية الذين يهاجرون هم من الشباب بحيث اصبحت الشيخوخة هي السمة الغالبة للمجموعات المسيحية في الشرق، والشيخوخة عامل من عوامل الضعف. وهذه المؤشرات «مرشّحة» كلها لـ «التفاقم» وذلك لسببين الاول هو ان اولئك الذين وجدوا مكاناً لهم في اوروبا وامريكا واستراليا يعملون كي يلتحق بهم اقاربهم. والثاني هو ان اولئك الذين يفضلون البقاء رغم كل شيء فان شعورهم بـ «اقليتهم» يتعاظم وبالتالي انهم «اكثر ضعفاً» ويميلون في نهاية المطاف الى الرحيل «عندما تسنح الفرصة». كتاب يبحث بجرأة ودون أي «رتوش» موضوع مسيحيي الشرق بكل مناحيه وحيثياته