في أقصى الجنوب الإسباني، يقع ساحل «كوستا دي لا لوث» الذي يعني «ساحل النور»، حيث يمكن للمرء زيارة شواطيء مازالت بكراً تقريباً وقرى مطلية بالكلس بكاملها وقد توقف الزمن فيها، بالإضافة إلى مقاه وملاه توفر أشكال المتعة والترف المختلفة. ويستطيع السائح أن ينطلق من قادش باتجاه الشرق إلى أن يصل إلى «شيكلانا» الحدودية، حيث يشكل نمط الحياة الفلاحية والبحرية خليطا ساحرا جديرا بالتعرف إليه عن قرب. ومن «شيكلانا» يستطيع أن يواصل الرحلة نحو «مدينة سيدونيا»، التي لا تبعد عنها سوى بضعة كيلومترات، والأفضل هو مواصلة السير بمحاذاة البحر الممتد على الجهة اليمنى من الطريق حيث مناظر البحر الخلابة. وتقود الطرق الفرعية التي تخرج من «شيكلانا» إلى الساحل وصولا إلى منطقة «كابنو سانكتي بيتري»، التي تقود بدورها إلى شاطيء «ياروسا»، حيث تدفع حرارة المياه المرء إلى الخلف، لكن النزهة على الرمل «حافي القدمين» لا يمكن الاستغناء عنها. ومن الشاطيء إلى «كامبانو» ومن هنا حتى «كونيل الحدودية»، تقع القرة الأكثر أصالة في «ساحل النور» وتبدو واجهات بيوتها المطلية بالكلس الأبيض وكأنها زرقاء حيث تنعكس أشعة الشمس كما لو أنها لم ترسل أشعتها هذه إلى أي بقعة أخرى من العالم وحيث يصبح نور الجنوب الشهير، الذي اكتسب جانبا أسطوريا مع مرور الزمن، واقعا حقيقيا هنا. ففي كل زاوية من شوارعها الضيقة والملتوية يظهر أثراً عربياً. والمكان يعج بكبار السن الذين يروون ما ندر من الحكايات والقصص وهم يتمتعون بأشعة الشمس اللطيفة في الساحات العامة. أما في «كولين»، فينبغي رؤية برج «جوزمان» وقوس «بيّا»، وهو الشيء الوحيد الذي بقي من القلعة القديمة. ويتعين القيام بجولة في أزقتها وزيارة كنيسة «سانتا كاتالينا» بالاضافة إلى «مصلى ميتم الرحمة» وغابات الصنوبر وشواطيء «فونتانيا» و«فوينتي ديل جايو». غير أنه ليس هناك من داع للعودة إلى نقطة الإنطلاق من أجل الوصول إلى منطقة «كاينوس دي مكة»، حيث تمتد غابات الصنوبر على طول الساحل. ويوجد بالجوار «رأس ترافالجار» ببرجه الذي يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر حيث كانت الحراسة توضع ليلاً ونهاراً خوفاً من القراصنة واليوم يرتدي المراقبون زيا رسميا تابعا للحرس المدني، في حين تمارس التجارة غير الشرعية نشاطها كما يحلو لها. وهذا الجزء من الساحل ينبغي التجوال فيه مشياً على الأقدام وبين الغابات وصولاً إلى شاطيء «كاتيوس»، وهو اختيار موفق إذا أراد المرء اكتشاف منطقة عذراء وأضاع نفسه عن قصد، ومع ذلك لا يحتاج الوصول إلى منطقة «بارباتي» إلا دورة صغيرة عبر الطريق وبخطوة واحدة يمكن الدخول إلى منطقة «فيهير» الحدودية. ولابد للزائر من أن يتجول في هذه المنطقة التي يقال إنها تحمل طابعاً عربياً أكثر من غيرها في إسبانيا كلها، إذ أنها تبدو مثل متاهة بيضاء غاصة بشُرف المنازل القديمة. ويكفي الصعود إلى القصر الأندلسي الموجود في البلدة كي تنال إطلالة رائعة على المحيط والقرى المجاورة التي يمكن مشاهدتها من الشرفات. أما كنيسة «ديفينو سلفادور» فهي تستحق الزيارة نطرا لأنها ذات طابع معماري غني بالأنماط المعمارية المختلفة القوطية والرومانية والأندلسية الاسلامية، التي تمثلت في مسجد رائع التصميم كان مشيداً في موقع الكنسية. وعلى بعد عشرة كيلومترات من بلدة «فيهير»، تقع بلدة «بارباني» التي تعتبر مكانا نموذجيا لصيد الأسماك، وبخاصة سمك التونة الذي تشتهر به القرية. ومن «بارباني» تستمر الرحلة بمحاذة الساحل باستخدام الطرق القليلة القريبة من الشاطيء إلى أن تظهر بلدة «صحرا ألتون»، التي تخفي أزقتها ناصعة البياض مقاهي لطيفة ومطاعم نظيفة حقا. ويمكن السير على الأقدام على طول الطريق المؤدية إلى شاطيء «كابوبلاتا» أو شاطيء «لوس أليماس»، أو يمكن الوصول إلى هناك بالسيارة لكن عبر طريق ضيق جدا، حيث يصطاد جمال المشهد البكر الزائرين ويدعوك لأن تقضي فترة زمنية أطول أو على الأقل حتى غروب الشمس، لأن الهدوء وأصوات البحر يجعلان من الاستلقاء على الرمل رغبة لا تقاوم. وينتهي طريق الرمال الصفراء في منطقة وعرية عند منارة «كامارينال» بحيث يبدو لك وكأنك وصلت إلى نهاية العالم. باسل أبو حمدة