مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الجانب الأكبر من أوروبا ومساحات كبيرة من آسيا قد تحولا لخراب. وكانت هناك حاجة ملحة وأولوية لا تقبل التأجيل للشروع في عملية إعادة بناء شاملة انطلاقاً من الصفر، بما في ذلك البنى التحتية والمرافق والخدمات والمنازل. ولم يكن أي جزء من اليابان والصين وبورما وأوروبا كلها قد نجا من ويلات الحرب المدمرة ، التي أكلت الأخضر واليابس. وكان عدد كبير من مهندسي المدن والعمارة وغيرهم من الاختصاصيين قد قضوا وقتاً طويلا خلال الحرب يفكرون ويخططون. وكانوا يعتقدون أن بوسعهم أن يضمنوا بزوغ حضارة جديدة من تحت ركام الأنقاض، وكان يشجعهم على اعتقادهم رؤية آخرين لهم كرواد يشقون الطريق نحو عالم جديد أفضل يساهمون في صناعته. ولا شك في أنهم لم يتصوروا قط أنهم قد يتعلمون شيئاً مفيداً من التاريخ، لأنه لا يتحدث سوى عن الماضي المقيت. في النصف الأول من القرن الماضي كان التقليد السائد في جميع الدول التي تتحدث لغات لاتينية في أوروبا أو أمريكا قوامه أن الأفضل لكل شاب ليست لديه ميول خاصة أن ينصرف للحصول على شهادة جامعية في القانون. لكن ما إن حلت نهاية الحرب حتى تحول معظم هؤلاء نحو هندسة العمارة. وكان عليهم أن يعيدوا بناء العالم. وكانت النتيجة أشبه ما تكون بالكارثة. وما إن انقضت ثلاثة عقود على ذلك حتى تبين أن معظم المشروعات الجديدة لا ترقى إلى أي مستوى معقول. وأخذت المجتمعات تنظر إلى المعماريين بخيبة أمل، فيما بدأت كليات الهندسة تعيد النظر في أساليب التعليم والبرامج ومعايير قبول الطلاب. وما لبث المؤتمر الدولي للعمارة العصرية، وهو منظمة تولت عملية الترويج للأفكار التي استند إليها معظم مهندسي المدن والعمارة في خططهم ومخططاتهم في عقود ما بعد الحرب أن انهارت تحت وطأة الانتقاد الحاد. وكان ذلك التحول المفاجئ نذيراً ببداية عصر جديد من الجدل والمنافسة بل وحتى الصراع بين مدارس معمارية مختلفة. ومؤلف هذا الكتاب، جوزيف رايكورت، مهندس معماري ومعروف، وأستاذ جامعي يدرس هذه المادة في جامعات كامبردج وبنسلفانيا وجاجيلونيان في مدينة كراكوف. وهو فضلا عن ذلك حجة في هندسة العمارة وتاريخها، تشهد له بذلك كتبه المنشورة العديدة، وبينها: «فكرة المدينة»، «فكرة الكوخ في تاريخ العمارة»، «مهندسو العمارة في القرن الثامن عشر» وغيرها. ويقع هذا الكتاب الذي نناقشه هنا في 285 صفحة بينها حوالي 40 صفحة من المراجع والملاحظات. وهو يشتمل على 16 صفحة من الصور المنتقاة بعناية لخدمة الغرض منه، ألا وهو البحث في كيفية نشوء المدينة وتطورها من بداية الحضارة المؤرخة وحتى يومنا هذا. السحر والغواية يتمثل أقدم مخطط عثر عليه لمدينة في بقايا نسيجها الواقعي الذي تمت إزاحة أطنان التراب والرمال عنه. ومنذ ذلك الحين تظهر يومياً أدلة قديمة وحديثة لا تقبل الجدل ولا الدحض بأنه ليست هناك مدينة على وجه الأرض قامت في إطار جهد فني موحد. فهناك أشياء لا تحصى تتداخل عند وضع مخطط مدينة أو أثناء بنائها لتفرض ألوف التغييرات التي تجعل منها ما هي عليه. وقد أدرك اليونانيون القدماء هذه الحقيقة حتما. وهذا واضح من اسم المدينة بلغتهم، وهو «بوليس» الذي يطلق أيضاً على لعبة يستخدم فيها زهر النرد، وهي تجمع مزيجاً متكاملاً من الحظ والقواعد. وقد اختلف مفهوم البلدة « town » عن المدينة « city » في بلدان كثيرة. لكنه لا يعني مثلما هو الحال في اللغة العربية اختلافاً في الحجم و تعداد السكان، وإنما في الأهمية. ففي المملكة المتحدة يحتاج تغيير لقب بلدة إلى مدينة لعرائض ومبررات وقرار حكومي. أما في الولايات المتحدة فأي تجمع سكاني يمكن أن يطلق عليه لقب مدينة دون مشكلة. أما في اللغتين الألمانية والإيطالية فإن الكلمتين تترجمان لكلمة citta ، فيما تعني كلمة cit الفرنسية نواة المدينة، أو المدينة القديمة (بمعنى الحي القديم). وربما كانت الإسبانية هي الأغنى في مصطلحات ألقاب المدن والريف والسكان وما شابه. والمدن مثل سكانها، فيها الصالح والطالح. ومنذ اختراع الكتابة كانت المدن تتعرض على الدوام للمدح والنقد. والحقيقة أن لكل مدينة نسيجها الخاص الذي يتجسد بحيث يمكن رؤيته وتنشق رائحته ولمسه رغم أنه من الناحية الفيزيائية لا يمكن رؤيته ولا شمه ولا لمسه - سواء بوعي كامل أو في العقل الباطن. والمدينة الحديثة هي مدينة التناقضات، فهي تؤوي الكثير من الأعراق، الكثير من الثقافات، الكثير من الطبقات الاجتماعية، الكثير من الأديان والعقائد. ولأنها ملأى بهذا التجزؤ والتضاد، فإنها تبدو متعددة الوجوه. ولعل حالة قابليتها للانفتاح أمام أي شيء هو ما يجعلها تتمتع بتلك الجاذبية التي تسحر ساكنيها، وبتلك القدرة الغريبة على إغوائهم للبقاء فيها والعودة إليها. المدينة والعولمة مما لا شك فيه أن أعتى القوى الاقتصادية التي تنشط في المدينة حالياً وفي المستقبل المنظور هي العولمة التي أنتجت تركيزاً للقوة الاقتصادية في مدن محددة. وتأتي في طليعتها نيويورك (المدينة الأقوى)، تليها لندن وطوكيو، فيما تنتظر شانغهاي في الظل استعداداً للانضمام إليهما. ولربما أصبح جائزاً إطلاق لقب العاصمة العالمية على نيويورك. والحقيقة أنه لا يمكن النظر إلى تطور المدينة عموماً بمعزل عن التطور الاقتصادي. وفي هذا الإطار يمكن تقسيم العلماء الحضريين والاقتصاديين والمؤرخين إلى مدرستين رئيسيتين حديثتين نسبياً. الأولى يتمثل فيها جميع أتباع هيجل من اليسار إلى أقصى اليسار. وهم يحتقرون الحلول الجزئية لمشكلات الإنسان الاقتصادية (المعيشية) ويرون أن تفاقم تلك المشكلات سيؤدي حتماً لثورة تقيم مجتمع العدل. أما المدرسة الثانية التي تجمع مختلف أنصار السوق الحر. والحقيقة أيضاً أن قوى السوق تتمتع بقدرات رهيبة تجعل من شبه المستحيل مقاومتها. بل لقد ثبت أن محاولة لجمها بالقوانين تحمل في طياتها تحدياً غير محمود العواقب على الإطلاق، وسيؤدي من دون شك إلى جعلنا نحن ومدننا أفقر مما نحن عليه. لكن الملاحظ في الوقت نفسه أن كلتا المدرستين لا تعطي غير اهتمام هامشي لنسيج المدينة وساكنيها. وإني أرى في ذلك خطأ رهيباً أثبت التاريخ باستمرار مدى جسامته. فقوى الاقتصاد هي نتاج تراكمي للخيارات التي تبناها الأفراد. ولو عدنا إلى أحداث التاريخ الكبرى وحاولنا أن نحول أيا منها لخطوط بيانية، فسنجد أن إحداث أي تغيير في أي عامل من عواملها، مهما كان بسيطاً، كان سيؤدي لتغير الحادث كلياً. ومما لا شك فيه كذلك أن منحى التطور الحضري يسير وفق حتمية معينة واندفاعة قد يمكن إعاقتها لبعض الوقت فقط. ولا ننسى أن الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون كان يعتبر أن المراكز الحضرية تقوم بإفساد المجتمع والقضاء على البراءة التي كان يفترض وجودها في الريف. وكان جيفرسون يرسل المواد الأولية لتصنيعها في أوروبا وإعادتها بضائع جاهزة إلى بلاده، وذلك كي لا يسمح بقيام المزيد من المراكز الحضرية الصناعية (المفسدة). لكن كل ذلك طبعاً انتهى بنهاية جيفرسون. نشوء المدينة كانت المدينة في بداية الأمر تجمعاً سكانياً يجمع بين البداوة والحضرية. وكانت مواقعها تنتقى بحيث تلبي عدة ضرورات لا بد منها، وأهمها سهولة الدفاع عنها ضد الغزاة، وتوفر مياه الشرب وقربها من المناطق الزراعية التي تكفي لتأمين احتياجاتها. وكان من الطبيعي أن تبنى المساكن قريبة من بعضها البعض لاختصار المساحة الكلية، وأن تكون بينها أزقة تسمح بمرور المشاة. وكان التطور والتقدم يجلبان معهما على الدوام ضرورات جديدة، ويلغيان أشياء كانت في مراحل سابقة تعتبر أساسية. وقد عرف الإنسان في العصور الغابرة المرافق العامة فأدخلها في المخططات العامة للمدن حتى غدا بعضها من الملامح التي لا تخلو مدينة منها. وقد كتب الرحالة اليوناني بوزانياس منتقداً أثينا قبل حوالي ألفي عام: كيف يمكن للمرء أن يسميها بلدة وهي بدون سور وتخلو من قاعة عامة (للاجتماعات)، ومن مسرح، من ملعب رياضي (جيمانزيوم)، ومن ساحة للسوق. بل ليس فيها حتى نافورة بمياه جارية! وقد بقيت المدن بمعناها العصري غير موجودة إلى حد كبير مع بعض الاستثناءات، مثل الإسكندرية وروما. واقتصرت الحياة الحضرية على قرى كبيرة لا يزيد عدد سكانها على الغالب على خمسة وعشرين ألف نسمة. وكان سبب ذلك عدم القدرة على توفير الضرورات المعيشية لأعداد أكبر من ذلك. ففي تلك الأيام الغابرة كان لا بد من وجود مطاحن الدقيق ومصدر دائم للأعلاف. وكانت الزراعة مهنة الغالبية العظمى من الناس الذين كانوا يفضلون السكنى في مزارعهم وحقولهم. ولا شك في أن العالم عرف حتى نهاية الألفية الأولى بعد الميلاد عدداً من المدن التي لم يكن يقل عدد سكانها عن مئة ألف نسمة. لكن السكنى فيها لم تكن مريحة أبداً، بسبب انعدام المياه الجارية وصعوبة النقل والتنقل على ظهور الخيول والدواب أما بعد ذلك فقد أخذت الأمور منحى آخر، أحدثه التقدم المتسارع ودخول اختراعات جديدة بدأت تغير أسلوب الحياة بأكمله. وكان من تلك الاختراعات التي شهدها القرن السادس عشر ترويض طاقة المياه بصورة أكثر فعالية، وبعدها بقليل ترويض طاقة البخار. وهكذا أخذت التجمعات السكانية الجديدة تبرز وتنمو كالفطر حول المصانع التي تستخدم البخار وحول مناجم الفحم الذي بقي قروناً عديدة مصدر الطاقة الرئيسي. ثم جرى تطور مهم للغاية في صناعة فحم الكوك المستخدم لإنتاج الحديد، مما سمح بإنتاج أنواع افضل وأكثر مقاومة للصدأ من ذلك المعدن. وما لبث الحديد أن دخل في صناعة البناء على صورة قفص يحيط به الطوب المصنوع من الطين والقش، وذلك في أوائل القرن التاسع عشر. وقد كان من العوامل التي أسهمت كثيراً في نمو المدن الكبيرة إقامة بلاط الملوك فيها، وإغرائهم طبقة النبلاء بالانتقال إليها ليكونوا على مقربة من البلاط. وربما تكون باريس هي المثال الأفضل في هذا المجال. ففي عام 1750 كانت فرنسا أكثر دول أوروبا ازدحاماً بالسكان، حيث ناهز عددهم 22 مليون إنسان، فيما بلغ عدد سكان باريس حوالي مليون ساكن. إلا أن الحياة فيها كانت بائسة للغالبية العظمى من السكان الذين كان عليهم أن يكافحوا ويناضلوا يومياً لكسب قوتهم. أما قصور النبلاء فكانت لا تعرف شيئاً من تلك التعاسة. وقد كان لتلك الفوارق الطبقية وما يتبعها من ظلم واضطهاد الدور الأول في إشعال نار الثورة الفرنسية التي غيرت وجه أوروبا. في الفترة نفسها كانت هناك مدينتان بريطانيتان فقط يزيد عدد سكانهما على 20 ألفاً، وهما نورويتش وبريستول، فيما كان عدد سكان بريطانيا الإجمالي لا يتعدى ستة ملايين إنسان. مسيرة التطور كانت المدن القديمة تتخذ في الغالب شكلاً متطاولاً على ضفاف الأنهار أو بجوار الساحل. وكانت أزقتها تتعرج إلى ما لا نهاية، وإن كانت في الغالب متوازية تقريباً طولياً، تقطعها أزقة عشوائية في جميع الاتجاهات. ويعود الفضل الأول في الخروج على هذا النمط في العمارة للملك لويس الرابع عشر الذي أسهم مع مهندسيه في البدء ببناء تجمعات سكنية تشبه النجمة الخماسية على حدود مملكته من أجل تسهيل الدفاع عنها. ومع اختراع المدافع الثقيلة، أصبحت الأسوار غير ذات جدوى. وكان للفرنسيين أيضاً الفضل في ابتكار فكرة البوليفار، وهو طريق محاط بالأشجار الكثيفة يلتف حول المدينة بأكملها ويسهل الدفاع عنها. وما لبثت فكرة البوليفار أن أصبحت من المعالم التي لا غنى عنها في المدن الحديثة، وإن اختلفت الموجبات. أدى تطور وسائل النقل وكثرة استخدام عربات الجر إلى ضرورة جديدة، وهي تسوية الطرقات داخل المدن وتوسيعها لتسمح بمرور عربتين. وهكذا قامت أحياء أكثر جدة تتميز بشوارع أعرض وأكثر استقامة. وقد أقدم البابا سيكستوس الخامس خلال اعتلائه سدة البابوية بين عامي 1585 و1590 على تجديد روما بالكامل، وبسرعة فائقة بحيث تعامدت شوارعها، وأقيمت عند كل تقاطع فيها نصب مختلفة. وكانت الحدائق العامة تحتل أولوية رئيسية في بناء أية مدينة آنذاك، حيث قيل ان من يعرف كيف يصمم حديقة عامة لن يعجز أبداً عن وضع مخطط مدينة واختيار الموقع المناسب لها. وكان من الطبيعي مع بداية الثورة الصناعية أن تنشأ حول المدن صناعات صغيرة وأن تبنى المستودعات والضواحي المخصصة للعمال والمعدمين. وسرعان ما نجم عن ذلك نمو المدن بتسارع لم يتوقف منذ ذلك الحين. ولو أخذنا مدينة برلين مثالاً على ذلك، لأدركنا مدى ذلك التسارع. في عام 1816 كان عدد سكانها 197000 نسمة، ثم ارتفع إلى 431000 نسمة عام 1841، وإلى 826000 ألفاً عام 1871، وإلى 1900000 ألف مع مطلع القرن العشرين. وقد أدى البدء باستخدام الإسمنت وتسليحه بالحديد إلى ارتفاع وتيرة تطور العمارة، وتم تدريجياً الاستغناء عن الخشب والطوب الطيني في أرجاء كثيرة من العالم، واختفت القناطر والأقواس التي كان هدفها الأول حمل ثقل السقف نتيجة لذلك. ثم أخذت الأبنية بالارتفاع التدريجي، واستخدم الزجاج السميك والمقوى مع الفولاذ في أعمال البناء. وبدأ المهندسون المعماريون يتفننون في ابتداع الأشكال المستنبطة التي كان أبرزها في القرن قبل الماضي برج إيفل الذي يرتفع 300 متر، وسقف معرض الآلات في باريس الذي افتتح عام 1889، وهو مصنوع من عوارض ودعامات فولاذية، وبطول 115 متراً. إضافة إلى ذلك، أبرز المهندسون المعماريون على الدوام مدى تأثرهم بالإنجازات المعمارية القديمة الخالدة، فأقاموا نماذج مصغرة لها وأدخلوها في تصاميمهم الحديثة. وهكذا أصبحنا نشاهد نماذج من أبي الهول والأهرامات وبرج إيفل والباجودا الصيني والقباب الإسلامية وتمثال الحرية الأمريكي والسقوف اليابانية وغيرها تزين أبنية مختلفة في شتى بقاع الأرض. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تغير نمط البناء من الطولي إلى المرتفع، فظهرت الأبنية المكونة من أربعة أو خمسة طوابق، خاصة في نيويورك التي بدأ فيها آنذاك استخدام المصاعد التي تعمل بقوة البخار. وبرزت في تلك المرحلة الآثار العميقة التي أحدثها التطور السريع لوسائل النقل البحري والنهري والبري والنقلات الصناعية النوعية الكبرى في نشوء مدن من لا شيء. وربما كانت مدينتا نيويورك وشيكاغو الأمريكيتان هما أفضل مثال على ذلك. فمدينة شيكاغو كان يسكنها عام 1848 أكثر من 400 إنسان بقليل. وارتفع العدد إلى 30000 عام 1850، ثم عشرة أضعاف ذلك خلال 15 عاماً. وغدت آنذاك تضم أكبر مجمع لتصنيع اللحوم في العالم، إضافة إلى كونها المنتج الأول للحديد في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الحريق الهائل الذي التهم سبعة كيلومترات مربعة من أبنيتها الخشبية كلياً. وأدى ذلك لإعادة بناء سريعة تم فيها تلافي استخدام الخشب والحديد الصب وهما اللذان لعبا الدور الأول في انتشار ألسنة النيران. وقبل نهاية القرن التاسع عشر أصبحت المباني المقامة بالإسمنت المسلح والتي ترتفع 15 طابقاً من المناظر المألوفة فيها. ومع مرور السنين تواصل تطور العمارة والتشييد، واستخدم الألمنيوم والزجاج العاكس والبلاستيك والفايبرجلاس وغيرها من المواد الحديثة. لكن الحربين العالميتين، وخصوصا الثانية منهما والدمار الذي خلفتاه، أضفى صفة الاستعجال غير المدروس لعمليات إعادة البناء. ونجم عن ذلك أن امتلأت الأحياء بالمكعبات الإسمنتية الهائلة التي تخلت تماماً عن كل ما له علاقة بالذوق في البناء. وكان ذلك واضحاً بصورة أساسية في معظم أوروبا، وإن تركز بوجه خاص في مناطقها الشرقية. أما في آسيا، فإن اليابان التي حذت حذو أوروبا في إعادة البناء عانت الأمرين في مواجهة الزلازل بأبنية لم يراع في إنشائها أنها ستقام في بلاد تتعرض لثلث زلازل العالم. بين التقليد والتجديد لقد أصبحت لكل مدينة في العالم شخصيتها المميزة. وسواء أكانت تتسم بالفوضى، مثل منهاتن، أو بالقدرة على الإلهام ، مثل فيينا، فإن لكل واحدة منها عشاقها الذين حفظوا رائحتها الخاصة في أعماقهم، والذين يهيمون شوقاً إليها عندما يغيبون عنها، حتى ولو لم يكونوا قد ولدوا فيها. وإذا كان قد جرى استبدال أو تجديد بعض المباني المعروفة في كبريات مدن العالم، فإن هذا لا يعني أن زهو ساكني كل منها بمدينتهم ينحصر بالجديد فقط، بل على العكس من ذلك. ولعل تلك الرابطة الآسرة هي التي تدفع الناس للالتئام حول مدينتهم عندما تحل بها أي كارثة طبيعية، حاملين معاولهم ومجارفهم للشروع في بنائها من جديد، علما بأنه سيكون أسهل عليهم بكثير أن يحملوا أمتعتهم ويرحلوا إلى مدينة مجاورة. ومع إطلالة القرن الجديد، تلوح في الأفق مزيد من المشكلات والعقبات التي ستتطلب في معظم الأحيان إعادة النظر في مخططات المدن القائمة، لتوسيع شوارعها وتحسين بنيتها التحتية، وخصوصاً الاتصالات، ورفع مستوى مرافقها لمواكبة التزايد المستمر في أعداد سكانها وتلبية احتياجاتهم المتغيرة على الدوام بتغير الظروف وتطور العالم من حولهم. وقد لخص المجلس الأوروبي لمخططي المدن في ميثاقه الذي أصدره بعد اجتماعه في أثينا عام 1998 تحت رعاية الاتحاد الأوروبي الوضع بالقول: إن شخصية أية مدينة بالنسبة لسكانها وزائريها تحددها نوعية مبانيها والمساحات القائمة بينها. لقد أدت الخطط الخاطئة لإعادة تنظيم غوغائية إلى تدمير النسيج الحضري لمدن كثيرة بما في ذلك كنوزها التراثية. كما أن تطبيق سياسات تلتزم بنصوص مكتوبة أكل الدهر عليها وشرب أوجد أنماطاً متماثلة لا إبداع فيها من الإنشاءات التي لا تبعث على غير الملل، فضلاً عما تتسبب فيه من شروخ وصدوع في صلب الحياة الحضرية.