القاهرة ـ فيصل حماد: جامعة عين شمس ثالث أقدم جامعة مصرية احتفلت فى 24 مارس الماضى باليوبيل الذهبى لإنشائها. وجامعة عين شمس تعد واحدة من أعرق الجامعات المصرية التى لها بصماتها الواضحة عبر خمسين عاما فى مسيرة التعليم والبحث العلمى، فى مختلف المجالات بمصر حيث قامت الجامعة منذ نشأتها فى عام 1950، بدور بارز ورائد وقيادى فى عملية تطوير التعليم العالى فى مصر والنهوض بالبحث العلمى فى المجالين الأكاديمى والتطبيقى فكيف نشأت هذه الجامعة، ومادورها في مسيرة المجتمع المصري؟ يقول د.حسن غلاب رئيس الجامعة ان جامعة عين شمس تعد أول جامعة مصرية تنشأ عقب حركات اضطراب واعتصام قام بها طلاب وأساتذة المعاهد العلمية المختلفة القائمة حينئذ مطالبين بضمهم تحت مظلة جامعة حرة توفر لهم سبل البحث العلمى والتفكير الحر أسوة بإخوانهم فى جامعة فؤاد الأول وقد كان لهم ما أرادوا حين تولى وزارة المعارف فى ذلك الوقت وزير جريء يشجع العلم هو الدكتور طه حسين الذى أصدر قراره فى العاشر من يوليو عام 1950 بالقانون رقم 193 الذى يقضى بإنشاء جامعة بمدينة القاهرة تسمى (جامعة ابراهيم باشا الكبير) لتشارك جامعة القاهرة (فؤاد الأول) سابقا والتى أنشئت عام 1908 وجامعة الاسكندرية فاروق الأول سابقا (والتى أنشئت عام 1942 فى حمل لواء التعليم الجامعى فى مصر لمواجهة الاقبال المتزايد على التعليم العالى حيث أن أسراً كثيرة فى ذلك الوقت أخذت تسعى إلى أن يلتحق أبناؤها بالجامعة مما وفر أعداداً كبيرة من الطلاب الراغبين فى أن ينخرطوا فى سلك التعليم الجامعى وهو الاتجاه الذى تزايدت مؤشراته بعد مجانية التعليم التى تقررت في عهد وزارة الوفد الأخيرة على يد وزير المعارف د. طه حسين فى عام 1950 وهو نفس العام الذى تأسست فيه جامعة ابراهيم باشا الكبير. وكانت الجامعة تضم عند إنشائها مجموعة من المعاهد العلمية المتميزة التى تم تطويرها وتحويلها إلى ثمانى كليات جامعية وهى كلية الآداب وتكون نواتها القسم الأدبى من المعهد العالى للمعلمين، كلية العلوم وتكون نواتها القسم العلمى من المعهد العالى للمعلمين، كلية الهندسة وتكون نواتها المعهد العالى للهندسة بالعباسية كلية الزراعة وتكون نواتها المعهد الزراعى بشبين الكوم، كلية التجارة ونواتها المعهد العالى للعلوم المالية والتجارية ثم كلية الحقوق والطب ونواتها كلية طب العباسية التابعة لجامعة فؤاد الأول ثم معهد التربية المستقل للبنين ومعهد التربية المستقل للبنات المعروف حاليا باسم كلية البنات ثم تم تحويل مدرسة المعلمين التى أنشئت عام 1880 إلى كلية التربية فى عام 1969 وضمها إلى كليات الجامعة ثم انضمت كلية الألسن إلى الجامعة فى عام 1973 بالرغم من أن تاريخها يعود إلى عام 1835 والتى كانت تعرف باسم مدرسة الألسن ثم توالى بعد ذلك إنشاء باقى الكليات والمعاهد حتى وصل عددهم حتى الآن إلى 17 كلية ومعهد (عال) فى مختلف التخصصات. دور الحركة الطلابية وأشار رئيس الجامعة إلى أن اتجاه المسئولين لإنشاء جامعة جديدة فى ذلك الوقت لم ينشأ من فراغ لأن الفترة التى أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 عرفت نشاطا سياسيا واسعا فى جامعة فؤاد الأول التى شارك طلابها فى المظاهرات والجمعيات السرية فى جامعتهم فضلا عن دورهم فى الأحزاب السياسية ولعل حادثة كوبرى عباس الشهيرة فى فبراير 1946 التى أصحبت فيما بعد عيدا سنويا للحركة الطلابية تقدم نموذجا على ذلك، فلم تكن الجامعة تفتح ألا وتغلق مرة ثانية الأمر الذى أقلق المسئولين الذين اعتقدوا أن تركيز التعليم الجامعى فى الجامعة الأم قد يكون سببا من أسباب تزايد النشاط السياسى فيها على هذا النحو الواضح . ومن ثم جاء تفكيرهم فى إنشاء جامعة فى عاصمة الصعيد بأسيوط اختير لها اسم جامعة محمد على لتستوعب خريجى الأقسام السنوية من ابناء الوجه القبلى من جهة ولتخفيف الضغط على جامعة فؤاد الأول من جهة أخرى ولعل هذا التفكير هو الذى قادهم فى نفس الفترة إلى إنشاء جامعة ثانية فى العاصمة وتسميتها بجامعة ابراهيم باشا الكبير الأمر الذى يمكن معه تخفيض عدد طلاب جامعة فؤاد الأول وبعثرت وجود الطلاب الجامعيين على مستوى العاصمة فلا يصبح تركزهم جميعا فى مقرهم المشهور بالجيزة. إلا أن هذا الاتجاه الذى تبنته الدوائر الرسمية بدءا من عام 1948 قد لاقى معارضة من الدوائر الجامعية فى ذلك الوقت التى أرتأت أن تحكيم الأسباب غير الاكاديمية فى إنشاء جامعة مصرية جديدة يضر بكفاءة التعليم الجامعى أكثر مما يفيده وهو الاتجاه الذى عبر عنه بعض أعضاء هيئة التدريس فى جامعة فؤاد الأول وبالرغم من تلك المعارضة لإنشاء جامعة ثالثة إلا أنها لم تصمد أمام الاعتبارات السياسية والاجتماعية وخاصة بعد تولى د. طه حسين وزارة المعارف وهو صاحب التاريخ الطويل فى بناء المؤسسات وخوض معارك الفكر والرأي الحر فكان وراء عرض القانون الخاص بإنشاء جامعة ابراهيم باشا على مجلس النواب فى 18/2/1950. جامعة أون وأضاف د. غلاب أنه رغم أن الجامعة سميت فى قانون إنشائها جامعة إبراهيم باشا الكبير كما كان متبعا فى ذلك الوقت من إطلاق أسماء الأشخاص على الأماكن إلا أن الثورة التى قامت بعد أقل من عامين رأت أنه من الأفضل أن تسمى الجامعات بأسماء ثابتة لا تزول بزوال الاشخاص وإنما ترتبط بمعالم وتاريخ مصر ولما كانت أكثر كليات الجامعة تقع فى الشرق قرب مدينة هليوبولس القديمة فقد اقترح مجلس الجامعة فى 21 فبراير عام 1954 أن يستبدل باسم جامعة ابراهيم باشا الكبير اسم جامعة هليوبوليس وذلك بهدف إحياء ذكرى جامعة أون القديمة ولأن اسم هليوبوليس يعد اسما عالميا لا يصعب تداوله بين بلاد العالم إلا أن السلطات الوزارية يومئذ رأت أنه لابد أن يكون الاسم عربيا مألوفا لدى المواطنين فاستبدلت بهليوبوليس عين شمس اسما دائما للجامعة وكان ذلك فى السادس عشر من سبتمبر عام 1954 فعين شمس هى التسمية العربية التى أطلقت على ذلك المكان المعروف باسم هليوبوليس. وكلمة هليوبوليس هى التسمية الاغريقية لمدينة أون أول عاصمة عرفها التاريخ لمصر الفرعونية وكان بها أول جامعة للعلوم والمعارف الإنسانية وكان ذلك فى حوالى عام 4240 قبل الميلاد وكانت أون أول بقعة اجتمع فيها شتات المصريين السياسى والإدارى بعد فرقة وكانت مركزا لعبادة الشمس منذ أبعد العصور حيث جعل المصريون للشمس كهانة فى تلك المدينة وكان لكهنتها مدرسة ظلت أثارها واضحة طوال عصور التاريخ المصرى القديم ولهذه المدرسة فى خلق الدنيا ونشأة الكون ونظامه مذهب معروف لم تستطع المذاهب الأخرى على كثرتها وتعاقبها أن تجبه فى كافة عصور التاريخ الفرعوني. بين الماضي والحاضر وأشار د. غلاب انها إذا عقدنا مقارنة بين أحوال الجامعة فى الماضى والآن سنجد إنما بدأت عند إنشائها فى عام 1950 بأربعمئة من أعضاء هيئة التدريس قفز هذا العدد الآن إلى 4500 عضو أى أن العدد تضاعف عشر مرات بينما تضاعف عدد المعاونين من المدرسين المساعدين والمعيدين ثمانى عشرة مرة إذ كانوا فى البداية 139 معاونا بلغوا الآن 260 اما عدد الطلاب فقد زاد بنسبة 21 مرة فقد كانوا عند الإنشاء 7170 طالباً وصل عددهم هذا العام إلى 154 ألفا إضافة إلى طلاب الدراسات العليا الذين يمثلون طليعة الأمل فقد أصبحوا الآن 19 ألف دارس بعد أن كانوا 330 طالبا أى أنهم زادوا بنسبة 57 مرة. الجامعة وقصر الزعفران وتوجد إدارة جامعة عين شمس فى مبنى يعد تحفة معمارية نادرة وهو قصر الزعفران الذى بنى فى عهد الخديوى إسماعيل على أنقاض قصر الحصوة الذى بناه محمد على مؤسس الدولة المصرية الحديثة، وقد عهد الخديوى إسماعيل إلى وكيل وزارة الأوقاف آنذاك المهندس مغربى بك سعد بتصميم ذلك القصر والإشراف على بنائه حيث كان ضمن البعثة الهندسية التى أوفدها الخديوى إلى فرنسا وقد بنى القصر على غرار قصر فرساى بفرنسا الذى قضى فيه الخديوى إسماعيل فترة تعليمه وقد طلب الخديوى نقش الاحرف الأولى من اسمه وتاجه الخاص على بوابة القصر الحديدية ومداخل القاعات والغرف ومازالت تلك النقوش موجودة حتى الآن وفى أوائل عام 1952 تقرر أن يكون القصر مقرا لجامعة ابراهيم باشا وكلية الحقوق التابعة لها حيث شغلت كلية الحقوق الطابق الأول بينما شغلت إدارة الجامعة الطابقين الثانى والثالث وبعد ذلك بنيت في المنطقة المحيطة بالقصر معظم كليات الجامعة. ومن أهم الذكريات التاريخية لهذا القصر توقيع معاهدة 1936 به ومازالت المنضدة التى تم التوقيع عليها بين لامبسون والنحاس باشا وقادة الأحزاب موجودة فى مكانها بصالون القاعة الرئيسية وحولها طاقم من الكراسى المذهبة التى يرجع عمرها إلى حوالى 120 سنة وتعرف معاهدة 1936 فى المراجع والوثائق الإنجليزية إلى البوم باسم معاهدة الزعفران نسبة إلى القصر.