صدرت الأوامر من القيادة العليا للقوات المسلحة بانتقال اللواء فورا الى اليمن. كليوبترا.. اسم الباخرة التي نقلتنا من ميناء السويس. فى الليل انظر الى البحر وعمقه.. أشعر بعمق الأبدية.. تنتابني الأحاسيس الغريبة. ماذا لو تعطلت السفينة؟ ماذا لو حدثت عاصفة وغرقت السفينة؟ كنت أتخيل ذلك ورغم عدم ممارستي للسباحة الا اننى كنت واثقا أن القبطان والملاحين وكل اللواء سوف يغرقون ويموتون جميعا وأنا الوحيد الذى سيبقى ويظل حيا. كيف؟ أن أمسك بلوح خشب!! بأى شيء حتى أصل لجزيرة وأبقى بمفردى.. لكني لم استرسل فى الخيال.. ولم أكن خائفا حتى لو ألقوا بى فى اليم، لأننى اثق بأننى سأظل حيا. بعد أربعة أيام وصلت (كليوبترا) الى ميناء الحديدة، وكنا نتلهف الى كوب ماء.. الجو حار.. سكان المدينة يبيعون لنا كوب الماء ببوكشة، وكان (قول) السيارات فى انتظارنا، سار بنا القول حتى صنعاء، ولأول مرة أرى مثل تلك الجبال الشاهقة التي لم أكن أتصورها فى يوم من الأيام.. شعرت بعظمة وجمال الطبيعة.. كانت السحب تظلل بعض قمم الجبال.. وكان معسكرنا فى قرية (ريميد حميد)، كنت كفرد أحمل السلاح.. أشاهد.. أحب المناوشات.. ويضربون وأضرب معهم،، ليس من أجل مبدأ أو ثورة ولكن من أجل القتال فى حد ذاته.. أقسم لك بشرف أمى أني لا أعرف ان كنت قد قتلت أم لا لأننى أضرب فى الظلام.. لم تكن لدينا القدرة على تقدير الزمن. لم يجد لي قائد السرية عملا.. فتركني على البوابة.. كنت أتركها وأجلس فى المقابر المجاورة.. كنت اجلس فوق شواهد القبور، ويقودني تفكيري الى الشخص الذى أجلس فوق قبره.. هل هو قاتل؟ هل هو شهيد؟ شرير؟ مامصيره؟ هل هو فى الجنة؟ فى الجحيم؟ هل يرى الجحيم الآن.. أم الفناء الأبدى؟ كنت أفكر فى ماضى التعس وتخيلت نفسي قد مت، وشعرت بالذهول حين تخيلت نفسي ميتا.. كيف ياترى سأكون!! قررت أن أفتح هذا القبر.. لم أجد الا بعض العظام وجمجمة، ضحكت ضحكة مريرة.. وقلت لنفسي: المصريون يأتون هنا ليقاتلوا، أما أنا فقد جئت أفكر فى الموت والحياة فلم أجد الا بقايا انسان. ياترى هل هذه هى الحقيقة أم الوهم؟ شعرت فجأة اني وحيد فى الكون والظلام يحوطني من كل جانب، أغوص فى أعماق الابدية.. صرخت بأعلى صوتي: يا أيها الاله.. أرني ظاهرة أو علامة. سمعت صوتا من أعماق سحيقة يهتف بى ساخرا. لست نبيا أو رسولا.. لست ابراهيم أبا اسحق واسماعيل لاعطيك العلامة التي تنشدها.. انك لست الا مجنونا بائسا.. لم تأت الى هنا بمحض اختيارك.. ولكنك اتيت لتقتل فقط حين يأمرك قائدك بذلك. قلت لنفسي: هل جئت لأقتل ربما انسانا مثلى يبحث عن وجه الحقيقة.. ربما انسانا قد تألم ولم يجد الا الحرمان فى حياته ثم باشارة من يد قائدى الحقير أسكت فيه صوت الحياة وعندئذ قررت الا أقتل أو أحارب وكرهت الحرب ونبذت صوت القنابل وطلقات المدافع والرصاص، وأعيش حياتي، أو الفترة التي سأقضيها هنا.. سأعيشها كما تمليها علي مبادئ وليقولوا أو ليفعلوا مايريدون.. يمزقوننى.. يلقون بى فى أعماق السجون. حذرني زملائي ولكني لم أبال.. صادقت الجماهير اليمنية فى سرية التعيينات وجدت جنودا آخرين قد أتوا مثلى من كتائبهم.. فقط لمجرد التخلص منهم، وهم سيد السويسي وأحمد الصغير الذى أطلقت عليه فيما بعد (النذل الصغير) واشتهر به.. كنت أقف أنا والنذل الصغير فى قسم الوقود وباقى السرية تشجعنا. (أيوه ياعبده.. أيوه ياصغير). اتفقت أنا وسيد السويسي والنذل الصغير الا نفترق أبدا، وبذرت فيهما سموم افكارى.. وكانا يسمعاننى وهما فاغرا الأفواه. فى يوم سمعنا همهمة غير عادية وقالوا: «فيه واحد مقتول من ك 5.. كان نازل يملأ من البير. . فقتله اليمنيون.. قطعوا رقبته بالسيف». كشفت عن وجهه فوجدته وجه صديقى علي عويس، شعرت بتجمد فى أطرافى.. شل تفكيري.. سخرت من الحياة وخلوها من المعنى. يوم أن مات علي مزقت كل الملابس التي اشتريتها وحطمت الراديو وجميع ماجمعته. مادامت نهايتنا الموت.. لماذا الشراء ؟ أشترى لمن؟ أدخر لمن؟ شعرت بعدم جدوى الحياة، يشترى الانسان ويشترى ويستولى ويسرق وفى النهاية يستولى عليه القبر. عملية حسابية رهيبة. نلعب على مائدة القمار. نعيش جميعا على مائدة القمار. حذار من الورق.. كله خاسر.. ان لم تكن الخسارة فى اليوم الأول فهى فى اليوم الأخير.. من يبتعد عن المائدة هو فقط الرابح. الرابح فى دنيانا أبله.. مجنون. دنيانا مائدة قمار.. نقامر.. نقامر حتى النفس الأخير.. تجمعنا أنا وسيد السويسي والنذل الصغير وذهبنا لقائد اللواء وقلنا له. يافندم احنا أقسمنا مانترك بعضنا أبدا. منحنا قائد اللواء أسبوع سجن ورحل كل فرد الى وحدته الأصلية وتفرقنا. عدت الى سريتي الأصلية.. شعرت بغربتي.. ليس لي عمل.. ليست لي مهنة.. ليست لي ضرورة. فكر قائد السرية فى عمل لي، فتركني خدمة على البوابة.. كنت جنديا زائدا عن الحاجة.. كل عملى هو لعب القمار.. فى النهار ألعب تمرينات رياضية واقرأ بنهم شديد وأفكر كثيرا.. وفى الليل ألعب الورق.. تضيع الساعات الطوال فى الليل بسرعة مذهلة. اللعب على خراطيش السجائر.. أقل يوم أربح فيه عشرين خرطوشة. كلما أرسلت لأسرتي رسالة أرسلها ممتلئة بالسباب واللعنة عليهم.. لماذا أنجبوني؟ كى أرى الحياة القذرة ؟ اذا كان هناك ناس جديرون بالكراهية فى هذا العالم فأنتم لأنكم الذين تسببتم فى ايجادى بهذه الحياة. بعث لي أخى محمد خطابا طويلا.. قال فيه: إذا كنت تتمنى لهم أن يموتوا فاعلم أن أمك على وشك الموت وأباك مريض وخالتك قد ماتت فعلا ودفنت فاطمئن. هذا الخطاب هز وجداني.. ذهبت لقائد اللواء أطلب اجازة لكنه رفض قائلا: سنعود جميعا.. مصر فى نكسة. فى يوم الرحيل.. احتل كل منا مكانه فى السفينة.. عمر يجلس أمامى ينظف سلاحه.. خرجت من بندقيته ثلاث طلقات.. اخترقت جانب سترتي الأيسر وخرجت، كانت سترتي واسعة وأتت الرصاصات الثلاث فى الفراغ من جانب سترتي الايسر ولم تصبني بشيء. تخيلت ان الرصاصات قد أصابتني واني قد فارقت الحياة.. تمنيت أن أعيش وفجأة تبلد تفكيري.. أغمي على عمر وعندما استرد رشده قال: معلهش ياعبده كنت حاخد سنتين سجن. يعني ماكنتش خايف أني أموت.. كنت خايف على نفسك من السجن بس. بتضربني ليه. لأن حياة كل انسان ياكلب مهمة.. وتعني شيئا حتى اذا لم تكن تعني شيئا بالنسبة للآخرين. نفد الماء من الباخرة والجو حار والجنود عطشى.. لم يكن فى السفينة سوى الماء الاحتياطى.. تركونا عطاشى وفضلوا أن يتركوا الماء الاحتياطى للسفينة.. العطشى والحرارة و السفر والماء المالح. البحارة تبيع كوب الماء بعلبة سجائر. ولأن قناة السويس مغلقة بسبب النكسة توجه القبطان الى ميناء بورسودان.. منظر لا أنساه. ولن أنساه ماحييت. حين وصلنا بورسودان أحضر السودانيون عائلتهم واستقبلونا باللانشات فى عرض البحر الاحمر وانطلقت من سفينتنا كليوبترا التحية. (توووت.. توووت). اللانشات الصغيرة.. كانت تحيينا.. (توت.. توت) (طات طات). ماأجمل هذا المشهد.. اللانشات تحيط سفينتنا وكل السفن التي فى الميناء ترد التحية الواحدة وراء الأخرى. كانت التحية سيمفونية رائعة.. سيمفونية محبة الانسان للانسان.. نسينا متاعبنا وأحزاننا وعطشنا وكل شيء فى هذه اللحظة. كنا نسخط على الحرب.. على الجيش.. على القادة.. هتفوا لنا.. نزلوا .. والسودانيون يسقوننا الماء المثلج والمرطبات ويهتفون: ـ يحيا وادى النيل، تحيا مصر والسودان. أحسست بشيء ما.. أحسست بأن هناك شيئا ما يربطني بهذا البلد.. أنستني متاعبى وأحزاني فى لحظة وصوت اللانشات (توت توت.. طات طات). أحسست ان كل الناس يحبون بعضهم مثل السودانيين. فى اليوم التالى تتبعتنا اللانشات لبضع ساعات فى عرض البحر، وودعنا شعب السودان أعظم وداع شهدته فى حياتي. النصر لمصر.. يحيا قلب العروبة النابض.. تحيا مصر.. النصر لمصر. (توت.. توت.. توووت.. توووت.. طات.. طات). ودعتنا اللانشات حتى تركنا أرض السودان. أحببت السودان كما لم أحب بلدا آخر قط.. كل فرد يأتي بأسرته.. يشجعونا.. يستقبلونا ويودعونا.. ماأجمل ملابسهم البيضاء ووجوههم السمراء وابتسامتهم الخضراء.. لم أنس هذه السيمفونية قط. سيمفونية البعث.. شعرنا وكأننا رجل واحد بفعل الحماس. أيها الوطن الحبيب.. أيها السودان.. اني أذكرك.. ولن أنسى سيمفونية البعث التي استقبلتمونا وودعتمونا بها. وصلنا الى (أبى غصون).. لم أكن أريد أن أضع قدمى على أرض مصر، بل كنت أريد أضع شفتي لتقبل ترابها الغالى. نقلتنا السيارات التي كانت فى انتظارنا من (أبى غصون) الى (ادفو) ومن أدفو استقللنا القطار الى محطة مصر. كان أبى ينتظرني فى محطة مصر ترك رزق يومه ووقف شاردا مشدوها.. يحملق فى نوافذ القطار.. كنت أرقبه من خلف النافذة بحذر شديد حتى لا يراني ويراه زملائي بملابسه الممزقة وحبله الذى يربط به حقائب المسافرين ويرفعها على كتفه. كلما علم أن هناك قطارا ممتلئا بالجنود سواء من اليمن أو غيرها يجرى فى شبه ذهول.. كنت أتوقع ذلك.. فجلست أرقبه من طرف خفى حتى لا يراني. أننى أحترم والدى جدا.. لكن الناس تحكم بالمظاهر.. أخشى أن يسبني أحدهم (يابن الشيال) فى هذه اللحظة أقتله. انتابني الحنين اليه.. كنت أريد أن أنزل إليه.. أطوقه بذراعى.. أبكى على كتفه.. بدأ الصراع يشتعل فى. (ياولد انزل.. لا.. ياولد ده والدك.. لا..) كلما اقترب مني اختفيت عنه. . كى لا يراني.. كنت لا أحب أن يراه أصدقائي وهو على هذا الحال. نقبت عيناه كل القطار.. لم يجدني.. جلس فى الاستراحة بعد أن انتهى خائب الامل. نزل كل الزملاء.. عدوت وراءه دون أن يراني أحد. كان يجلس ويضع وجهه فى يديه وضعت يدى على كتفه وقلت له: بابا. هه.. نعم يا أستاذ. أنا عبده. نعم. أنا عبدربه.. ابنك. كان شكلى قد تغير قليلا.. نظر الي للحظات، طوقني بذراعيه أكثر من ربع الساعة.. كاد يمزق ضلوعى.. بكى على كتفى.. قال: أنت جيت فى القطر ده. آه. أنا غبى يابني.. كان حقى انتظر لحد ماتنزل سامحني يابني.. معلش يابا.. أنا قعدت انتظرك.. وكان أملى أني أشوفك.. لكن معلش.. ياله يابني نروح.. أمك حتفرح خالص. لا.. أنا رايح كتيبة الامداد بالرجال ويمكن أروح بكرة. رجع أبى الى البيت.. والجميع يكونون فى انتظار يديه المحملة بالفاكهة.. كان رجلا ساذجا وطيبا.. دخل العشة التي نسكنها على سطح العمارة.. قال لهم: تدوني أيه لو قلت لكم حاجة حلوة. يعني حتقول عبده جه. آه عبده جه ياولاد.. عبده جه ياولاد. فى الصباح ذهبت الى عمارة أمام سينما ديانا صرفت شيكا بمبلغ مائة جنيه.. عندما أمسكتها بيدى تذكرت غني الحرب.. فجأة معي فلوس.. لا أعرف كيف أصرفها.. اشتريت حقيبة كبيرة.. ووقفت أفكر بأى شيء أملؤها.. ملأتها بالفاكهة لأننى أفضل أن يشتروا أهم مايريدون شراءه. تتلقفني الأحضان.. التفوا حولي.. الجميع ينظرون الى الحقيبة ماعدا والدى. فتحت أختي الصغيرة الحقيبة فوجدت بها موزا وبرتقالا.. أحسست بالمرارة ملء أفواههم جميعا.. كانوا ينظرون الى الحقيبة بنهم.. كل واحد يتخيل ما اشتريته من اجله.. كل فرد يريد أن يستولى بخياله على جزء كبير من الحقيبة. لكن الحقيبة لا تحمل سوى موز وبرتقال.. قال أخى محمد: أمال فين الحاجة اللى جبتها. ماجبتش حاجة ليه؟ اتسرقت.. ضاعت.. احمدوا ربنا اني رجعت حى. حاولت أن أعطى أمى المائة جنيه لكنها رفضت معللة. الفلوس دى خليها معاك.. أصرفها.. ملناش دعوة بيها.. يعني كانت حتسعدني لو مت.. دى فلوس اليمن حرام.. كل اللى جه من اليمن ضيع فلوسه.. زى ماتكون حرام يابني. فين أختي بثينة. فى مستشفى القلب فى الهرم. نزلت أنا وأخى محمد واشترينا أشياء كثيرة.. قلت لمحمد: تعالى نشترى لبثينة حاجة.. أنا نفسي أشوف ابتسامة على وشها. مش لازم دلوقت تعالى نشترى لها سلسلة ذهب. تبقى ماما تشتريها. أنا عارفك بتكرهها.. عايز أيه ياأخى اشتريه لك.. قول.. ليه تحرمها من الابتسامة والفرحة. تشاجرت فى محل الصائغ، ولم أشتر شيئا وفى المنزل قلت لأمى وخالتي تجلس جوارها على السرير ذى العمدان الصدئة: تصدق أن ابنك محمد قلت له تعالى نشترى لبثينة سلسلة ذهب نفرحها.. دى مريضة.. وعايز أدخل الفرحة فى البيت ده. بكت أمى وقالت خالتي: والنبى ياعبده تسكت. حصل حاجة ياخالتي. أنت بتحب أمك ولا أختك. الاثنين. الله يرحمها. بكيت.. كنت أحملها وألقى بها على الأرض.. كنت أسمع طقطقة عظامها.. كنت أقول لها اطلعى.. انزلى. كانت تضع يدها على قلبها وتقول لي فى حزن والدموع تترقرق على صفحة عينيها الزرقاوين: والنبى ياعبده قلبى بيوجعني.. مقدرش أنزل خامس دور واطلع. بلاش المسكنة.. أنا أحب العيان يموت ويريحني.. أيه اللى مرضك ياختي.. انزلى. أضربها بقسوة.. أحملها بين يدى وأرفعها عاليا ثم أتركها تسقط على الأرض.. لم أكن أعرف أنها مريضة بالقلب.. أنا الذى قتلتها.. كانت تضع يدها على قلبها وتقول لي (مش قادرة والنبى ياعبده). لم أكن سوى حيوان لا يشعر.. كنت أحسبها تمكر بى أنا الذى قتلتها. تخيلت شبح الموت وآخر مرة رأيتها وهى مازالت على قيد الحياة. كيف كانت تتحدث، وهى الآن عظام.. تراب.. ذهبت الى مقبرتها.. تذكرت على عويس الذى ذبحه اليمنيون وخالتي ونورا وكل من ماتوا. رأيت وجهها السماوى الصافى صفاء لانهائيا.. سمعت صوت الموسيقى القدسية.. كنت أقول لنفسي: لابد أن أموت يوما ما. سمعت أختي نورا تناديني: (أنت مش من أهل الأرض.. أنت من أهل السماء). ـ رفقي بدوي قاص مصري صدر له: (هرمونيا الحزن والعبقرية) مجموعة قصص 1977، (أنا ونورا وماعت) رواية 1978، (البحث عن حقيقة مايقال) مجموعة قصص 1983، (هذا ماحدث أولا) مجموعة قصص 1983، (صباح الحب الجميل) مجموعة قصص 1990، قراءات نصية) قراءة نقدية 1994 لنماذج روائية، (القابض على الجمر) مجموعة قصص 1998