الإيمان هو عقيدة وإذعان وتسليم والعقائد محلها القلوب ولا سلطان لأحد على القلوب إلا علاَّم الغيوب والدين من هذه الناحية ناحية العقيدة والإذعان والتسليم أمر عام مشترك بين جميع الأمم، من آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين والمرسلين فدعوة الرسل أجمعين تنصب على هذه العقيدة عقيدة الإيمان بوجوب وجود الله ووحدانيته ونفي الشرك والوثنية بشكل قاطع لا مجال للشك والريب فيه. والناظر في قصص القرآن الكريم يجد هذا المعنى في سهولة ويسر فما من رسول إلا دعا قومه للتوحيد ونبذ الوثنية فالإكراه لا يجد له ملكا إلا القلوب إذ لا سبيل لأحد على قلب أحد بالسيف فإن أكرهته واستجاب لك فإنما يستجيب لك بلسانه كاذبا تحت تأثير الضغط وخشية الهلاك وأنت لا تستطيع أن تكذبه لانه لا سبيل لك إلى قلبه ووجدانه وشعوره وباطنه وسره كما وقع ذلك في صدر الإسلام لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالسبيل إلى العقيدة إنما هو البرهان الساطع والحجة العقلية وتوحيد أفكار الناس وعقولهم إلى آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ولذلك كانت دعوة الرسل كلهم مؤيدة بهذه البراهين الساطعة القاطعة «المعجزة» واقتضت حكمة الله جل شأنه أن تكون المعجزات متفاوتة مختلفة باختلاف حال الأمم ومناسبة لهم تمام المناسبة لأجل أن تؤدي رسالتها وتسلك سبيلها إلى القلوب من أقرب الطرق. مثال ذلك معجزة سيدنا عيسى عليه السلام الظاهرة في دعوة احياء الموتى فان الطب كثر في زمنه وبلغ نهايته ولكن أقصى ما يستطيعه الطبيب الماهر بقواعد علمه وتجاربه هو معرفة الداء ووصف الدواء فلما أرسل الله عيسى عليه السلام جعل معجزته من هذه الناحية ناحية الطب لكن أي طب هذا؟ طب أذهب قلوب الأطباء وأطار ألبابهم وأذهلهم إذ مَنْ مِن الأطباء يستطيع احياء الموتى؟ فكانت المعجزة من ناحية علمهم لتسلك سبيلها إلى قلوبهم وموسى عليه السلام كثر السحرة في زمنه كثرة مزعجة ونبغ السحرة نبوغا فائقا وكان فرعون يستند عليهم في تثبيت دعائم عرشه ولذلك دعاهم لمعارضة موسى عليه السلام لزعمه انه ساحر وانهم أعلم منه بالسحر فكانت معجزة موسى عليه السلام من هذه الناحية ناحية ما يعلمون لتبهرهم ولذلك كان السحرة أنفسهم أسرع استجابة لموسى لان المعجزة عرفت سبيلها إلى قلوبهم فآمنوا إيمانا لم يزعزعه تهديد فرعون إياهم بالعذاب المهين بل قالوا في شجاعة المؤمنين وصراحتهم «لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى». وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بعث في أمة عربية في طبيعتها وسليقتها الفصاحة والبلاغة لا يجدون في ذلك حرجا ولا مشقة وإنما هي طبيعتهم المرسلة وسجيتهم المطلقة لا عناء ولا جهد ولا تحضير ولا مقدمات فكأن البلاغة تجري في دمائهم وتتردد مع أنفاسهم فهم فرسان في هذا الميدان بلا منازع فكانت معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الناحية معجزة القرآن الكريم بهرهم وأذهلهم وعلى لسان مَنْ جاء القرآن؟ على لسان محمد صلى الله عليه وسلم الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب فكانت الدهشة بالغة وكان الذهول مروعا وفي الواقع كان الطريق مختلفا فهم من ناحية يعتقدون انه من كلام البشر أو الجن وبنوا خطتهم في معارضته على هذا الزعم الفاسد والقرآن من عند الله لا سبيل إلى معارضته ولكنهم عارضوه بعد التحدي على اعتقادهم فيه فتحداهم بعشر سور من مثله فعجزوا فتحداهم بسورة واحدة بل بأقصر سورة فعجزوا عجزا ظاهرا وهم أصحاب هذا الشأن الفصاحة والبلاغة فتنبه العقلاء إلى ان هذا لابد عن عند الله وان صاحبه رسوله ما في ذلك شك ولا ريب فآمنوا من طريق المعجزة إيمانا لم تزحزحه ما صبه عليهم وهم المستضعفون صناديد قريش من ألوان العذاب مما لا يتحمله البشر. فهل قرأت في التاريخ الاسلامي ما أصاب أسرة «ياسر» عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية؟ أما الأبوان فقد قتلا تحت العذاب ولم يرجعا عن عقيدتهما ولا باللسان وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فقد كان شابا حدثا وقد رأى ما أصاب والديه وعلم ان مصيره مصيرهما فأعطاهما كلمة الكفر باللسان فهل كفر عمار؟ كلا اطلاقا ولنستمع إلى ما يقوله الله عز وجل في هذا: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم». روي ان مسليمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال رسول الله قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضا فخلاه أي أطلق سراحه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: ما تقول في؟ قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له. وهناك صهيب وخباب وسالم وجبر مولى الحضرمي وغيرهم كل له قصة وكل قد ضرب أرفع الأمثلة في التضحية في سبيل العقيدة فتلك صور إسلامية رائعة لو أردنا ذكرها لطال بنا القول. والله ولي التوفيق