تختتم غدا فعاليات الدورة الخامسة لبينالي الشارقة، هذه التظاهرة التشكيلية التي عشنا معها رحلة حقيقية مع الفن واللوحة بكل أنواعها وتجلياتها وتفرعاتها الموضوعية والشكلانية. تظاهرة لا خلاف على أهميتها وعلى الدور او الادوار الذي تلعبه في دعم وتطوير الحركة التشكيلية في الامارات فهي نافذة مفتوحة على العالم، نافذة تطل بأريحية على تجارب من كل هدب وصوب وبالتالي هي فرصة لكل الفنانين الموجودين على أرض الدولة ان يتعرفوا ويحتكوا مع ساحات ووجهات نظر إبداعية عديدة. النظرة العامة للبينالي ايجابية، لكن هذا لا يعني وجود هفوات يمكن تداركها في الدورات اللاحقة، وهفوات لانريد وجودها خوفاً وحفاظاً على تجربة ثقافية وحضارية رائدة على مستوى المنطقة في الخليج، ان لم نقل على مستوى الوطن العربي بصورة عامة. لا نريد ان نكون مغالين لكن نقل مجموعة من الملاحظات التي قيلت وتم ترديدها على مدى الايام السابقة من قبل فنانين وزوار نقل هذه الملاحظات ليس الا محاولة في ايصالها الى اللجنة المنظمة علها تسعى على مدى الدورات السابقة لتجاوزها والتخلص منها، بالرغم من علمنا المسبق انه وبمثل هذه التظاهرات الكبيرة لا يمكن ان تستوي الامور وان يتحقق ذلك الجانب الكمالي المطلق، لكن النجاح الاساسي يظل في استمرارية هذه التظاهرة وحفاظها على مكانتها التي حققتها على مدى السنوات والدورات المنصرمة. ثمة انطباع عام بأن ثمة تجارب عديدة ليست بالصورة المثلى التي تتوافق مع بينالي دولي للفنون، وهذا الامر، ردد كثيرا، وخاصة في تشابه الكثير من التجارب. بالمعنى الذي أعاق ميزة التنوع الذي عرفناه في الدورات السابقة. الورش الفنية وهي ملاحظة في مكانها لم تكن في هذه الدورة بالفاعلية التي كانت عليها سابقاً ولا نقول مجاملة انه لولا الورشة التي قدمها الفنان ثائر هلال لكانت الورش مضت دون ان تترك اثراً يذكر لا عند الفنانين ولا عند الزوار العاديين. شهدت هذه الدورة مجموعة من المواعيد والفعاليات التي اعلن عنها ولم تتحقق لاسباب نجهلها وخاصة ذلك الذي سمي باللقاء الاعلامي اليومي الذي لم ينعقد على مدى ايام البينالي جميعها، واذا توقفنا عند نقطة اساسية وجوهرية في هذه الدورة الا وهي الجوائز فلا شك انها اثارت جدلا كبيرا وخاصة ان بيان لجنة التحكيم لم يبين الاسباب التي جعلتهم يختارون هذا العمل ويتجاهلون ذاك، وكما كانت العادة كانت هناك اشادات بتجارب على قيمة عالية في البينالي لم تحصل على جوائز، ولعل ابرز النقاط التي اثيرت في هذا السياق هي حول ثلاثة اعمال اهمها الجائزة الكبرى التي علق البعض بأنها منفذة على الكمبيوتر وهذا الأمر لا يتوافق مع قيمة العمل الفني بألوانه وخاماته وخصوصيته الابداعية، العمل الثاني هو عمل الفنانة كريمة الشوملي الذي اثار تساؤلات عديدة ان كان يستحق الجائزة التي حصلت عليها رغم وجود تجارب في مجال الانسكيشن اكثر استحقاقا، ونؤكد هنا اننا لسنا هنا الا ناقلين لما قيل مراراً، اما عمل الفنان أحمد محمد ابراهيم فقد اثار بدوره جدا وخاصة فوزه بجائزة مشابهة على عمل يتشابه الى درجة التلاحق مع تجربته في هذه الدورة من البينالي. الفنان والناقد التونسي عبداللطيف حشيشة كان له بضعة ملاحظات آخرى اراد نقلها الى الجهات المنظمة حيث قال ان مشاركته في البينالي كانت بورقة قدمها في الندوة الفكرية الدولية حول مفاهيم الفن المعاصر وما بعد الحداثة مضيفاً انه لابد قبل كل شيء من توجيه رسالة شكر للقائمين على هذه التظاهرة التشكيلية الكبيرة التي تضيف الى مسيرة الشارقة الثقافية المعروفة ومن الملاحظ ان البينالي قد فتح ابوابه لكل الفنانين وعلى جميع المستويات كالمشاركات الفردية والدولية، والاجنحة الخاصة الامر الذي جعل البينالي متعدد الاعمال ومتنوع الى درجة الازدحام، وهذا بدوره لابد أن يخلق ازمة لدى المتلقي في قدرته على التعرف والوقوف امام تجارب الفنانين بالشكل المطلوب والذي تهدف اليه مثل هذه التظاهرات. فمثلا المعارض الفردية وهي خطوة في البينالي الا ان الملاحظ وجود اعمال متعددة لفنان واحد وهي جميعها متشابهة ويمكن لعمل واحد او اثنين ان يلخص كل هذه الاعمال وهنا يحبذ ان يكون هناك تقليص لعدد الاعمال والتي كلما زادت ستخلق للمتلقي بلبلة ذهنية وعدم قدرة على التركيز. ومن الملاحظات الاخرى التي اشار اليها عبداللطيف حشيشة ان غالبية اللوحات المعروضة تفتقد للتعريف المناسب واغلبها لا يحتوي على اسم الفنان او اسم العمل وغيرها من المعلومات الاساسية كالخامات المستخدمة وكل هذه المعلومات المفتقدة تزود المتلقي ان كانا فنانا أوغير ذلك تزوده بالمعرفة وقدرة اوسع على فهم العمل وآلية العمل والخامات المستخدمة وافتقاد هذه الخدمة جعل العديد من الفنانين يقومون بها بصورة شخصية وفردية. ومن النقاط التي أثارها حول علاقة الندوة الفكرية والبينالي حيث بقيت الندوة وكأنها منعزلة عن بقية الفعاليات والانشطة، وراوحت في اطارها الفكري والفلسفي دون الدخول الى اعماق التجارب التشكيلية المتوفرة بصورة عملية، اضافة الى قضية لابد ان تكون اساسية الا وهي اشراك الفنانين وتجاربهم المعروفة في البينالي داخل اروقة الندوة الفكرية لايجاد تلك الجدلية بين الجانب النظري والجانب التطبيقي والا تقتصر الندوة وأوراقها المتميزة على أصحابها وبعض الحضور من الفنانين والصحفيين. وحول النتائج التي خلصت اليها لجنة التحكيم اضاف عبداللطيف حشيشة الى أنها صائبة، والاعمال التي اختيرت لتمنح الجوائز اعمال متميزة حقا، لكن يجب ان يلاحظ صعوبة الانتقاء من بين كل هذه التجارب والاعمال الى جانب صعوبة ارضاء جميع الآراء لكن خبرة لجنة التحكيم الموثوق بها وصلت الى نتائج مرضية الى درجة كبيرة لكن هذا لا يلغي وجود تجارب اخرى تستحق التكريم والجوائز، كما انه هناك تجارب ضعيفة لا تستحق مجرد المشاركة، ولذلك لابد ان تكون هناك صرامة في عملية الاختيار، الصرامة لا تعني الاقصاء وانما التأكد من ان سمعة البينالي وهذه التجربة بصورة عامة قائمة على ذلك، ولا أحد يريد ان تتغير النظرة الايجابية والمحترمة لبينالي الشارقة الدولي للفنون. على كافة الاحوال والظروف يظل بينالي الشارقة الدولي نقطة علامة، وتجربته ليس لها الا ان تثري الساحة المحلية بالمزيد من المكاسب الثقافية والمعرفية الكبيرة، ويذكر ان عدد المشاركات بلغ 1927 عملاً لـ 414 فناناً عربيا واجنبيا يمثلون 57 بلدا من العالم، فيما ضمت اجنحة المكرمين 60 عملا مكرما وبلغت الاعمال الفنية الموجودة في المعارض الفردية 135 عملا، بينما عرضت ثلاث مؤسسات فنية عربية واجنبية 60 عملاً فنيا. استضاف البينالي مجموعة من ضيوف الشرف هم فاروق حسني وزير الثقافة المصري وسمير سرحان، أحمد نوار ، رودرينو ديثا، ادونيس، مارت برنوس، وحسين غباش، احمد دراجي، كسير وغيرا، برندن ليند، مايكل هيرسون، ترنسي كازن، بينما كرمت هذه الدورة اربعة فنانين هم: انور سونيا «عمان»، محمد طه حسين «مصر»، صفية فرحات «تونس» رفيق شرف «لبنان»، عفيف بهنسي «سوريا»، وبلغت عدد الاجنحة الرسمية لـ 27 دولة عربية واجنبية منها الاردن والبحرين والجزائر، السعودية، سوريا، فلسطين، مصر، العراق، بنجلاديش، كوبا، الدنمارك، اليونان، ايران، موناكو، اسبانيا، امريكا وغيرها. ومع اقتراب النهاية لابد ان يكون هناك رسالة شكر خاصة لكل العاملين بالدائرة الثقافية واللجنة المنظمة للبينالي خاصة على الجهود التي بذلوها وشكرا لكل الجنود المجهولين الذين يعملون لمجرد العمل حباً بالثقافة والفنون.