ـ دراسة التاريخ تؤكد لنا أنه لم تنهض أمة من الأمم إلا من خلال جيل معد للقيادة إعداداً تربوياً كاملاً ـ لابد من تكثيف البرامج التي تدعم الهوية العربية والإسلامية في مناهجنا ـ عملية الحراك الاجتماعي داخل مجتمعنا جعلته يتفرد ببعض الخصائص المتعلقة بتركيبته السكانية تعتز أمم الأرض الرائدة اليوم بهويتها الموروثة عبر الأجيال، ومن أهم العلامات الخطيرة على اندثار دولة من الدول، هو تخلي أجيالها القادمة عن هويتها التي تعتز بها، فتصبح هذه الأجيال نموذجاً للتبعية للآخرين. وقد تبدأ التبعية بفكرة يروج لها العدو، أو نموذج للحياة يعجب الناس، ومن ثم يتحول الإعجاب بالسلوك والمنظر إلى محاولة التقليد ومن ثم الانسلاخ عن المبادئ والقيم وتقمص شخصية المعجب به. وهذا شأن المنهزمين عبر التاريخ، وبالذات إذا كان الإنهزام العسكري قد صاحبته هزيمة نفسية. ومن أهم نماذج الإنهزام العسكري إنهزام اليابان أمام القوة الغربية في الحرب العالمية الثانية، ولكن قوة قيم المجتمع الياباني المعاصر مكنته من هزيمة الغرب تكنولوجياً. فأسواق العالم تتنافس اليوم على المنتج الياباني، وقد تم ذلك بسبب عدم انسلاخ الفرد الياباني عن هويته الخاصة بالرغم من هزيمته العسكرية، ولم يمنعهم ذلك في بداية التأسيس المعاصر لدولة اليابان من الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة. فبعد الحرب العالمية الثانية جاءت بعثة تعليمية أمريكية لرسم سياسات التعليم لليابانيين وتحويلهم من شعب محارب إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة السلام. وتكونت هذه البعثة من 27 عضواً من كبار رجالات التربية في الولايات المتحدة يرأسهم جورج إستودارد، وكانت توصيات هذه اللجنة في غاية الأهمية، وتقبلها اليابانيون برحابة صدر لدورها المتوقع في تقدم العملية التعليمية لليابانيين، ولكن نقطة الخلاف الوحيدة كانت هي عندما أوصت هذه اللجنة بإصلاح اللغة اليابانية المكتوبة. ومن هنا نرى أن النظام التعليمي في اليابان لم يتخل عن لغته الصعبة تحت ضغط الحاجة لإداركهم لأهمية اللغة في حياة الشعوب، ذلك لأنها الوعاء الذي يحمل الحضارة، لذلك يرتبط منهاج التعليم في اليابان بلغتهم الأم. لهذا السبب وغيره حافظ اليابانيون على هويتهم واستفادوا من معطيات من سبقهم. من هنا تصدق مقولة السفير الأمريكي السابق في اليابان أدوين ريسشور وهو كذلك مدرس للتاريخ في جامعة هارفارد عندما عبر عن سر نجاح اليابانيين بقوله: " إنه ليس هناك شيء أكثر أهمية وأدعى للاعتراف، من أنه وراء نجاح المجتمع الياباني نظامه التربوي». إن العملية التربوية لدينا اليوم بحاجة ماسة إلى مراجعة قضايا الهوية العربية والإسلامية للمجتمعات العربية والإسلامية في ظل التحديات التي نتعرض لها، والتي من أبرزها تلك التي ترمي للنيل من ديننا ولغتنا. فإذا أضفنا لما سبق الدور غير المدروس الذي تلعبه بعض المدارس الخاصة في تربية الجيل القادم، أدركنا الأزمة التي تمر بها هوية هذه المجتمعات والتحدي الكبير الذي تواجهه في الحقل التربوي. ولمواجهة ذلك نقترح تكثيف البرامج التي تدعم موضوع الهوية العربية والإسلامية في مناهجنا، وكذلك تنمية روح التفكير العلمي الناقد عند الجيل القادم لتمكينه من حسن الانتقاء. إن العلم والتربية إنعكاسان لفلسفة الأمة وما تؤمن به. وماذا عن الديناميكية الاجتماعية؟ إن عملية الحراك الاجتماعي التي تمر بها الإمارات جعلته يتفرد ببعض الخصائص المتعلقة بتركيبته السكانية، لقد تميز مجتمع الإمارات في بداية تأسيسه المعاصر بترابط أبنائه في صورة عشائر وقبائل متداخلة بعلاقات المصاهرة والجوار، فلا توجد بينهم تلك الفروقات التي تذكر، وأما اليوم فالمواطنون في هذا المجتمع لا يمثلون أكثر من ربع السكان على أحسن تقدير، وهؤلاء يوجد فيما بينهم تباين لم يبرز على السطح اليوم، ولكن لا نعلم ما يستره لنا المستقبل من مفاجآت، ظهر هذا الأمر من خلال عمليات الهجرة القانونية للدولة، وكذلك من خلال عمليات الزواج من غير المواطنات وبالذات من الأنساب غير العربية، فظهر في مدارسنا اليوم من لا يفهم العربية، أو من لم تكن اللغة العربية عنده لغة التعامل، ووجد كذلك في المدارس من تغيرت بشرته عن سمة من عاش قبله على هذا التراب. وهذا الأمر يضع أهل التربية أمام تحد جديد وهو ما يعرف في علم التربية، بتدريب التلميذ على العيش الديمقراطي في مجتمع متعدد الأعراق، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات التي يكفلها لهم القانون، وهذا الوضع كذلك يدفع لتعدد أساليب التدريس، لمراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ. ومن التغيرات التي نلمسها على تراب هذا الوطن كثرة الهجرات الوافدة إليه من غير العرب مما طمس هوية هذا المجتمع، ويكفي أن يمر الإنسان بأحد أسواق الدولة ليلحظ ذلك. وقد بينت العديد من الدراسات الخليجية والمحلية خطورة هذا الأمر على المدى البعيد، فقد حصلت تغيرات واضحة في القيم والعادات وأنماط سلوك أهل الخليج نتيجة لهذا الاحتكاك، وهذا يجعل التربية في صراع أزلي حول سبل المحافظة على هوية هذا الوطن. القرية الإلكترونية عندما كانت المدارس في الدولة تقوم بدورها التربوي دون مداخلات تذكر من خارج الدولة تحقق لنا جو تعليمي نادر أما في الوقت الراهن فقد تحول العالم اليوم إلى قرية صغيرة بعد هذه القفزة السريعة في عالم الاتصالات بين الشعوب سواء بتسهيل السفر أو الاحتكاك المباشر مع الحضارات الأخرى، أو من خلال أجهزة التواصل الحديثة والتي تعد القنوات الفضائية من أكثرها انتشاراً. وتعتبراليوم شبكة الإنترنت من العوامل الإلكترونية المؤثرة في تدفق المعلومات والتواصل غير الخاضع لسلطان الرقابة. ولا ندري ماذا يحمل لنا المستقبل القريب؟ إن هذا التواصل بين الشعوب أمر محمود إذا أعد الجيل لمتابعة الحكمة أينما وجدت، وأما إن لم يكن هذا الجيل قد أعد بالحصانة الذاتية فإن مصيره الذوبان في لجة لا نهاية لها يسيطر فيها القوي على الضعيف، ويخضعه لسلطانه وهو لا يشعر وقد عّبر عن ذلك بالقتل بالحرير بدلاً من القتل بالحديد كما كان شأن الحروب قديماً. ومن الدراسات التي دقت ناقوس الخطر في مجال تأثر مجتمعنا بالآخرين دراسة (حارب والسويدي 1994) والتي بينت من خلال البحث الميداني أثر البث التلفزيوني الأجنبي المباشر في تربية جيل الغد في دولة الإمارات من وجهة نظر المعلمين، ولعله من أهم هذه النتائج ما يلي: - تأثير القنوات الفضائية الأجنبية على قيم وعادات وأفكار الطلبة. - نسبة عالية (88%) ترى أن القنوات الأجنبية الفضائية تؤثر في تكوين الأفكار عند الطلبة. - (72%) ترى أن لهذه القنوات تأثيراً سلبياً على رؤية الطلبة لتراثهم، وأما التأثير السلبي على العادات والتقاليد الوطنية فتصل نسبته إلى (81%). - (85%) تعتقد بأن هذا البث يؤدي إلى نشر التغريب بين الطلبة، وفي المقابل يؤثر سلباً على تكوين الهوية الوطنية بنسبة (77%). - أكدت الغالبية أن لهذه القنوات أثراً سلبياً على انتماء الطالب لوطنه بنسبة (72%) ولعالمه العربي بنسبة (73%) ولأمته الإسلامية بنسبة (88%)، وسيحل مكانه الأنتماء العالمي. لماذا هذه التحديات؟ والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي العوامل التي أوصلت مجتمع الإمارات إلى مثل هذه الحالة؟ حرق المراحل ـ قال علامة الاجتماع - ابن خلدون -: إن المجتمعات تمر بمراحل نمو تشابه المراحل التي يمر بها الإنسان من طفولة إلى مراهقة، فشباب، فرشد، ثم شيخوخة وموت، ولكن مجتمع الإمارات قفز فوق هذه المراحل وتجاوز عن بعضها. فلو قارنا دولة الإمارات اليوم بما كان عليه الحال قبل 25 سنة علمنا ماذا نعني بكلمة حرق المراحل فهذا التطور السريع الذي يشهد به الجميع ويتباهى به الداني والقاصي وبالذات في الجانب المادي، جعل المقيم على أرض هذا الوطن العزيز لا يدرك أحياناً أن التطور المادي بحاجة إلى تطور معنوي في الإنسان نفسه ومن المعروف تربوياً أن تطوير الإنسان لا نستطيع أن نتعامل معه بحرق المراحل بل لابد من التدرج في التربية، هذه العملية تجعل الإنسان في بعض الأوقات غير قادر على التكيف الاجتماعي مع التطور المادي وبالتالي تبرز على الساحة بعض الأمراض الاجتماعية في صورة مشكلات بحاجة إلى علاج والخدمات الاستشارية التربوية هي إحدى الطرق الناجحة في ذلك الأمر. التربية للنجاح نجحت دولة الإمارات في نشر التعليم حتى وصلت نسبة الالتحاق بالمدارس إلى 100% وكذلك أوجدت برامج مختلفة لمحو الأمية، كما انتشرت مؤسسات التعليم العالي فيها بصورة لا تقارن ببقية الدول العربية، ولكن هل نجح الجهاز التربوي لإعداد الفرد الناجح في الحياة كما نجح في المواد الدراسية؟ أم أن التربية تركز على نجاح الإنسان في المواد الدراسية معتقدة أن هذا النجاح يرشح الإنسان إلى حياة اجتماعية ناجحة. ومع الجهاز التربوي وجدت العديد من المؤسسات التي نجحت في تعاملها إلى حد ما مع تطور مجتمع الإمارات، فهناك وزارات متخصصة للرعاية الاجتماعية وتقدم خدمات مادية جيدة لرعاية الأسر المحتاجة وعندنا مؤسسات متخصصة في معاونة المقبلين على الزواج مادياً وعيادات ومستشفيات لتقديم الخدمات الصحية، وجهاز أمني مطور للحفاظ على الأمن والأمان، وهذه ميزة في مجتمع الإمارات فبالرغم من الانفتاح والتطور في هذا المجتمع إلا أننا - ولله الحمد - نعيش في مجتمع يغلب عليه الأمن والأمان وبالذات إذا ما قارنا واقعنا بالآخرين، ولكن هل رعاية الجانب المادي فقط هي من مسئولية هذه الجهات؟ والجواب ولا شك هو بالنفي بل إن بعض هذه المؤسسات لها دور مشكور في الرعاية التربوية لإنسان الإمارات، ولكن هذه الرعاية بحاجة إلى شيء من التنسيق. ماذا نريد من أبنائنا؟ إن من الأمور التي يتجه لها العالم اليوم، ويسعى لها وهي ليست في مصلحته وحدة العالم تحت مظلة ذات قطب واحد تمسح تحت هذه الدعوة ذاتية الشعوب وهويتهم وتمسخ شخصياتهم في نموذج واحد وهذه دعوة خطرة، لأن جمال البستان في تنوع الأزهار وعمارة الأرض في تنوع الثقافات. نحن كتربويين عرب ينصب اهتمامنا على تربية أجيال الأمة على القيم والأخلاق الفاضلة بما يحفظ لهذه الأجيال هويتها الثقافية ووجودها المميز كأمة عريقة لها تاريخها المجيد في الإسهام بالحضارة العالمية في ظل عواصف وأعاصير الأقوياء الذين يريدون أن يصبغوا العالم بصبغتهم ومعتقداتهم فيما يسمى بالعالم الجديد. وبإمكاننا الاستفادة من شعار اليابانيين في استيعاب التقدم العلمي والتقني وهو «علوم الغرب وثقافة اليابان». وأولى بنا أن نرفع شعار علوم وتقنية غربية وثقافة عربية. ولابد لنا من العمل على مواءمة كل جديد مع ما ينسجم وهوية مجتمعاتنا العربية الإسلامية، وإعداد التلاميذ لمواجهة مطالب المجتمع التي تتغير بسرعة هائلة، ليتمكنوا من العيش في زمان غير زماننا بعقلانية وحكمة مّسلحين بالعلم والإيمان. التفكير بوضوح كما يتعلم الإنسان مهارة الحديث لأنه ليس من الأمور الموروثة كما نعلم فالاستعداد للنطق موجود لدى كل إنسان والبيئة هي التي تعلم الإنسان الكلمات والجمل والحروف. ومن ثم تتكون لديه مهارة الحديث، كذلك التفكير فالاستعداد موجود لدى كل إنسان ولكن ذلك لا يؤهله للتفكير. سبق وأن أكدنا أن التربية هي إعداد للحياة، والتي لا يجد الإنسان كل شيء فيها مجهزاً على طبق من حرير، بل إن عليه أن يتولى تحديد المعلومات التي تلزم لاتخاذ القرار المناسب، وتحديد كيفية الحصول على هذه المعلومات، وكيفية معالجتها واستثمارها في الوصول إلى قرار حكيم مستنير يأخذ بالحسبان مختلف الاحتمالات والتبعات المترتبة على كل منها. كلنا يعرف أن العالم الحقيقي يعج بالتناقضات، وفيه مقايضة ومداولات، فيه تنازلات مقابل تنازلات، فيه قيم قد تحتاج إلى تقييم. وكل ذلك يحتاج إلى كم كبير من التفكير الذي يمكننا من الحياة الطبيعية في مثل هذا العالم الذي يسوده التنافس أكثر من التعاون ويطغى فيه القوي على الضعيف. يحتاج كل إنسان لأن تتطور لديه مهارات التفكير النشط التي تساعده في رؤية وجهة نظر الطرف الآخر، وتحديد الأولويات، والأهداف، والبدائل، والتبعات، وحل التناقضات، وابتكار الخطط، وتقييمها. يحتاج الإنسان إلى حكمة في التفكير يرى من خلالها الأشياء بعمومياتها، ويحتاج إلى حذاقة فكرية تمكنه من رؤية التفاصيل الدقيقة لهذه الأشياء. وتغدو الحاجة إلى مهارات التفكير أشد ما هي عليه في عصرنا الحاضر عصر المعلوماتية ، كي يستطيع الإنسان التعامل مع دفق المعلومات التي لا حدود لها. إن ما تقدم يضع على مصممي المناهج الدراسية ومخططيها مسئولية توجيه المناهج بحيث تربي مهارات التفكير عند الطفل وليس مهارات حفظ المعلومات واسترجاعها. فالطفل الذي لا يكتسب مهارات التفكير اللازمة لحياة سريعة التغير، لابد وأن يصطدم بواقع يتخبط فيه، وربما يركن إلى العاطفة أكثر من العقل في اتخاذ قرارات، وهنا تقع الكارثة. ونحن كمجتمعات عربية أشد حاجة من غيرنا من شعوب العالم لأن نربي أبناءنا وبناتنا على التفكير واستخدام عقولهم لا عواطفهم في اتخاذ القرارات باعتبار ذلك جزءاً من ديننا الإسلامي الحنيف. ويسجل تاريخنا المعاصر حلول العديد من الكوارث التي ألمت بنا في تعاملنا مع أعدائنا بعاطفة وليس بعقل. وكثيراً ما كنا نلصق التهم فيمن يتعقل فنصفه بالرجعية حيناً وبالخيانة حيناً آخر. ونندم حينما يتكشف لنا ما كان يراه عقلاؤنا وحكماؤنا أولئك، ونتيقن بأننا كنا قد ظلمناهم في حينه. التعامل مع المعلومات في زمن تتبدل المعلومات فيه مع عقارب الساعة أصبح لزاماً علينا تدريب المتعلمين على فنون التعامل مع المعلومات وذلك بتدريبهم على البحث عن المعلومة الأصح وليست الصحيحة. فاليوم أصبحت وسائل التواصل المعلوماتي تدفع لنا بالعديد من المعلومات التي يرى أهلها أنها الأحسن أو الأفضل وهذا أمر صحيح «فكل يدعي وصلاً بليلى». مهمة التربية اليوم تدريب المتعلم على آليات الوقوف على المعلومات وغربلتها، ومن ثم اختيار الأنسب أو الأحسن لكي لا نعيش نخطط بناء على معلومات تجاوزها الناس، وكل ما بّني على خلل أصبح آيلاً للإنهيار في أية لحظة. نحو تربية أسرية ناجحة لكي لا تكون تربيتنا لأبنائنا خبط عشواء دعونا نخط الخطوط الأولى لمنهج بإمكان كل أسرة أن ترسمه وتتربى عليه دونما الحاجة إلى خبراء خارجيين إلا في حدود ضيقة، فمن أهداف التربية بمفهومها الواسع تعديل السلوك ليكون إيجابياً أو بلغة أخرى إعداد الإنسان الناجح في دنياه وأخراه. بقلم: الدكتور خليفة علي السويدي مدير وحدة المتطلبات الجامعية العامة بجامعة الإمارات