«لقد سرقت وآذيت الناس والأهم من ذلك أنه كتبت لي النجاة عندما مات الكثير من الذين كنت أراهم قديسين ومنهم أختاي الإثنتان. ولقد أرغمت على الكفاح من أجل الحياة ولم أكن أعرف شيئا عن الحياة. وحملني ذلك على الشعور بأنني إنسانة سيئة ومازال التفكير فيه يجعلني شديدة التوتر والانفعال». يكفي أن يقرأ المرء هذه المقدمة التي كتبتها «لونج يونج» (التي كانت في الخامسة من عمرها وقت اندلاع الحرب الأهلية الكمبودية) والتي تأتي ضمن كتاب «قتلوا والدي أولا» الذي تروي فيه ذكريات تلك الحرب المروعة. إن مشاهد الاعدام في كمبوديا لم تعد إلا جزءا من الماضي الذي كان يحكمه أشخاص مثل «بول بوث»، الذي طالما راوده الحلم بتأسيس جنة للإصلاح الزراعي لم يتحقق منه سوى الجزء الرهيب المتمثل في قلة الملايين وتحويل حياة الآخرين إلى جحيم مخيب لآمال الملايين من أبناء شعبه الخارج من اتون الحرب الفيتنامية الأمريكية. ومع تلاشي تلك الذكريات المؤلمة شديدة القتامة، فإن كمبوديا لاتزال هي الجنة التي تسلب الألباب خاصة لدى أولئك الذين قدّر لهم أن يتجاوزوا محنة الماضي. وعلى الرغم مما خلفته تلك الحرب الطويلة وراءها من تركة ثقيلة بدءا بآلاف الاعاقات البشرية وحقول الألغام وانتهاء بالآلام التي يشعر بها الكثيرون بين الحين والآخر وتلك الأماكن التي لاتزال قائمة كشواهد على قسوة التجربة أو العمق الزمني التاريخي لبلد مثل كمبوديا. على الرغم من كل ذلك، فإن كمبوديا لاتزال مكانا جميلا يجتمع فيه الماضي والحاضر بكل تناقضاته وروعته ولتبقى تلك المحنة التي مر بها من سنة 1975 إلى 1979 جزءا مهما من تاريخ كمبوديا تسجله عيون أطفالها الذين يكبرون. في ابريل 1975 اقتحمت قوات «الخمير الحمر» بنوم بنة، وشاهدت لونج يونج، المتحدثة باسم الحملة الداعية لعالم خال من الألغام الأرضية) الفظائع التي ارتكبتها هذه القوات أو الوقائع التي يشتمل عليها كتابها الصادر في سنة 2000 بعنوان «قتلوا والدي أولا» وللعودة إلى هذا التاريخ فإن هذه الوقائع تضع القاريء وسط أحداث لم يكن ليتمنى وقوعها بالفعل. والواقع أن ما توفره قراءة كتاب يونج هو المعرفة الحقيقية للآثار المدمرة التي تتركها أي حرب في نفوس الأجيال المتعاقبة بعد ذلك. تروي يونج وقائع الحرب التي بدأت بانتصار قوات الخمير الحمر على الحكومة الكمبودية في ابريل سنة 1975 وهو ما يشعر القاريء بذلك النضج العقلي المبكر ليونج، وهي في الأساس ابنة موظف عسكري تعيش في أسرة تنتمي إلى الشريحة المتوسطة وتتكون من سبعة أطفال، يتناهى إلى سمعها فجأة نبأ غزو بنوم نبه. وفي احدى الوقائع تروي يونج قصة مؤثرة عن المرة الأولى التي سرقت فيها وكان ذلك في مايو سنة 1978 عندما كانت في الثامنة من عمرها وعندما أجبرت على سرقة كمية من الأرز لا يتعدى حجمها حجم قبضة اليد بانتزاعها من يد امرأة ميتة. تقول يونج: ربما كانت تلك هي الوجبة الأخيرة التي توفرت للمرأة العجوز التي سرقت منها الطعام. لقد أخذتها ولم أعرف كيف استوعب الموقف. لم أعرف وأعتقد أن الناجين يلازمهم الشعور بالذنب وهو ما أشعر به أكثر من الآخرين لأنني الوحيدة التي أحكم على نفسي. كم أنا سيئة، لقد ماتت المرأة ومعدتها خالية من الطعام. قبل 26 عاما من الآن كانت يونج طفلة في الخامسة من عمرها عندما اندلعت الحرب بين حكومة «لون نول» المدعومة من الأمريكيين وبين قوات الخمير الحمر التي كان يقودها بول بوث. لكن ذاكرتها لاتزال في هذا الكتاب مليئة بالصور الجميلة ومنها صورتا والديها ووالدتها الكمبوديين الصينيين المنتميان إلى شريحة من المجتمع الكمبودي تتمتع بالكثير من الامتيازات كالمسكن اللائق والطعام والسيارة لكن هذه الصورة تتراجع فجأة. وعندما تتراجع تقول يونج: «بعينين نصف مغمضتين كنت أرى أيضا بنوم بنه التي تئن تحت وطأة الحرب. الآلاف يتضورون جوعا أو يمدون يدهم للآخرين. والمستشفيات تمتليء بالجرحى الذين لا يمكن معالجتهم. وعلى الرغم من تلك القذارة وذلك الجوع كانت المدينة تشبه واحدة من تلك البلدان الفرنسية، الناس يركبون دراجاتهم عائدون إلى بيوتهم والشوارع تنام في هدوء عند منتصف النهار. ومن يدري فربما كانت تلك هي يونج الصغيرة عندما كانت تلعب مع أقرانها «الحجلة» في الشارع القريب من الفندق في المنطقة التي كانت تعيش فيها مع الصحفيين الذين كانوا يغطون أخبار الحرب. وإذا كانت حياة يونج في تلك المرحلة أكثر هدوءا وجمالاً فإنها لم تعد كذلك فما أن تقتحم قوات الخمير الحمر بنوم بنه وتقصي الحكومة السابقة حتى تبدأ بطرد المدنيين الذين يأخذون في التدفق على الأرياف وهي اللحظة التي تتحول معها حياة المؤلفة إلى صراع يائس من أجل الحياة. وخلال السنوات الثلاث الأولى كانت يونج تعيش حياة هامشية هي في الواقع حياة الغالبية العظمى من الكمبوديين المحرومين من شخصيتهم الإنسانية العاملين في المزارع. وكانت يونج، قد عرفت الجوع والمرض والعنف في تلك الفترة. وفقدت يونج والديها واخوتيها وعشرين من أقاربها، والواقع أن والدها كان قد قتل على يد أفراد الحكومة الجديدة التي استهدفته كعنصر من عناصر النظام السابق الذي كانت تدعمه أمريكا. فبعد سنتين من اختفائه في بعض القرى البعيدة وانخراطه في العمالة الزراعية، تم اكتشافه. وتقول يونج: «كنا جميعا ننتظر عودة والدي، وكنت أجلس على درجات السلم وأحدق في الطريق التي أخذته منا. وكنا نصلي حتى يعود إلينا». وخلال أسابيع فقط كانت القوات قد قتلت والدتها وأختها الرضيعة. أما الجزء الأكثر قتامة من كتاب «قتلوا والدي أولا» فهو الجزء الذي يبدأ بترحيلها إلى معسكر لتجنيد الأطفال عندما كانت في السابعة من عمرها وهناك لو كانت قد درست مباديء الحرب وتدربت على القتال بالاضافة إلى عملها في الحقول. وفي البداية كما تروي المؤلفة تحولت إلى آلة صغيرة مليئة بمشاعر الحقد والعدوانية حتى سنة 1979 عندما غزا الفيتناميون كمبوديا واسقطوا الخمير الحمر من السلطة. وهنا تروي يونج المزيد من تفاصيل رحلة العذاب التي تبدأ بهروبها من المعسكر والتحاقها بأخيها واسرته وهما الاثنان الذان نجيا من القتل لتبدأ رحلة طويلة عبر الأراضي الفيتنامية وتايلاند وبحر الصين الجنوبي ليستقل من تبقى من الأسرة أحد القوارب المخصصة لنقل اللاجئين في طريقهم إلى الولايات المتحدة. مريم جمعة فرج