صنعاء ـ «البيان»: منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تراجعت قيمة العملة اليمنية تراجعا كبيرا اذ انتقلت من 12 ريالا عام 1990 مقابل الدولار الى 100 ريال مقابل الدولار حاليا وتزايد مع ذلك التضخم، حتى بلغ المعدل العام للاسعار عام 1999م مقارنة بعام 1990م 1000% ووصلت القيم الحقيقية للاجور بنهاية التسعينيات، الى حدود 20% من مستوياتها الحقيقية عام 1990م الامر الذي انعكس على الاوضاع المعيشية لقطاع عريض من افراد المجتمع اليمني، ومنهم شريحة الموظفين الذين تضرروا كثيرا من هذه الاختلالات التي طرأت على الاقتصاد اليمني. والى حدود العام 1995م كان الموظفون اليمنيون يجدون عزائهم في الدعم الذي كانت الحكومة اليمنية توجهه للمواد الاساسية الاستهلاكية كالقمح والدقيق والارز، والسكر الا انه ومنذ شروع الحكومة اليمنية بتطبيق الاصلاحات الاقتصادية والمالية منذ مارس عام 1995م امتثالا لمقتضيات توجيهات المؤسسات المالية الدولية «البنك الدولي وصندوق النقد الدولي» دخلت فئة الموظفين في مرحلة جديدة من المعاناة كغيرهم من بقية افراد المجتمع من ذوي الدخل المحدود نتيجة للبدء الترويجي في رفع الدعم عن المواد الاساسية الاستهلاكية ومشتقات النفط ورغم ان الحكومة اليمنية عملت علي رفع الاجور والرواتب الا ان تلك الاجراءات كانت هشة ولم تواكب التحولات السعرية وتحريرها ما جعل الموظف اليمني يعيش في وضعية قاسية جعلته يصنف ضمن عداد الفقراء نظرا لعدم قدرتهم على مواجهة المتطلبات الضرورية والاساسية لهم ولاسرهم ما اضطر العديد منهم الى اللجوء للبحث عن اعمال موازية او بعد انتهاء الدوام الرسمي اما كسماسرة، ووسطاء في بيع وتأجير الاراضي او العمل لدى المحلات التجارية واما العمل في اشغال حرة كالبوفيهات والمطاعم وبيع القات او كسائقين لسيارات وحافلات الاجرة وفي ظل هذه التحولات اضطر العديد من الموظفين الى نقل عوائلهم واسرهم من العاصمة صنعاء الى قراهم الاصلية نتيجة لارتفاع ايجار المنازل بشكل يأتي في بعض الحالات على 50% من الراتب واحيانا 100%. لجنة الاجور هذه الوضعية للموظف العمومي في اليمن باتت من المؤثرات الدالة على الانعكاسات السلبية التي نجمت عن التحولات الاقتصادية التي تعرفها البلاد ومنها على وجه الخصوص الاصلاحات الاقتصادية والمالية وحجم المعاناة التي يعيشها الموظف اليمني لم تعد خافية على احد بل ان اجراسها اخذت تطرق كل مسمع ما حدى بالحكومة اليمنية مؤخرا الى اقتراح تشكيل لجنة خاصة لدراسة نظام الاجور والرواتب واعادة النظر فيها وفق منظور يهدف معالجة هذه المشكلة لاسيما ان هناك من يربط بين هذه الظاهرة وتفشي الرشوة والفساد الاداري داخل الادارة اليمنية وفي هذا السياق يرى الدكتور خالد راجح مستشار الاتحاد العام لعمال اليمن ان هناك تآكلا للقيم الحقيقية للاجور والدخول المقومة بالعملة الوطنية نتيجة لانهيار قيمة الريال التبادلية او تقليص الدعم المباشر وغير المباشر وما رافق ذلك من ارتفاع هائل في معدلات التضخم اوصل المعدل العام للاسعار عام 1999م الى قرابة 1000% مقارنة بالعام 1990م ووصلت القيمة الحقيقية للاجور الى 20% وانه بتأثير هذا التآكل في القيم الحقيقية للاجور تدنت مستويات المعيشة بشكل كبير مشيرا الى ان نسبة السكان الفقراء زادت من 12% عام 1992م الى عدة اضعاف تتراوح بين 34 و 54% حسب الاحصاءات والتقديرات المختلفة المصادر، مضيفا انه بانخفاض الاجور قبل الطلب الكلي وتقلص انتاج السلع والخدمات وفرص العمل والادخار والاستثمار والنمو وساد الركود التضخمي وتنافست معدلات البطالة لتتجاوز 30%. وارتفاع نسبة البطالة يقود دوما الى انخفاض الاجور وتدنيها. سياسات التحرير ويعتقد مستشار الاتحاد العام لعمال اليمن ان سياسات التحرير الاقتصادي غير المنظم وغير المتناسق ساهمت في الاخلال بتناسبات اعادة توزيع الدخل بين فئات وطبقات المجتمع حيث يزداد الاغنياء غنى والفقراء فقراً مشيرا الى ان نتائج مسح ميزانية الأسرة اليمنية لعام 1998م أظهرت ان حصة الـ 20% الاكثر فقراً 6% فقط من الدخل القومي فيما حصة 20% الاغنى تبلغ 49% من الدخل القومي وان الطبقة الوسطى تلاشت تقريبا. وانه مابين 1992 ـ 1998م اعادت الاسرة اليمنية ترتيب اولوياتها الاستهلاكية فبعد ان كانت اللحوم والالبان ومشتقاتها والخضروات والفواكه والاسماك والبيض والدجاج تتبوأ الاولوية في قائمة انفاق الاسرة عام 1992م اضحت في المرتبة الثالثة وفقا لمسح ميزانية الاسرة عام 1998م وتحولت الحبوب من المرتبة الثالثة عام 1992م الى الاولى عام 1998م فيما يبقى القات والتبغ في المركز الثاني في الانفاق الغذائي للاسرة اليمنية موضحا ان هذا التحول شديد الارتباط بمستويات وقيم الاجر والدخل الشرائية «اي القيم الحقيقية للاجر». ويستطرد الدكتور خالد راجح حديثه بقوله انه الى جانب تآكل القيم الحقيقية للاجر فان هيكله ايضا تعرض الى تشوهات عميقة في قيمة البدل وانواعها وفي نظام الحوافز والمكافأة مبرزا ان الاسوأ هو وجود اجران، بالعملة المحلية وآخر بالعملة الاجنبية، وان اجر الطبيب اقل من المساعدة الصحية الاجنبية واجر المدرس الجامعي اقل من مدرس الابتدائي عندما يقارن اجر اليمني بالوافد. آثار سلبية ويرى الدكتور خالد راجح أن الآثار السلبية على قيم الاجور والدخول الحقيقية تتجه للازمة الاقتصادية وسياسات التحرير الاقتصادية والتكييف الهيكلي احدث تحولات هائلة في حياة الاغلبية العظمى من السكان وكذا في نشاط اتحاد العمال الذي دأب على تقديم المقترحات وخاض مئات الاجتماعات التفاوضية والاضرابات وكرس وقتا طويلا من اجل بحث ومناقشة صراعات الاجور، وما في حكمها من بدل وعلاوات وحوافز ومزايا نقدية وعينية وان للاتحاد رأي واضح في ان اي اصلاحات اقتصادية او ادارية ستظل منقوصة ولن تنجح مالم يكن الاصلاح الاجري احد مكوناتها، ليس لدوافع اخلاقية وحقوقية فقط بل ولمبررات اقتصادية وان الاتحاد تقدم بتصور عملي للحكومة واطراف العمل الاخرى بغية ايجاد هيكل اجري يستهدف اصلاح الاختلال الاجري الذي ظهر منذ التسعينيات فقط من خلال خطة لاصلاح الاجور. بحيث تصل الاجور عام 2000 الى مستواها الحقيقي وطرح لهذا الغرض دلائل ثلاثة على النحو التالي: البديل الأول: بديل اجر عام 1990م الحقيقي: ويقوم هذا البديل على اساس الوصول بالاجر والبدل عام 2000م الى المستويات الحقيقية عام 1990م من خلال عملية احتساب تقوم على اساس (الراتب + البدل عام 1990م مقسومة على 12 ريالا * القيمة الراهنة لصرف الدولار. البديل الثاني: البديل التضخمي: ويقوم على اساس استيعاب التضخم التراكمي في الاجر والبدل من خلال قاعدة احتساب (الاجر والبدل عام 1990م مضروبا باجمالي التضخم التراكمي منذ العام 1990م مقسوما على 100. البديل الثالث: بديل متوسط انفاق الاسرة: رغم الجهود التي بذلت مع الحكومة واصحاب العمل «من خلال اتحادهم» لم نجد تجاوبا بل ان الضغوط استمرت من الاطراف، كل على الآخر واخذت الحكومة في البداية بمنح علاوات غلاء المعيشة لكنها علاوات متواضعة امام مقدار التآكل في الاجور لان الزيادات التي حصلت في الاجور خلال التسعينيات كانت زيادة اسمية فيما تدهورت القيمة الحقيقية للاجور الى20% وتدنت مستويات المعيشة لافراد المجتمع وهو ما يقضي بضرورة ان تظل مهمة الاصلاح الاجري من الاولويات القصوى لعمل الاتحاد والنقابات حتى يتم انجازها. قياس الوضع ويقول محمد علي السراجي استاذ الادارة العامة في المعهد الوطني للادارة العامة ان الاجر يعتبر عند قياس او تقييم وضع الموظف في العمل من المؤشرات الدالة على رضائه من عدمه، واذا ما كان الاجر يتناسب ويتوافق مع احتياجاته الحياتية فان مبدأ الرضاء ونتيجة للتوافق يعبر عن حالة الاطمئنان الوظيفي والعكس صحيح في حالة عدم التوافق بين الاجر والوضع المعيشي. ويستطرد السراجي موضحا لما كان الاجر يخضع لسياسات بعضها يتصل بطبيعة الوظيفة والبعض الآخر بمكانة الموظف العليا او الدنيا فانه وفي ظل عدم فاعلية الاجور تبقى سياسات الاخذ برفعها غير فاعلة لتحقيق هدف تطابق أجر الموظف مع احتياجاته ومن هنا لابد من تحقيق نوع من استقرار الاجور بما يتناسب واحتياجات الموظف، كما يمكن القول ان مثل هذا التوجه هو الاكثر ملاءمة لبقاء المستوى المعيشي في مستوياته المقبولة. ويرى محمد علي السراجي ان تطبيق السياسات الوظيفية ينبغي ان يقوم على نظام الجدارة باعتباره من اهم عوامل تحديد سياسات الاجور مؤكدا انه في ظل وجود تحديد وتوصيف للوظائف وربط الاجر بمعايير القدرات والكفاءات لا يشك انه سيحقق الرضاء ويعطي كل ذي حق حقه وانه مع ضرورة وجود مثل هذه السياسات يمكن ان يتعزز التفاعل لدي الموظف مع الوظيفة لان تلك حالة من التجاوب تبنى على نهج سياسة اجرية عادلة اضافة الى ايجاد آلية للحوافز لانها هي الاخرى تكون بمثابة دفع في تحقيق الرضى الوظيفي طالما تحقق التوازن بين الاجر والمستوى المعيشي الذي يقود لا محالة الى زيادة الانتاجية والتفاني في العمل. ويستطرد السراجي موضحا انه في حالة اليمن فقد تأثر الموظف العام من ظاهرة تدني الاجور وانعكس ذلك على حاجاته الضرورية والاساسية وخلال الفترة السابقة كانت اجور الموظفين مناسبة اما اليوم فان حالة من عدم الاستقرار قد اصبحت مسيطرة على وضع الموظف اليمني رغم ما قامت به الحكومة من سياسات في رفع الاجور حتى وصلت الى ضعف ما كانت عليه الحالة في اواسط الثمانينيات وعموما فالموظف العام يحتاج الى اهتمام من قبل الدولة وهو الامر المطلوب احداثه حتى ولو تمت المعالجة بصورة جزئية تشمل الاهتمام الخاص بوضع سياسات تضمن ايقاف ارتفاع الاسعار وبما يضمن التوازن بين الدخل والانفاق.