يقال.. نفض.. ينفض فهو نافض، وانتفض ينتفض.. فهو منتفض.. و«نفض يده من الشيء» أي صرف نظره عنه، اما يأسا.. واما عجزا، فيقال: «نفض ابناء الارض المحتلة يدهم من مساعي الحل التي لا تحل ولا تربط» أي طفح بهم الكيل ضيقاً وقرفا من الطناش العربي والدولي، بعد ان «نفض» العرب ايديهم من القضية مكتفين بشرحها لكل من هب ودب من زعماء العالم، حتى أصبح العالم يعرف عنها اكثر مما نعرف نحن، وهذا بالتالي جعل أصدقاء العرب «ينفضون» أيديهم من القضية ومشاكلها.. من باب التضامن مع العرب في الحلوة وفي المرة..! و«النفض» يعني في بعض اللهجات «النفط»، وهو مادة خام كانت في يوم من الايام سلاحاً في يد العرب، فأصبح ـ لحكمة عربية تراثية ـ سلاحا غرزه الغرب في اعناقهم.! و«انتفض».. ينتفض انتفاضاً، اي هبّ لشيء ما، وقد يكون «الانتفاض» من اجل شيء عظيم او هدف كبير، وقد يكون بسبب شيء هايف.. أو غرض تافه، كذلك الموظف الذي «ينتفض» رعبا وهلعا اذا لمح رئيسه امامه، او كالمدير الذي «ينتفض» غضبا اذا لم يقدم له موظفوه طقوس الاحترام والتبجيل الواجبة لسعادته، أو كالزوج الحمش الذي ينتفض وتنتفض معه رجولته وفحولته اذا لم تعامله زوجته معاملة «أمينة» لـ «سي السيد» حسب الاصول التي حددها «نجيب» محفوظ في ثلاثيته الشهيرة..! أما الشيء العظيم حقا فهو ان «ينتفض» أطفال صغار في وجه جيش مدجج بأمريكا.. ومدعم بخيبة الآمال العربية الشاملة، اما الاعظم والاهم فهو ان يظل الحوار بين الحجارة من جهة، وبين الرصاص والصواريخ الإسرائيلية من جهة اخرى شهورا، نفد خلالها صبر الرصاص والصواريخ، ونفد أيضاً صبر الجيوش وصبر قادتها، ولم ينفد صبر الحجارة ولا صبر أطفالها وشبابها..! ولكن الذي لم يكن عظيماً بالمرة فهو ان انتفاضية الصغار لم تقابلها انتفاضة للكبار في العالم العربي، ولم تقابلها انتفاضة في القمة العربية، ولم تقابلها انتفاضة في المجالس.. واللجان.. والمنظمات.. والجماعات.. والهيئات التي رفعت «ومازالت ترفع» رايات الكفاح والنضال، والتي حرقت من قماش اعلام أمريكا وإسرائيل ما يكفي لكساء كل العرايا والمحتاجين على ظهر الكرة الأرضية..!. ومن غرائب الأمور وعجائب الاحوال.. ان وجهات النظر في «الانتفاضة» اختلفت اختلافا بيناً باختلاف المواقع.. وباختلاف النوايا.. وباختلاف المصالح، فهي في نظر عباد الله المخلصين دفاع شرعي شريف يستحق الدعم والتأييد، وهي في نظر عباد الله غير الصالحين في إسرائيل وامريكا «عنف» يستحق البطش والتنكيل، وهي في نظر قادة وحكام العرب «وجع قلب» يجب ان ينتهي وينتهي معه الصراع الذي ارقهم طويلا، بعد ان انكشف مستورهم وانكشفت معه تلك الخيوط ـ أو الحبال ـ التي تربطهم ببلاد الكوكاكولا وبأصحابها من رواد الكنتاكي ومخترعي البورجر والماكدونالد..!، وهؤلاء السادة الناطقون بالضاد أحياناً.. وبالعبرية احياناً أخرى مستعدون للبصم بالعشرة على أي اتفاق يريحهم من هذا «الهم الازلي» الذي يفسد عليهم فرص الاستمتاع بمباهج الحكم والسلطة، ويضيع اوقاتهم الثمينة في اجتماعات.. ولقاءات.. وقمم لا يجنون من ورائها الا الاحراج وانكشف المستور من عوراتهم..!! ومن خصائص الانتفاضات انها تهب فجأة.. وتثور بلا انذار، فيطير النوم من عيون من أكدت لهم التقارير والاستخبارات ان كل شيء تمام التمام.. وان كل الأمور تحت السيطرة، وان الناس مبسوطون غاية الانبساط.. والأحوال في غاية الضبط والانضباط..، وان الذاكرة العربية قد فقدت وجاري البحث عنها، وبالتالي فقد نسى الشعب العربي ان هناك احتلالا لجزء من ارضهم.. وبالتالي أيضاً فإن كل الأمور مهيأة للتطبيع.. وللتركيع.. وللتمييع، فإذا بالأمور تنقلب بين عشية وضحاها من اعلاها إلى اسفلها.. ومن اسفلها إلى اعلاها، فاذا بالضعيف المغلوب على أمره ينقلب أسداً هصورا يبحث عن حقوقه وعن كل الحقوق التي ابتلعت وظن مبتلعوها انها هضمت وانتهى أمرها في بطونهم، واذا بالمستأسد صاحب الحول والطول.. والسلطة والصولجان، ينسخط فأرا يدور مذعورا حول نفسه مستغيثا بـ «دادي» سام الأمريكاني الذي يبدو بدوره كالسكران الذي فقد ظله.. وفقد عقله.. ولم يبق في يده سوى ذلك «الفيتو» يطيح به يمينا ويسارا محاولاً اخافة الجميع..، ثم.. وأخيراً.. اذا بأصحاب الكروش والعروش تهتز من تحتهم الكراسي فيصرخون من الرعب «ياخفي الالطاف.. نجنا مما نخاف»..!! ومن خصائص الانتفاضة أيضاً انها كالنار المقدسة.. كلما حاولوا اطفاءها زادت اشتعالاً.. وكلما ظنوا انها هدأت وخمدت.. فوجئوا بأنها توسعت وامتدت، مصيبتها الوحيدة لا تأتي من اعدائها بقدر ما تأتي من «أصدقائها»، الذين يصلّون الليل والنهار داعين الله ان «يهد حيل» أولاد الحجارة، ولولا بقية من حياء وخوف لأرسلوا جيوشهم تحارب مع اسرائيل لوقف ذلك الزلزال الانتفاضي الذي يهدد (الاستقرار) في بلادهم قبل ان يهدد اسرائيل ذاتها، ومعروف ان (الاستقرار) هو الاسم الحركي لـ «استقرار» الحكام على كراسيهم، او لـ (استقرار) المعارضين داخل المعتقلات، او لـ (استقرار) ارصدتهم في بنوك سويسرا، واهو (كله استقرار) وخلاص..! آخر المعلومات تؤكد ان هناك لقاءات سرية عربية يشارك فيها عدد من (اللغويين) المتخصصين في شئون لغة الضاد، تهدف الى وضع معاجم لغوية جديدة يحذف منها الفعل (انتفض.. ينتفض.. انتفاضا)، وكل مشتقاته حرصاً على امن.. واستقرار.. واسترخاء.. واستخذاء الشعب العربي، والله الموفق!!