بيان الكتب: فيليب موريس، مؤلف هذا الكتاب هو قاتل سبق له وشارك في مواجهتين بالرصاص مع رجال الشرطة الفرنسية قتل فيها اربعة اشخاص، ثلاثة من رجال الشرطة والحراسة وصديق لفيليب موريس كان يشاركه اعمال العنف التي يقوم بها، كان ذلك في اواخر عام 1979. وفي الثامن من شهر مارس 2000، خرج فيليب موريس من السجن بعد عفو رئاسي عنه. لقد دخل مؤلف هذا الكتاب الى السجن قاتلاً مجرماً وخرج منه يحمل شهادة الدكتوراه في تاريخ العصور الوسطى. لكن لو لم يكن قد صدر في شهر سبتمبر من عام 1981 قرار الغاء عقوبة الاعدام في فرنسا، لكان من المرجح ان يكون فيليب موريس في عداد الذين حصدت المقصلة رؤوسهم بعد جرائم القتل التي شارك فيها. هذا الكتاب يروي قصة صاحبه مع السجن والدراسة ثم الخطوات الاولى في عالم الحرية من جديد ومنذ عام من الزمن، لقد عاد كي يأخذ مكانه في المجتمع الذي كان قد رأى به «عضواً فاسداً مصاباً بالغرغرينا ومن المناسب بتره» كما جاء في الاتهام الموجّه له، وحسبما يقول في كتابه ان عمره الان حوالي خمس واربعين سنة لكنه يبدو اقل من هذا بعشر سنوات على الاقل. ولقد امضى في السجن ثلاثة وعشرين عاماً وشهرين. كان يرافقه كما يقول، خلال هذه الفترة كلها «أنيس» واحد هو «الكره»، كره العالم الذي يحيط به وكره العالم الذي دفعه نحو السجن. ضمن هذا السياق جاءت امكانية الدراسة في الجامعة كي تفتح له ثغرة صغيرة نحو الحياة. لقد اختار الميدان الذي يحبه اي التاريخ كي ينال في عام 1995 شهادة الدكتوراه في هذا الميدان عن اطروحة قدمها حول «الاسرة في القرن الخامس عشر». وقد نال الشهادة بعد مناقشة لجنة الفاحصين بتقدير الشرف مع «تهاني اللجنة»، اي ما يمثل ارفع تقدير يمكن ان يناله طالب. لقد خرج من السجن في الثامن من شهر مارس عام 2000، لكنه لم ينس شيئا ولم يسامح تلك الممارسات التي كان يمارسها المشرفون على السجن مع السجناء ومن وجهة النظر هذه يمثل هذا الكتاب وثيقة حقيقية عن عالم السجون في فرنسا، وهي وثيقة تأتي في سياق عدة كتب تم نشرها خلال الاشهر الاخيرة المنصرمة، كان احدها بقلم طبيبة مسئولة عن احد السجون القريبة من العاصمة الفرنسية حيث يجمع الكل، بما فيهم فيليب موريس من موقعه كسجين سابق، على سوء حالة السجون في فرنسا. ان فيليب موريس يصف في كتابه ايضا مختلف انواع سوء السلوك التي مارستها ادارات السجن الى جانب الكثير من الترهات التي تفوّه بها رجال السياسة. انه لم ينس حتى أدق التفاصيل كما يبدو بوضوح من خلال روايته لمذكراته الخاصة بتجربة السجن المريرة باعتباره «سجيناً سابقاً». ويتحدث فيليب موريس مرّات عديدة في كتابه وبأشكال مختلفة عن الاهمية الحاسمة التي مثلتها دراسة التاريخ في حالة السجن التي عاشها «خارج التاريخ». لقد كانت مسألة الدراسة بالنسبة له هي قضية «حياة او موت» وذلك لانها كانت وسيلة للوصول الى نوع من «التوازن العقلي». واذا كان البعض يصرفون الطاقات المخزونة لديهم بواسطة ممارسة الجهد البدني من خلال الرياضات المختلفة او غيرها، فان الدراسة كانت بالنسبة لمؤلف هذا الكتاب هي بمثابة «المسرب» الذي يصرف طاقاته المخزونة من خلاله. ويعيد ضمن هذا السياق اهتمامه بالدراسات التاريخية الى اساتذته عندما كان طالبا. لكنه يشير في هذا السياق ايضا الى انه تردد عندما أتيح له ولوج سبل الدراسة من جديد بين ثلاثة مشارب علمية هي علم النفس والتاريخ والفلسفة، وقد عرف بأنه لن يذهب في ميدان علم النفس بعيدا بسبب الافتقار الى امكانية القيام بدراسات ميدانية، وكانت الدراسات الفلسفية تتضمن مواد تخص الفلسفات الهندية ومعرفة اللغة السنسكريتية. وهو كان يجهلها هكذا توجه نحو التاريخ وتعلّق به اكثر فأكثر من خلال الدراسة نفسها. اما احد المدرسين في السنة الرابعة الجامعية كان مختصا بالعصور الوسطى وكان اعجاب فيليب موريس به دافعاً له كي يهتم بهذه الفترة من التاريخ الاوروبي. وكان اختيار فيليب موريس لدراسة تاريخ العصور الوسطى نوعاً من «اللجوء» الى فترة زمنية تجعله يتجنب الخوض في التاريخ المعاصر، تاريخه كأحد ابناء الضواحي، كما يقول، وحيث ان هذا التعبير يتم استخدامه حالياً في القاموس المتداول للدلالة على شريحة من الشباب «المشاغبين» والعاطلين عن العمل غالباً والذين يمارسون العنف ضد المجتمع الذي «يرفضهم» و«يرفضونه» بالوقت نفسه. اضف الى هذا وقع ان فيليب موريس عاش تجربة السجن مما جعله يكتسب وعياً اجتماعياً يقوم اساساً على «التمرد» و«الغضب». لكن بالمقابل كان اختيار الشاب السجين لموضوع يخص الاسرة والقوانين يخبيء وراءه نوعاً من الرغبة في فهم القواعد التي تحكم المجتمع واخلاقياته وبالوقت نفسه دراسة تاريخ القانون نفسه وحيث اكتشف مثلا بأنه عندما كان يتم السماح في القرن الخامس عشر للولد غير الشرعي بدخول منزل الاب كان يتم الاعتقاد بأن الاب نفسه كان وراء ذلك السماح، لكن الامر لم يكن كذلك بالضرورة حيث انه كان يحق للأم «قانونياً» ان ترفض استقبال الابن غير الشرعي في المنزل، مما يؤكد بأنه كان للمرأة بعض السلطات وباسم القوانين السارية. وما يؤكده «فيليب موريس» في هذا الكتاب ايضا هناك تمسكه الكبير بالاسرة واعتبارها اساسية في حياة الانسان ويركز على اهمية الدور الذي لعبه اخوه، والذي مات في السجن، والذي لعبته والدته التي حافظت على دعمها له باستمرار. انه يؤكد بأنه لولا هذين الشخصين لما كان استطاع المقاومة، ان المؤلف يتحدث على مدى صفحات عديدة عن اخيه «جان جاك»، اخيه الأكبر الذي كان قد سبقه الى عالم الاجرام وجره اليه، والذي تمت اساءة معاملته بالسجن حيث القي في زنزانة تفتقر الى الحد الادنى من وسائل الوقاية من المرض، يقول فيليب موريس: «كان باستطاعتي ان احس بالكره للمسئولين عن السجن الذي كان فيه ـ الاخ ـ لكن كان كل شيء قد انتهى ولم يبق امامي سوى احتقار الموظفين المسئولين عمّا حصل». وضمن هذا السياق يتحدث المؤلف طويلاً ايضا عن اقسام السجون المخصصة لعتاة المجرمين وحيث تعرّض هو شخصياً خلال وجوده في احد هذه الاقسام الى حوالي الف وخمسمئة عملية تفتيش «جسدية»، بل وكثيرا ما يتعرّض فيه السجناء لعمليات «اغتصاب» وفي السياق نفسه ايضا يتحدث السجين السابق عن الآلام التي عانى منها امام الاذلال والاحتقار الذين تعرّضت امه لهما اثناء محاكمته واستجوابه من قبل محامي الادعاء. القناعة التي يؤكد عليها المؤلف هي ان كل ما قاله الاخرون، وما قاله هو نفسه عن عالم السجون لن يسترعي اهتمام الكثيرين. لانه من الاسهل الا يرى الاخرون الواقع، ولذلك يغمضون عيونهم. وكل سجين قد يفقد حياته تحت التعذيب سيتم اعتباره «منتحراً» اذ ليس هناك من يرغب بهز اسس النظام القائم في عالم السجون. الامر الذي يعيده المؤلف السجين السابق لاسباب سياسية بالدرجة الاولى. ذلك ان تحسين حالة السجون والسجناء، ومهما كان ذلك ضئيلا وقليل الكلفة لن يكون له مردود «انتخابي» وبالتالي لن يثير الاهتمام الحقيقي لاصحاب القرار السياسي او لاولئك الذين يريدون ان يأخذوا دوراً في الحياة العامة للمجتمع. يبقى المحرك الاساسي لـ «المقاومة» في السجن، وكما يصفه مؤلف هذا الكتاب هو «الحقد» و«الكره» حيال الآخر. ان «الضحية» محكوم عليها بـ «الحقد» على المجرم. والسجين لا يملك اية وسيلة يواجه فيها الألم الذي يتعرض له سوى «الحقد». ومن هنا كانت الدراسة بالنسبة لفيليب موريس نوعاً من الانتقال من «الحقد» نحو «الحياة». وذلك لانها قدّمت له «سبباً للحياة». وهذا ما يفتقد اليه اغلبية السجناء وخاصة الذين عليهم ان يمضوا فترات طويلة في السجون. ان قسمة الامل التي يخلقها وجود سبب للحياة تشكل ايضاً في حالات كثيرة حاجزاً يمنع من الانتحار. ويمكن لكتابة ان تكون احياناً بالنسبة للسجين، وسيلة للتعبير عن «غضبه». ان فيليب موريس يتمتع اليوم بمنحة دراسية ضمن اطار برنامج للبحث تابع للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. وهو يحمل الان جميع المؤهلات العلمية التي تتيح له امكانيته ان يكون استاذاً جامعياً بعد ان قدّم اطروحة من حوالي 1200 صفحة يرى بها العديد من الاخصائيين مرجعاً في ميدان اختصاصها. ولكن لايزال امامه عائق «صحيفة السوابق». مذكرات سجين نجا من المقصلة وخرج الى مغامرة الحياة من جديد مسلّحاً بأكبر شهادة علمية.