المجتمع المصرى إستهلاكى بطبيعته .. وليس أدل على ذلك من أن حجم الاستهلاك تجاوز 240 مليار جنيه العام الماضى منها 130 مليار جنيه حجم الإنفاق على المواد والسلع الغذائية مقابل 110 مليارات جنيه على الملابس والمسكن ونفقات العلاج والتعليم . . ولغة الأرقام السابقة تؤكد أن المجتمع المصرى ينفق بلا حدود على أشياء غير ضرورية . كما أنه يتمسك بمواسم مرتبطة بشراء سلع بعينها ففى الأعياد الملابس الجديدة والحلويات بينما أصبح الياميش أهم طقوس شهر رمضان التى لا يمكن الاستغناء عنها . . وكذلك فإن شم النسيم مناسبة لتناول كميات هائلة من الفسيخ والبيض .. فضلا عن مواسم أخرى مرتبطة بسلع مختلفة حتى أصبحت السنة كلها مواسم لاستهلاك قائمة طويلة من السلع معظمها غير ضروري. ومن بين قائمة السلع والمنتجات الاستهلاكية يحتل (التسالى) مرتبة متقدمة خاصة وأنها معروضة طوال العام ولا ترتبط بموسم بعينه ويمكن تناولها فى كل الأوقات والأماكن . فنادرا ما تجد من لا يشتري اللب والفول السودانى لدرجة أن شراء التسالى بات بنداً أساسياً فى ميزانية أسر مصرية كثيرة .. وليس هناك ما نسوقه فى هذا الصدد أكثر من الرقم الذى ذكره الحاج أحمد العبد رئيس شعبة تجارة التسالى بالغرفة التجارية من أن حجم إستهلاك المصريين من التسالى يتجاوز 122 مليون جنيه سنويا موضحا أن المجتمع المصرى بكل المقاييس يعد أحد أبرز شعوب الأرض من حيث أنماط الاستهلاك العالية فهو يجود طعامه بحوالى مئة مليون دولار من البهارات والتوابل ويرصد 130 مليون دولار لتأمين احتياجات رمضان من الياميش .. علاوة على أكثر من 100 مليون جنيه للكنافة والقطايف والمخللات وكعك العيد . فضلا عن 4800 مليون جنيه للتدخين بخلاف فاتورة الشاى والقهوة والمياه الغازية . تسالي متطورة ويواصل كبير تجار التسالى فى مصر أحمد العبد موضحا أن قطاع التسالى المصرى شهد طفرة كبيرة من حيث الكم والكيف فقد تضاعفت أعداد المحلات التى تمارس هذا النشاط التجارى خلال العقود الخمسة الماضية من 35 محلا منها 10 محلات فقط فى القاهرة إلى نحو 3350 محلا منها 1173 محلا فى القاهرة و304 فى الاسكندرية وحوالى 212 فى أسيوط والباقى موزع على بقية المحافظات .. مشيرا إلى أن هذا الحصر لا يضم الباعة الجائلين الذين يقدمون بضاعة رخيصة ولكنها فى الغالب رديئة المستوى . وأضاف أن التطور لم يقتصر على ضخامة التجارة وإنما إمتد إلى شكل المحلات وديكوراتها المبهرة وما تحتوى عليه من بضائع متنوعة. فبعد أن كانت المحال تعرض اللب والسودانى فقط أصبحت قائمة المعروضات تضم الحمص والملبس والشيكولاته واللوز والفستق فضلا عن الياميش الذى يباع فى شهر رمضان .. موضحا أن لكل مهنه أساطينها وقائمة رواد تلك التجارة فى مصر تشمل أسماء كبيرة فى هذا المجال أبرزهم آل الصيرفى وأولاد مكى وآل العبد وآل عواره وعبد السميع القرم ومحمد الملاح. وكشف بدر عبد الله صاحب أحد أشهر محلات التسالى فى القاهرة عن أن الأسعار زادت بنحو 200 ضعف عما قبل 50 عاما حيث كان كيلو اللب الأبيض بحوالى 15 قرشا مقارنة بنحو 14 جنيها حاليا . بينما كان سعر كيلو اللب الأسمر 6 قروش مقابل 12 جنيها حاليا وكذا فقد زاد سعر كيلو السودانى المقشر من 7 قروش إلى 10 جنيهات .. كما بلغ سعر كيلو البندق المقشر والمستورد من تركيا 16 جنيها مقارنة بنحو 12 قرشا قبل 50 عاما . مشيرا إلى أن أسعار المنتجات الجديدة بلغت 6 جنيهات كيلو الحمص وحوالى 9 جنيهات لكيلو الخشب مقابل 10 جنيهات لكيلو الخروب ونحو 2.5جنيه لكيلو اللب السورى . ورصد بدر عبد الله تطورا هائلا فى الصنعة ضاعف من حجم المبيعات الذى تجاوز معدله اليومى نحو 250 جنيها حيث تطورت المحمصة وصارت المحامص الحالية تضم أفراناً كهربائية تساهم بفاعلية فى رفع جودة المنتج وزيادة قيمته غذائيا وماديا .. ويضيف أن معظم المحلات باتت تحرص على إقتناء المحامص الحديثة التى ترفع مستوى جودة المنتج وبالتالى زيادة المبيعات . مؤكدا أن حجم المبيعات يختلف من محل لآخر.. مشيرا إلى أن تميز البضاعة والمواصفات مرهون بجودة الزراعة وتوفير التقاوى عالية المستوى. تجارب ناجحة ويقول أحمد الصيرفى رئيس شعبة الاستيراد بوزارة التموين والتجارة الداخلية أنه قبل نصف قرن كانت مصر تستورد اللب الأبيض والأسمر والسودانى والخروب والبندق علاوة على التمر وبعض أنواع الياميش خلال شهر رمضان .. وكانت هذه الأصناف تستورد بمعرفة شركات كبيرة فى ذلك الوقت منها ( قدرى تريد ) و( تتونجى ) وغيرهما .. مشيرا إلى أن الاستيراد كان يتم من دول كثيرة أبرزها الصين المتخصصة فى اللب الأبيض والسودان فى اللب الأسمر بالإضافة إلى الخروب من قبرص والبندق من تركيا . وأضاف الصيرفى أن الاستيراد استمر حتى عام 1970 عندما بدأت تجارب زراعة التسالى فى مصر . موضحا أنه مع نجاح التجربة أصبح الإنتاج المحلى يفوق فى جودته نظيره المستورد حتى أن مصر باتت تصدر بعض التسالى وأبرزها السودانى إلى أوروبا .. إلا أنه مع تدهور الاهتمام والإشراف انخفضت مرتبة الإنتاج وعادت مصر للإستيراد مجددا. وأكد الدكتور مصطفى عبد الرزاق رئيس قسم تكنولوجيا الأغذية بجامعة الأزهر أن الدولة بدأت تهتم فى السنوات الأخيرة بزراعة مواد التسلية كالسودانى والحمص واللب خاصة بعد قرار منع استيرادها .. وأصبح اللب الأبيض يزرع فى البحيرة وكفر الشيخ واللب الأسمر فى مديرية التحرير حيث أن هذه النوعية من الحبوب تحتاج إلى أرض شديدة الخصوبة وري دائم .. مشيرا إلى أن الحكومة بدأت تشجع زراعة الحمص فى الصعيد وخاصة فى أسيوط لأنه يحتاج الى اراض صحراوية ودرجة حرارة عالية ومياه قليلة .. كما تمت تجربة زراعة الخروب فى الواحات إلا أن التجربة لم تسفر عن نتائج جيدة حيث لم تكن جودة المحصول بنفس كفاءة وجودة الخروب المستورد من قبرص .. كذلك خصصت الحكومة مساحات مناسبة لزراعة لب الخشب فى البحيرة واللب السورى فى أماكن متفرقة من الدلتا. ويرى الدكتور مصطفى أن مستقبل زراعة هذه المحاصيل فى مصر يبشر بالخير وأن الأمر يتطلب فقط مضاعفة الاهتمام والتشجيع من الجهات المسئولة .. مؤكدا أن منتجات مصر من اللب والسودانى باتت أكثر جوده وجذب للزبائن من نظيرتها المستوردة التى بدأت تتراجع داخل محلات التسالى لمصلحة المنتجات الوطنية . بدأت بالفاكهة ومن جهته يذكر الدكتور على حسن عالم الآثار المصرية وأستاذ حضارات الشرق أن محتويات محال التسالى من لب وسوداني وحمص وغيرها هى فى مجموعها محتويات بلا تاريخ فى مصر .. حيث أن المصرى القديم الذى عرف بغرامه وعشقه لأطايب الطعام والنزهات فى الحدائق وعلى ضفاف النيل والاحتفالات الجماعية كان مغرما أيضا بالتسلية والتسالى ، ولكنه لم يعرف اللب والسودانى أو الحمص وكان يتسلى بالفاكهة التى كانت تحتل موقعا ثابتا على مائدته . وأشار إلى أن النقوش الأثرية على جدران المعابد تدل على تناوله لها بانتظام فى حياته وإحتفالاته وأن المصرى القديم كان يتسلى بالمكسرات مثل الجوز والبندق واللوز المستورد من خارج حدود الدولة المصرية .. وكذلك عرف المصريون زراعة اللوز فى مرحلة تالية وكانوا يزرعونه فى سيناء .. كما برع المصريون فى تجفيف العنب وصناعة الزبيب الذى كان منتجا فاخرا فى مصر القديمة. فوائد صحية ويخطئ من يظن أن التسالى لا فائدة لها صحيا حيث كشف الدكتور حمدى حجاج رئيس قسم الباطنة بمستشفى أم المصريين العديد من الفوائد الغذائية من وراء تناول التسالى خاصة الطبيعى منها إلا أنه حذر من مخاطر الافراط فى تناول هذه التسالى . وأوضح أن كل ما هو طبيعى مفيد صحيا للإنسان وأن مواد التسالى تحتوى على كمية من البروتين والدهون والأملاح والزيوت .. مشيرا إلى أن السودانى من الأغذية النباتية المعروف عنها علميا أنها تقلل من إمتصاص الجسم للكوليسترول بالإضافة إلى أنه يحتوى على 8 عناصر مهمة كالماغنسيوم المسئول عن تنشيط إنزيمات الجسم الحيوية والذى يعمل على حماية الإسنان من التسوس . فضلا عن احتوائه على حامض النوليك الضرورى لتكوين كرات الدم الحمراء اللازمة لمقاومة أكسدة الخلايا التى تسبب الاورام . وأضاف أن اللب الأبيض يساهم بصورة كبيرة فى تخفيض ضغط الدم المرتفع .. إلا أنه حذر من تناول التسالى المكشوفة والمعرضة للتلوث والأتربة مؤكدا أنها قد تسبب العديد من المتاعب الصحية وطالب بتعبئة تلك المنتجات فى أكياس مناسبة ونظيفة لحمايتها من التلوث وحماية من يتناولها من الأمراض.